«الواقع تجاوز الخيال» بقلم: صفاء الليثى   فى إطار مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية استمتعت بمجموعة أفلام المسابقة الطويلة المشاركة كلها إذ تمكن المخرج والناقد أحمد حسونة المدير الفنى

8887777

«الواقع تجاوز الخيال»

بقلم:

صفاء الليثى

 

فى إطار مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية استمتعت بمجموعة أفلام المسابقة الطويلة المشاركة كلها إذ تمكن المخرج والناقد أحمد حسونة المدير الفنى للمهرجان من اختيار أفلام جيدة جدا فى مجملها ساعده على ذلك عدم التقيد بشروط تكبل اختيارات الناقد الكبير يوسف شريف رزق الله لمهرجان القاهرة حيث تشترط لائحته ألا يكون الفيلم المشارك بالمسابقة قد شارك أحد المهرجانات الكبرى الخمسة عشر فى الاتحاد الدولى للمهرجانات، وباعتبار القاهرة مهرجانا دوليا كبيرا فلا يمكن أن يقبل ضمن مسابقته فيلما عرض بمنطقة الشرق الأوسط أو بأى من مهرجاناتها كدبى ومراكش، كما يشترط ألا يكون قد عرض تجاريا بمصر. وكلها شروط تحرر منها المهرجان الوليد بشرم الشيخ فكانت أفلام مسابقته قوية ومتنوعة.

منها الفيلم المصرى «على معزة وابراهيم» وهو فيلم عصى على التصنيف تزامن عرضه تجاريا مع عرضه بالمهرجان. يبدأ الفيلم بمشهد افتتاحى لضابط بوليس يقبض على سائقى ميكروباص متهالك مما تعج بهم القاهرة للاشتباه فى استخدام دبدوب الفلانتين فى تهريب المخدرات، لا يلتفت الضابط وقوة أمنه إلى حادث اختطاف أنثى فى سيارة متهالكة أيضا ولا إلى صراخها ويصر على تمزيق الدبدوب الذى يتبين فى النهاية براءته من التهريب. الدبدوب هدية من على إلى خطيبته ندى، المعزة، وسنعرف قرب نهاية الفيلم سبب تعلقه بها بديلا عن خطيبته التى سقطت فى النيل بينما يبثها غرامه على الكوبرى الذى فتح فجأة، وبعد رحلة طريق فى أنحاء المحروسة مع ابراهيم الذى يسمع أصواتا، واختفاء ندى المتكرر ثم عودتها، تظهر ندى فى منام أهل الحي. يقدم لنا السيناريست أحمد عامر والمخرج شريف البندارى مشهدا يذكرنى بروح ثورة 25 يناير حيث يقام تمثال للمعزة ندى ويكتب على الحوائط نداءات.. عودى يا ندى.

17397607841481045588

بين المشهد الواقعى اليومى والعبثى أيضا، وبين مشهد رومانسى ثورى يقع الفيلم الطويل الأول للمخرج شريف البنداري، يستسهل الواحد منا فيسميه فانتازيا وهو توصيف متعسف أجده عجزا منا نحن نقاد السينما عن تصنيف عمل لا يقدم الواقعية التقليدية ولا الرومانسية الغنائية ولا أفلام الأكشن الجادة أوالكوميدية فنقول فانتزيا، من الفانتازى بمعنى الخيال. وهل العمل الفنى أمر آخر سوى خيال لصناعه ؟ بعض مشاهد الفيلم مستمدة من الواقع ومتقيدة بتفاصيله، وبعضها ينطلق فى حلم يقظة كبير فيصارع الأشرار بروح صبى تربى على مغامرات جرانديزر فى المشهد الذى ظهر فيه ابراهيم مع معدات اخترعها لإثارة أصوات تؤدى إلى شل البلطجية وإحداث ما يشبه الجنون الحركى لهم، ابتسمت سعيدة بظهور أحمد مجدى فى دور ابراهيم وقد تفتق ذهنه عن هذا الاختراع الصبيانى لينقذ صديق الطريق على معزة من مجموعة الأشرار، طفولة المخرج التى بدت فى الفيلم عبر مجموعة من الحلول أكدها بكاؤه وهو يعتذر لجمهور مهرجان شرم الشيخ عن سوء النسخة التى بدأت فى التوقف والتعثر فى الثلث الأخير من الفيلم، باستثناء المقدمة والنهاية سار الفيلم ببطليه عبر رحلة لثلاثة مسطحات مائية البحر المتوسط فى الاسكندرية، البحر الأحمر فى سيناء ثم نهر النيل بالقاهرة فى نهاية الرحلة، ومع ذلك لا يمكن تصنيف الفيلم أيضا بأنه فيلم من نوعية أفلام الطريق، إذ لا ينطبق عليه حرفيا ملامح هذا النوع، فالرحلة لم تحتل زمن الفيلم كله ولم يعد البطلان من الرحلة وقد تغير بهما أمر مهم بل حدث التغير فى نفس مكان انطلاقهما من عشوائيات القاهرة وعلاقات شعبها. وكما القصص الشعبى وجدا الحل ليس فى المكان الذى سافرا إليه بل فى موقعهما الذى انطلقا منه.

كتب قصة الفيلم المخرج الذى دشن حركة السينما المستقلة فى مصر وفعل كما فعل محمد خان حين ترك قصة سواق الأتوبيس إلى عاطف الطيب وقد وجد أنها مناسبة له أكثر. وإن كنت أعتقد أن البطوط اهتم أكثر بأن تخرج الفكرة إلى النور فتركها لمخرج آخر قد يرضى به المنتجون، تحمس حسام علوان للفكرة فأنتجها مع محمد حفظى الذى عوض غياب حسين القلا عن الإنتاج وأصبح المساند الأول لتجارب مخرجين جدد، وبمساندته لشريف البندارى اكتسبت السينما المصرية مخرجا جديدا يضخ فى صناعته دماء جديدة.

أثناء عملى فى مونتاج فيلم «ثلاثة على الطريق» مع المخرج محمد كامل القليوبى عام 1993، كانت أزمة فيلم « الأفوكاتو» لرأفت الميهى ما زالت حاضرة فى الأذهان، القليوبى شرح لى أنهم استدعوا إلى الشهادة بالمحكمة أستاذ مادة السيناريو د. يحيى عزمى حيث ان دفاع المخرج المؤلف – المتهم – رأفت الميهى قد نفى صلة فيلم موكله بالواقع وعليه تسقط القضية التى رفعها المحامى مرتضى منصور، وقد بنى شهرته على رفع القضايا على الفنانين، شهد د. يحيى عزمى بأن الفيلم من نوع الفانتزيا الذى لا يمت للواقع بصلة. ومن يومها انتشر هذا التعريف الذى يمكن تطبيقه على أى عمل به ابتكار ولا يطابق الواقعية الكلاسيكية، يضحك القليوبى ويؤكد – مفيش حاجة اسمها فانتازيا- وأنا معه تطبيقا على فيلم «على معزة» فالواقع كما يقول الشباب فى بلادنا هذه الأيام- الواقع فشح الخيال- مستشهدين بأمثلة غير متناهية عن حوادث وأشخاص وحكايات واقعية، حدثت بالفعل تتجاوز كل خيال فنى قدمه إنسان فى الماضى أو الحاضر. كما أن عملا فنيا به من الخيال، الفانتازى، ما يجعله جديرا بأن يصنف كعمل فني.

365868_0

تعبير الفانتزيا أطلق أيضا على الفيلم الروسى، الفرنسى الألمانى المشترك «زولوجي» عن فتاة مرفوضة من مجتمعها، ناتاشا وهى سيدة فى منتصف العمر تعمل فى حديقة الحيوان، وتعيش مع أمها فى بلدة ساحلية صغيرة. تشعر أنها عالقة فى الحياة التى ﻻ تحمل لها أى مفاجآت، حتى ينمو لها ذيل فى يوم من الأيام، ذيل غليظ يشبه زلومة الفيل. لجأ المخرج بفكرة زولوجى إلى تجسيد الاختلاف بشكل عضوى محدد لمناقشة التعصب، المخرج يركز تماما على بطلته وعلى حكايتها ومأساتها دون الدخول فى موضوعات فرعية ودون أن يشاركها البطولة أحد غيرها، حقيقة وجود بعض الأشخاص يولدون ولهم بقايا ذيل يعانونه، حقيقة علمية معروفة، ولكنها ليست بالحجم الذى جسده المخرج ايفان تفردوسكي، وهو هنا يقصد تجسيد الاختلاف فى أوضح صورة لينتقد عنصرية البشر وعدم قبولهم من يختلف عنهم. تجسيد الذيل مكنه من طرح أفكار عادت إلى الناس مع التوجه اليمينى الذى يجتاح العالم فنجد الناس يتصورون أن هناك شيطانا يتجسد فى صورة إنسان ولكن له ذيل ووجوده يمثل نوعا من اللعنة حلت على البلدة. يعرض المخرج أيضا لدجل معاصر يسمى العلاج بالطاقة أو التنمية البشرية، ويجعل بطلته والممرض الذى صادقها يسخران من هذا الدجل المعاصر، كوميديا ثقيلة أفضل عدم تسميتها بالسوداء لابتذال المصطلح، بل هى نوع من الكوميديا الغليظة، يضعنا المخرج بها أمام أنفسنا ويفضح بذور التعصب داخل كل منا. ويأتى الحل قاسيا أيضا حين تقرر الفتاة ناتاشا أن تضع سكينا حادا بين عوراض كرسى خشبى لتقطع بنفسها الذيل، الذى ينفر منها الآخرون، وينتهى الفيلم. الفتاة كانت طبيعية وتعيش وحيدة مع والدتها، ومع مرور الأيام ينمو لها ذيل. فتقوقع أكثر وتصبح مصدرا للسخرية. تصورت بما يغلبنى من رغبة ساذجة فى انتصار الخير أن ظهور الرجل المحب فى حياتها سيذيب الذيل وكأنه لم يكن، مثل حكاية الأطفال – والت ديزنى – الجميلة والوحش حيث يتحول المسخ إلى شاب جميل عندما تحبه فتاة جميلة، ولكن المخرج وهو نفسه المؤلف ومن قام بالمونتاج أيضا لا يسلينا بحكاية خرافية بل يصدمنا بقسوة.

مشاعر متضاربة تلقينا بها الفيلم بين الإعجاب بوحدته العضوية وعناصره الفنية المصاغة ببراعة وبساطة وبين شعور بقشعريرة من قبح ذيل ضخم كهذا على فتاة لم تتزوج.

فيلم «زولوجى» كما «على معزة وابراهيم» مرجعيتهما من القصص الشعبى والحكايات المتواترة، ولكن الفيلم الروسى أوصل رسالته عبر سينما مباشرة واضحة لا تحتاج شرحا أو تفسيرا كالذى لجأ إليه أحمد عامر كاتب «على معزة وابراهيم» ليبرر لنا سبب تعلق الشاب بمعزته واتخاذها خطيبة كما بنات جنسه.

يتشابه مخرجنا المصرى مع المخرج الروسى فى مسيرته المهنية والخلاف فقط أن الروسى أصغر بعشر سنوات حيث نعانى فى مصر صعوبة حصول الشباب على فرصة إلا بعد مرور سنوات. ايفان تفردوسكى قدم عددا من الأفلام القصيرة الناجحة بعد تخرجه من معهد السينما تماما كما البندارى وكلاهما حصلا على العديد من الجوائز قبل أن يخرج الروسى عمله الأول والثانى هذا، وقبل أن يخرج البندارى عمله الطويل الأول، هدف كل مخرج فى مصر مهما قدم من أعمال قصيرة من قبل.