الحب والموسيقى بقلم: محمد صالح   الحب هو نوع من المشاعر يتميز بها الإنسان تربطه بإنسان أو شىء آخر، هو إحساس بالانجذاب العميق. الحب هو فرع فلسفى من منطلق أنه

6970518-love-note-music

الحب والموسيقى

بقلم:

محمد صالح

 

الحب هو نوع من المشاعر يتميز بها الإنسان تربطه بإنسان أو شىء آخر، هو إحساس بالانجذاب العميق. الحب هو فرع فلسفى من منطلق أنه مشاعر ذاتية، وأحاسيس حميمية اختيارية موجّهة نحو الإنسان/الشىء المحبوب. والحب هو أحد أهم المؤشرات الذاتية على السعادة. الحب أيضا هو أحد أهم الموتيفات الأساسية فى الثقافة والفنون على مدار التاريخ فى كل بقاع الأرض، الحب موضوع قتل ويقتل وسوف يقتل بحثا، فهو مرتبط بالروح الإنسانية، والروح لغز الإنسان على الأرض، لا أحد يعرف أين تحلّ، ولا كيف تحلّ، ولا متى وكيف وإلى أين ومن أين تخرج! من منا لم يخفق قلبه يوما فى انتظار محبوبته، ويشعر بإيقاع القلب يتسارع من لفتة أو إيماءة أو لمسة أو كلمة أو حتى ذكرى. الحب هو الحياة، نعمة الله التى وهبنا كى نسعى فى الأرض ونعمّرها ونملأها ضحكات وأغان ورقصات وجمال يذوب فى جمال الخالق.

ولمّا كان الموسيقيون بدورهم يتعاملون مع أطياف المشاعر غير المرئية، ويستطيعون من خلال أنغامهم النفاذ إلى ما وراء وعينا، فتتغير الكيمياء وتتبدل الحالات وربما تذرف الدموع وتخرج الآهات، فإن الموسيقى هى الأخرى ارتبطت بالحب ارتباطا وثيقا عميقا، وأضحت رسائل الحب الموسيقية علامات راسخة فى الموسيقى بشكل عام، وفى الموسيقى الكلاسيكية على وجه التحديد.

لقد ألهب الحب مشاعر لودفيج فان بيتهوفن (١٧٧٠-١٨٢٧) تجاه طالبته الكونتيسة جولييتا جويتشاردي، والتى أصبح يدرسها عام ١٨٠١، وتعلّق بها. كتب بيتهوفن فى ١٦ نوفمبر ١٨٠١ مخاطبا صديقه فرانز فيجيلير: “لقد أصبحت حياتى أكثر سعادة، خرجت أخيرا إلى المجتمع وأتعامل مع الناس، لن تصدّق كيف تغيّرت حياتى فى السنتين الأخيرتين، يعود ذلك التغيير لفتاة جميلة ساحرة تحبنى وأحبها. وبعد سنتين عدت أستمتع بلحظات من الهناء، ولعلها المرة الأولى التى أحس فيها أن الزواج قد يكون مصدر سعادة لي، لكن للأسف فإنى لست من مستواها، والآن لن أتمكن بكل تأكيد من الزواج”. عام ١٨٠٢ كتب بيتهوفن سوناتا مصنف ١٤ فى سلم دو دييز الصغير للبيانو المنفرد وأهداها للكونتيسة جولييتا جويتشاري، لتظل تلك السوناتا من أشهر ما كتب فى ريبرتوار البيانو بشاعريتها وصفائها ورقتها وعذوبتها. على الرغم من ذلك فإن هناك من يقول أن بيتهوفن لم يكن يعتزم إهداء جويتشاردى السوناتا الشهيرة، وإنما يعتزم إهداءها روندو فى سلم صول الكبير مصنف ٥١ رقم ٢، لكنه اضطر إلى إهداء الروندو إلى الكونتيسة ليخنوفسكي، وبحث عن هدية لجويتشاردى فلم يجد أمامه سوى السوناتا التى كان قد كتبها لتوه.

أطلق على هذه السوناتا اسمها الشهير “ضوء القمر” الناقد الموسيقى والشاعر الألمانى لودفيج ريلشتاب (١٧٩٩-١٨٦٠)، فى عام ١٨٣٢ بعد خمسة أعوام على وفاة بيتهوفن، ربط ريلشتاب تأثير الحركة الأولى من السوناتا بصورة ضوء القمر المنعكس على بحيرة لوتسيرن. لم تمر عشرة أعوام، حتى كان ذلك الاسم “سوناتا ضوء القمر” يستخدم فى جميع الطبعات الألمانية والإنجليزية لهذه السوناتا، وبنهاية القرن التاسع عشر، كانت السوناتا معروفة بهذا الاسم فى كل مكان.

hqdefault-1

وبصرف النظر عمّا إذا كان بيتهوفن قد كتب السوناتا وهو يعتزم إهداءها للكونتيسة جولييتا جويتشاردي، أم كتبها لسبب آخر.. فإن الحالة المزاجية للسوناتا المعبرة بصدق عن حالته فى ذلك الوقت تؤكد تلك الكيمياء الشغوفة بالحياة والحب الذى ينتظر نهاياته السعيدة بينما يتهادى فى قلق وتوتر وخوف من المستقبل المجهول. بصرف النظر عمّا إذا كان الاسم ينتمى لشخص آخر، ولعصر آخر، إلا أن الوعى الموسيقى البشرى كان شغوفا بدوره لاستقبال ذلك الاسم، وإلصاق السوناتا به، فى القرن العشرين أصبحت تلك السوناتا أشهر وأول ما يعزفه المبتدءون والهواة وأول ما يسمعه جمهور الموسيقى الكلاسيكية الذى يخطو خطواته الأولى نحو الموسيقى الكلاسيكية.

إن قصة الحب العميقة بين روبرت شومان (١٨١٠-١٨٥٦) وكلارا فيك (شومان) (١٨١٩-١٨٩٦) تعد من أهم قصص الحب الملهمة فى تاريخ الموسيقى الكلاسيكية. حينما وصل روبرت شومان إلى مدينة ليبزيج الألمانية عام ١٨٣٠ التحق بفصل أستاذ البيانو الأشهر فى المدينة فريديريخ فيك، وانتقل للحياة بغرفة فى منزل أستاذه، كان لـ«فيك» ابنة صغرى تبلغ من العمر أحد عشر عاما، وكانت عازفة بيانو فى هذا السن الصغير تؤدى حفلات على خشبات المسارح، أما شومان، فنظرا لإصابة فى يده اليمنى، لم يصبح عازفا واتجه للتأليف، وقع شومان فى حب كلارا حينما كانت فى الخامسة عشر من عمرها، ولم يكن من الأب إلا أن وقف عائقا أمام زواجهما حينما أتمت كلارا سن الثامنة عشرة. لجأ العاشقان إلى قاعات المحاكم للتغلب على رفض الوالد، وبعد معركة قانونية طويلة تزوج الثنائى روبرت وكلارا شومان فى ٢١ سبتمبر ١٨٤٠ قبل يوم واحد من إتمام كلارا الواحدة والعشرين.

فى تلك القصة كانت الموسيقى حاضرة طوال الوقت، ففى العام الأولى فقط من الزواج كتب شومان ما يربو على ١٣٠ أغنية للصوت والبيانو تشدو كلمات الكثير منها بالحب لكلارا، أنجبت كلارا ثمانية أطفال ولم تتوقف يوما عن عزف البيانو، ولم يتوقف شومان عن التأليف، كانت الموسيقى هى الرابط الرئيس بينهما، كانت اللغة التى تواصلا من خلالها، الجسر الذى عبرت عليه قصة الحب الرائعة عبر التاريخ والجغرافيا.

تسببت قصة الحب بين سيزار أوجست فرانك (١٨٢٢-١٨٩٠) وتلميذته يوجين سايو (١٨٢٤-١٩١٨ ) فى قطيعة مع والديه. حينما اكتشف والد فرانك مقطوعة موسيقية مهداة إلى يوجين بكلمات عاشق ولهان على مكتب ولده المؤلف الموسيقى عام ١٨٤٦ استشاط غضبا، ومزّق النوتة الموسيقية فى حضور سيزار، فما كان من الابن إلا أن ذهب إلى بيت محبوبته حيث كانت عائلتها تستقبله دائما بكل سرور، وكتب المقطوعة الموسيقية مرة أخرى من الذاكرة. كان سيزار أوجست فرانك آنذاك فى الرابعة والعشرين من العمر، ولم يكن القانون الفرنسى يسمح بزواج الشاب أقل من خمسة وعشرين عاما دون إذن من والده. تدهورت العلاقة بين سيزار ووالده، واتهمه الوالد بتكدير مزاج والديه وتدمير العائلة. مع إشراقة صباح فى يوليو من ذلك العام (١٨٤٦)، خرج سيزار فرانك من بيت والديه ولم يعد أبدا.. انتقل للحياة فى بيت عائلة يوجين سايو، وغيّر اسمه إلى سيزار فرانك، واعتزم فى تلك اللحظة أن يصبح إنسانا جديدا. تزوج بيوجين بمجرد إتمامه الخامسة والعشرين. وأصبح بعد تلك الواقعة سيزار فرانك المؤلف الموسيقى وعازف البيانو والأرغن والمعلم البلجيكي/الفرنسى الذى نعرفه «حصل على الجنسية الفرنسية ليتمكن من التدريس فى كونسيرفاتوار باريس».

لقد دفع الحب بفرانك نحو حالة دائمة من الحنين «النوستالجيا».. الحنين للمكان أو للزمان أو للإنسان. هناك جملة موسيقية فى أعماله دائما ما تنزع إلى مكان ما فى الماضي، جملة تستعذب ألم الرحيل/الفراق، تستخرج منه لحظة حالمة، دفئا عاطفيا، جملة تصوّر تلك الذكرى الماضية بخيالاتها وأحلامها الساذجة البريئة وتجسدها الآن وهنا، بينما تمضى اللحظة الراهنة دون أن نلتفت إليها سوى بعد أن تصبح هى الأخرى “ماضيا” يسبب حنينا إضافيا. إنه الحب من جديد، الشغف والقلق والتوتر والرغبة المستمرة فى اللقاء والتواصل، و”الحياة فى الماضي” وصعوبة الإمساك باللحظة. تتحرك موسيقى فرانك بأثر رجعي. موسيقى تصرخ فى محاولة لإيقاف عقرب الثواني، فتعجز عن ذلك وتتحرك مقاومة إياه مستسلمة إلى فعل الحنين كتعويض عن ذلك العجز.

الحب أحد أهم محركات الموسيقى، والموسيقى أحد أهم محركات الحب.. دائما هنالك أغنية ما ارتبطت بعلاقة ما، بزمن ما، بحالة ما.. والحب بدوره ملهم، يحرّك المشاعر، ويحرّك الإلهام ويهدى البشرية أنغاما وكتابات ولحظات تظل فى التاريخ شاهدة على عجز الإنسان «أى إنسان وكل إنسان» عن الحياة بلا حب.