من الأقصر إلى قوص: الثقافة فى صعيد مصر ودور المهرجانات السينمائية رسالة الأقصر : أحمد شوقي   كان من المفترض أن يكون هذا المقال بالكامل عن مهرجان الأقصر للسينما الافريقية.

777777

من الأقصر إلى قوص: الثقافة فى صعيد مصر ودور المهرجانات السينمائية

رسالة الأقصر :

أحمد شوقي

 

كان من المفترض أن يكون هذا المقال بالكامل عن مهرجان الأقصر للسينما الافريقية. المهرجان الذى اختتمت فعاليات دورته السادسة مساء الأربعاء الماضى فى المدينة التى تحتفل باختيارها عاصمة للثقافة العربية، بينما لا يزال المهرجان السينمائى الذى صار الوحيد فيها (رفع هذا العام شعار مهرجان المدينة) يعانى لاستكمال ميزانيته والوفاء بالتزاماته، وكأنه فى كل عام حدث جديد يقام لأول مرة، وليس مهرجانا صار راسخا وله قيمته لدى صناع السينما فى مختلف أنحاء القارة السمراء. غير أن حدثا بعينه، لا تربطه علاقة مباشرة بالمهرجان وإن كان يتعلق به، كان هو التجربة الأبرز بالنسبة لكاتب هذه السطور خلال مشاركته فى الدورة.

الحدث هو دعوة تلقيتها من منظمى نادى السينما بمدينة قوص، والتابع لمجموعة تحمل اسم “قوص بلدنا”، للمشاركة فى إحدى أمسيات النادى لعرض فيلم ومناقشته مع الحضور. الاعتذار لم يكن احتمالا واردا، فمن ذا الذى يمكنه أن يرفض دعوة لإلقاء نظرة على نشاط سينمائى أهلى يقام فى أقصى الصعيد، على الأقل من باب الرصد وخوض التجربة. ناهيك عن كون الدعوة آتية من شاب نابه هو أمين أسامة هلالي، خريج الإعلام الذى تعرفت عليه خلال ورشة نظمها معهد جوتة الألمانى وجاء هو من قوص للقاهرة خصيصا لحضورها، لأتابع بعدها عبر مواقع التواصل الاجتماعى نشاطه ومن معه فى إقامة أنشطة ثقافية فى مدينتهم الصغيرة.

الدعوة تضمنت منحى حرية اختيار الفيلم الذى سنعرضه ونشاهده، مع إشارة مهذبة لضرورة كون العمل المختار ملائما للعرض فى مكان عام بالصعيد يحضره الجمهور من الجنسين، فكان الأنسب هو عرض أحد أعمال السينما الإيرانية، باعتبارها صورة للعمل فى ظروف رقابية ومجتمعية صارمة، لكنها لا تمنع الفنانين من العثور على سبل مبتكرة لتقديم ما يودون طرحه بصورة ذكية لا تقع بهم تحت طائلة المصادرة أو العقاب. اخترت “عن إيلي” فيلم أصغر فرهادى الشهير، الذى صنعه قبل تتويجه المزودج بالأوسكار، والذى أعتبره أكثر أعماله اكتمالا على مستوى التأليف والإخراج والقيمة الفنية والفكرية.

555444

بدون توقعات قطعت الثلاثين كيلومترا التى تفصل بين الأقصر وقوص، حاملا معى نسخا من كتابى الصادر عن مهرجان الأقصر “محاورات يسرى نصرالله” لم تتردد إدارة المهرجان فى توفيرها فور معرفة الهدف. وداخل مبنى الجمعية الخيرية التى تستضيف نادى السينما فى مكتبتها، كان واحد من أمتع العروض والمناقشات التى خضتها على الإطلاق. ما يقترب من ثلاثين شخصا بين شباب وفتيات ورجال كبار بعضهم من الأدباء والمسرحيين المحليين، يأتون كل أسبوع وليس لوجود ضيف قاهرى كما عرفت لمشاهدة الأفلام بتركيز، وطرحها لمناقشة جادة، كنت أظنها ستدور حول قصة الفيلم ومضمونه، لكنها توسعت للجوانب التقنية وأسلوبية المخرج، بمستوى وعى وجدية أزعم أنه يفوق مثيله فى عشرات العروض التى حضرتها فى العاصمة.

محمد يوسف أو “ميزو” صيدلى بدرجة مثقف، حدثنى طويلا عن نشاط مجموعة “قوص بلدنا” غير المسيسة من أجل تنمية المجتمع المحلي، عبر أنشطة ثقافية وفنية تقام على مدار العام، بخلاف الجهود الخيرية التى تتم كلها بالتبرعات للمجموعة التى يحترمها الجميع لرفضها الاستجابة لإغراءات السياسيين فى أى مرحلة مما بعد يناير 2011. عن اهتمام سكان قوص وهو منهم بالحصول على أحدث نسخ المجلات الثقافية والسينمائية ولو طلبوها مسبقا من موزعى الصحف، وعن استغلالهم فرصة إقامة مهرجان فى أقرب مدينة لهم كى يحضروا عروضه ويحاولون دعوة بعض ضيوفه لزيارة قوص.

أمسية كهذه بكل ما فيها من ودّ إنسانى وشغف بالسينما وزخم خلقته فرصة وجود سينمائيين على بعد دقائق من مدينة يفصلها عن العاصمة وثقافتها مئات الكيلومترات، كانت تأكيدا ضروريا لمسته على حتمية وجود واستمرار الأقصر الافريقى وكل مهرجان مثله يعنى بالامتداد للمدن السكانية والتعاون مع المجتمعات المحلية. وهذا دور حقيقى وملموس، يمكن قياس نتائجه وتأثيره فى التوّ واللحظة، ويبدو أجدر بحدث ثقافى أن يضعه فى اعتباره، أكثر من العناوين الضخمة والإنجازات التى يستحيل قياسها وعلى رأسها الترويج السياحى الذى صار عنوان جميع المهرجانات المصرية حتى من يستحيل منها أن يكون له أى مردود يتعلق بالسياحة.

بنهاية فعاليات المهرجان الذى أحضره للمرة الخامسة صحفيا، وللمرة الأولى عضوا فى لجنة التحكيم، كان الملمح الأبقى فى ذهنى هو تلك العلاقة التى بناها الأقصر الافريقى حتى لو لم يقصد مع شباب المدن المحيطة، المشاركون فى ورش العمل والعروض والمناقشات، والذين يقومون بدورهم بجهود إضافية فى مدنهم. قد تكون جهودا محدودة لكن وجودها ضرورة حتمية لا رفاهية، لو لم يفعل مهرجان الأقصر للسينما الافريقية «الذى سنتحدث عن دورته لاحقا» سواها، لكان هذا إنجازا يكفى لدعم بقاء المهرجان وتوسعه.