عرض لكتاب: جدل الحضارات.. ثلاثية الحوار والصراع والتحالف تأليف: السيد يسين الناشر: المركز العربى للبحوث والدراسات – القاهرة 2015 عدد الصفحات  335 صفحة من القطع الكبير عرض: محمد صلاح

sayed-yassin

 

عرض لكتاب: جدل الحضارات.. ثلاثية الحوار والصراع والتحالف

تأليف: السيد يسين

الناشر: المركز العربى للبحوث والدراسات – القاهرة 2015

عدد الصفحات  335 صفحة من القطع الكبير

عرض: محمد صلاح غازى

image

 

تقوم بنية كتاب جدل الحضارات.. ثلاثية الحوار والصراع والتحالف، للمفكر الاجتماعى المصرى البارز السيد يسين، الصادر عن المركز العربى للبحوث والدراسات، على تطبيق قواعد المنهج الجدلى لفكرة «التحالف بين الحضارات»، فنكتشف أن حوار الحضارات هو الفكرة، وأن «صراع الحضارات» هو نقيض الفكرة وأن «تحالف الحضارات» فى النهاية هو التآلف بين النقيضين.

القسم الأول من الكتاب يناقش الحوار بين الحضارات من خلال ثلاثة فصول عن حوار الحضارات فى عالم متغير، والشروط والإشكاليات وبين التفكيك ونقد الذات. وهذا النقد الذاتى بإلاضافة إلى استيعاب فكر الآخر نقديا، هو المدخل الضرورى لحوار الحضارات. لأن الحوار الحضارى يفترض، أن يقدم كل طرف نفسه فى الحوار، لا باعتباره مثالا بارزا متعاليا للتحقق والاكتمال، وبكل سلبياته وايجابياته، وبكل مشكلاته سواء مع الأنا أو مع الآخر.

يقول السيد يسين، لقد تنبأت منذ العام 1992 بأنه «بعد الأحداث الهائلة والتى تسارعت منذ عام 1989 الذى كان نقطة تحول فى القرن العشرين، ستتغير ظروف الحوار بين الحضارات وتطبيقاته بصورة جذرية فى ظل «ما بعد الحداثة» كأسلوب جديد فى التفكير، وتعمق الكونية «العولمة»، وانتشار العلاقات الدولية المتعددة الأطراف وأبرزها التكتلات الإقليمية وإحياء القومية.

ويطرح سؤال بالغ الأهمية وهو: هل حوار الحضارات إيديولوجية جديدة فى عصر بلا إيديولوجية ؟ إن حوار الحضارات عبارة عن عملية تحول تاريخية تحاول بعد سقوط الصراع الإيديولوجى الضارى بين الرأسمالية والماركسية والذى دار طوال القرن العشرين بناء نوع من التوافق، عن طريق التراضي، بين الأطراف الحضارية الكبرى فى العالم لصياغة قيم مشتركة، تكون أساسا لإدارة المجتمع العالمي، فى عصر تقاربت فيه المسافات بين الدول والمجتمعات والثقافات، بتأثير العولمة وثورة الاتصالات.

ويتم فى الوقت الراهن مراجعة شتى سياسات العولمة، وهى الوقت الراهن تعبير عن عالم ما بعد الحداثة، من زاوية سقوط الحتميات، واختفاء النظريات الكبرى والمرجعة المستمرة للصياغات النظرية التى أصبحت انساقا مفتوحة بعدما كانت من قبل نظريات مغلقة.

القسم الثانى يناقش «صراع الحضارات» معتمدا على منهج دراسة الحالة لظاهرة العداء بين الإسلام والغرب، وتشريح ظاهرة العداء بين الإسلام والغرب وتفكيك لخطاب صراع الحضارات. ويقف الكتاب أمام التحليل السياسى والسوسيولوجى الذى طرحته ليلى شرف على مشكلة الفراغ الايديولوجى بعد سقوط الاتحاد السوفييتى والذى كان يمثل «العدو» بالنسبة للعالم الغربى عموما والولايات المتحدة الأمريكية خصوصا. ولكن ماذا تفعل الولايات المتحدة الأمريكية بغير عدو؟

إن وجود «عدو» مسألة أساسية بالنسبة للولايات المتحدة لأنه أمر ضرورى للحمة المجتمع الأمريكى القائمة على شحذ الوجدان الجماعى المستمر – ومنذ الطفولة – بأن النظام الأمريكى الذى يسمح للفرد بنعمة الحرية الشخصية والحركة الاقتصادية والرفاه والعدل مهدد بعدو ما يريد أن يقضى على ما يسمى بنوعية حياتنا. ولم يكن البحث عسيرا على ما يبدو، وكان الإسلام مرشحا بلا منازع، والمسلمون فى طليعتهم العرب الذين عملت الحركة الصهيونية طوال نصف قرن على تشويه صورتهم وصورة حضاراتهم فى الوجدان الغربى.

ويؤكد أهمية المسئولية الملقاة على عاتق المثقفين فى العالم الإسلامى وفى الغرب على السواء، ويقرر أن عليهم أن يناضلوا فكريا ضد اتجاهات التطرف سواء فى ذلك أنصار التشدد الإسلامى من أتباع الخومينى، وأنصار العداء للإسلام من أتباع صمويل هنتنجتون، صاحب نظرية صراع الحضارات الشهيرة.

ولن يجدينا أن نعيش فى الماضى، ولن ينفعنا وسط صراع العمالقة فى عالم اليوم التغنى بأمجدنا، ولن يصلح من حالنا اجترار فضل الحضارة العربية الإسلامية على أوروبا. نحن فى حاجة إلى دراسة منهجية ونقدية لماضينا، تقوم على أحدث مناهج التاريخ الاجتماعى، حتى نقوم ممارستنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الماضية، وحين نفعل ذلك سيتساقط كثير من الأساطير العلمية التى ورثناها كباحثين ومثقفين ورددناها بغير تمحيص.

القسم الثالث يتناول التحالف بين الحضارات، متضمنا لخطة قومية عربية لحوار الحضارات، وتحالف الحضارات مبادرة أعلنها جوزيه لويس ثابتيرو رئيس وزراء اسبانيا، فى الاجتماع التاسع والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005. وتسعى المبادرة إلى تفعيل الجهود الدولية لمواجهة التطرف وذلك بممارسة حوارات ثقافية عالمية، وكذلك حوارات بين الأديان، والهدف الرئيسى للمبادرة هو: «إذابة التوترات بين العالم الغربى والعالم الإسلامي».

لقد قامت مبادرة التحالف بين الحضارات فى سياق يسوده الشك المتبادل والخوف وسوء الفهم بين المجتمعات الإسلامية والغربية وهذه الظواهر برزت منذ بداية الألفية الجديدة. وقد استغل المتطرفون صعوبات التعايش بين المجتمع الغربى والمجتمع الإسلامى لكى يعيثوا فى الأرض فسادا، ويوجهوا ضرباتهم الإرهابية ضد دولهم أولا فى العالم العربى والإسلامى ثم فى مرحلة تالية ضد الدول الغربية وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن هنا يمكن القول ان مبادرة حوار الحضارات جاءت فى وقتها لتدعو – فى إطار التخطيط الحضارى العالمى لقيم إنسانية جديدة أبرزها هى الدبلوماسية لحل الصراعات الدولية بدلا من الحرب، والتسامح بدلا من العداء مع الآخر، واحترام الخصوصيات الثقافية لكل مجتمع، من خلال سياسات تعليمية وإعلامية وثقافية شاملة تنبع من أفكار المذهب الإنسانى والتى تقوم على فكرة محورية هى، أن الإنسان هو الإنسان فى كل مكان بغض النظر عن الاختلاف فى الجنس واللون والدين والثقافة.

إن ظروف المرحلة الراهنة وتعقيداتها المتزايدة فى عصر العولمة تتطلب بلورة منهجية جديدة للحوار مع الآخر انطلاقا من ثقافة عربية تفيد من الثقافات الإنسانية الحديثة والمعاصرة بمزاوجتها بالفكر المستنير فى تراثنا العربى الإسلامى وبالإنجازات التى حققتها الحضارة العربية والإسلامية فى مرحلة ازدهارها، ووعى أسباب تراجعها وتحديد العوامل التى أدت إلى الانحطاط الحضارى ليصل إلى تحقيق النهضة الحضارية المنشودة.