البوح المأزوم فى حافة الكوثر لعلى عطا   بقلم: د. إيمان سند   ​بدأ توماس مان فى كتابه «الجبل السحري» عام 1912، حينما ذهب لزيارة زوجته فى تلك المصحة التى

55555

البوح المأزوم فى حافة الكوثر لعلى عطا

 

بقلم:

د. إيمان سند

 

​بدأ توماس مان فى كتابه «الجبل السحري» عام 1912، حينما ذهب لزيارة زوجته فى تلك المصحة التى تقع على الجبل، ورأى كم الحالات المرضية والنفسية التى حرضته على كتابة عمله العظيم، وقام بنشره عام 1924، وقد صُنفت روايته من أهم مائة رواية على مستوى العالم. وبعدها، وعلى مدى عقود طويلة خرجت عشرات، بل مئات الروايات تتبنى وترصد تلك التجربة ذاتها التى خاضها البطل هانز كاستروب في مصحة جبال الألب السويسرية، وفكرة المشفى الذى يجمع أغرابا لكل منهم أزمته الخاصة والمختلفة، لكن الوجود المكاني يجمعهم، ويخلق نوعًا من التفاعل بين الشخصيات يسير فى اتجاه كشف المستور، وانبلاج لحظة التنوير.

ربما ألهمت تلك الرواية العظيمة صاحب الكوثر ليدلى بإنائه فى مجرى النهر، ويقتنص فكرة عذبة يصيغها بلغته الشاعرية لتُخرج أنماطًا من قلب واقعنا، عن طريق رسائل اعتراف وبوح من طرف واحد هو الكاتب والشاعر «حسين عبد الحميد» لصديقه «الطاهر يعقوب» المهاجر إلى ألمانيا «موطن توماس مان» من داخل مشفى «الكوثر» مسرح الأحداث فى تلك الرواية. يخبره أنه أصبح نزيل مصحة نفسية دخلها لثالث مرة يشكو من نفس الداء «الاكتئاب» ولكن اكتئاب حسين من نوع خاص يطلق عليه الأطباء، الاكتئاب التفاعلي، والذي يُمكن صاحبه من تأمل من حوله من البشر ورصدهم والتفاعل معهم، وهو ما ساعد الكاتب على كتابة روايته.

​يتبنى «الطاهر يعقوب» نظرية الخلاص عن طريق البوح سواء بالكتابة أو بغيرها.. ويرى أن البوح هو السبيل، «البوح، أخي، هى الكلمة المفتاحية، فى ظني، هنا. ولكننا فى اللحظة نفسها نكتشف صعوبة هذا البوح وامتناعه».والمسألة تبدأ من وجود مشكلة ما، لا يستطيع الإنسان عادة البوح بها. ويقول فى الرد على حسين: «أنت إذًا تدرك ما الجوهر، فالأمر ليس مجرد ولع بشهرة، أو وسيلة للارتقاء الاجتماعى، بل هو الكتابة كموقف من العدم». ويستشهد بإيزابيل الليندى حينما ختمت روايتها صور عتيقة قائلة: «خلاص للذات عبر الكتابة. فأكتب».

55

بينما يرى حسين «أن الكتابة نفسها أضحت عامل قلق متزايد».

ويشرح كل منهما نظريته قائلا: «حسين عبد الحميد: مخطئ من يظن أن فى الكتابة خلاصًا، فالأمثلة كثيرة على من كتبوا، ثم انتحروا فى النهاية، أو ماتوا منسيين فى مصحات، أو حتى على أرصفة الشوارع».

الطاهر يعقوب: لكن هناك أيضًا من نجوا بالكتابة، وعددهم يفوق بالتأكيد أعداد من لاقوا ذلك المصير المؤسف».

​للأسماء دلالات واضحة فى الرواية كما الأفعال؛ فدعاء مستجاب وهو اسم الزوجة الأولى للبطل ذو رمز ديني واضح، وهى نادرًا ما تقرأ إلا فى المصحف والأذكار، وتتمتم بالأدعية والأحاديث طوال الوقت، وتسهر مع التسبيح وإذاعة القرآن الكريم، فالدين والأخلاق يؤازرنها على الدوام، والبطل خائف من غضبها ليس لأنها تمثل السلطة الدينية والأخلاقية فى حياته فحسب، ولكنه أيضًا يتكلم عن صون العشرة، وبأنها بدأت معه كما يقول من تحت الصفر.

سلمى السكري الزوجة الثانية ربما كانت من أسباب دخول حسين الكوثر بعد ضغطها عليه فى الأول ليتزوجا، ثم ضغطها ثانية لإعلان زواجهما.

الخال الشهيد محمد ريحان الذى استشهد فى حرب 73، واسمه مكتوب على اللوح التذكاري للجندي المجهول فى المنصورة، ويمثل نقطة مضيئة فى حياة الكاتب ككل.

شخصيات الرواية بما فيهم ساكنو الكوثر تشعر بأنك تعرفهم، وأنهم يعيشون بالقرب منك، وبعض قصصهم تذكرك بقصص شخصيات عامة؛ «فهذه الشاعرة التى يقولون إنها تنام على أرصفة وسط البلد، وفى القصيدة التى يتردد أنها كتبتها وتُعلن فيها أنها تبول على أولئك الذين يترحمون على والدها الشاعر الكبير». ناس الكوثر كما يسميهم الكاتب أصحاب العلاقات والظروف المستحيلة؛ نهاد عمة مجدي وتكبره بعشرة أعوام ومع ذلك بينهما قصة حب انتهت فى المصحة، فؤاد سالم رئيس المحكمة الذى يلخص أزمته حين تأتيه الحالة بترديده: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وهنحكم بشرع الله، ويميل بجذعه إلى الأمام والخلف! طارق مراد الذى يعتقد أنه دخل الكوثر بأمر من رئيس الدولة الذى خاف منه من أن يخوض انتخابات الرئاسة ضده.. وغيرهم الكثير.

555

​يربط حسين عبد الحميد بين ما حدث للثورة، وبين انتكاساته الشخصية وكأنه يهون على نفسه من أنه جزء من بلد محبط بالكامل، والدليل أنهم لم يستطيعوا الحفاظ على أجمل ما حدث لهم فى واقعهم المأزوم وهى الثورة وتركوها تتسرب من بين أيديهم وينال منها كل من هلل لها بالأمس، وربما يدلل ذلك أيضًا على إحساسه بالتوحد مع بلده ورغبته من الخلاص من الاكتئاب الشخصي، والاكتئاب العام. فيقول محدثًا صديقة الطاهر يعقوب: «… حيث أكابد وحدى الاضطراب النفسي والرغبة الملتبسة والملحة فى كتابة ما جرى لي وللثورة»، وهنا قد عطف آلامه الشخصية على ما واجهته الثورة، وكأنهما كيان واحد.كما أنه لم يدخل الكوثر لأول مرة إلا حين إحساسه بضياع الثورة: «فى أواخر فبراير 2012 دخلت الكوثر للمرة الأولى، ومكثت فيها ستة أيام؛ خضعت خلالها لعلاج مكثف مضاد للاكتئاب».

ويضرب المثل بالاحباطات العامة، والوضع المزري والعبثي فى الشارع والعمل وضياع أهداف الثورة، وحق شهداء الثورة مما يؤدى بالضرورة للاكتئاب، وهو ما يطلق عليه مصطفى سويف الاكتئاب العام: «بعد أن علم محمد عبد الحميد أنه سُمح له بالخروج من الكوثر، عانقني بحرارة، فأعطيته رقم تليفوني، وأعطاني رقم تليفونه،

.. لكن لم يحدث بعد ذلك أن اتصل أى منا بالآخر، يا طاهر».

وفى حالة إحباط أخرى خارج الكوثر:

«أتذكر أننا هتفنا ضد رئيس التحرير وقت الثورة، وقلنا: «لازم يمشى»، لكنني كلما قابلته فى عزاء أحد الزملاء، كنت أشعر بالحرج الشديد، فمن جاءوا بعده لم يعمل أى منهم وفق أسس تختلف عن تلك التى كان يعمل وفقًا لها».

​ويلخص ما حدث بعد الثورة من تنازع على الحكم بين العسكر والإخوان دون أن يكون هناك مكان للثوار أصحاب الثورة، ولا تمثيل حقيقي للشعب فيقول: «تفاوض المجلس العسكري مع الإخوان، وسهل وصولهم إلى الحكم، ثم وضع عراقيل كثيرة أمامهم قبل أن يعزلهم».

​يُحب أن يفر إلى وطنه الأول «المنصورة» حينما تواجهه أزمة، ويفشل فى إدارتها، يشعر أن وطنه الأم هو الملجأ والملاذ والحضن. ومع ذلك فهو يصف حالته بأنه: «غريب هنا.. وأصبح غريبًا هناك «، فذكرياته فى وطنه الصغير ليست كلها سعيدة؛ فهناك شهد أول حالة وفاة لصبى يكبره بالصعق بالكهرباء وقرر بعدها ألا يعود للعمل فى نفس المجال، كذلك كانت قصة حبه الأول لابنة عمته «دعاء مستجاب» التى أصبحت زوجته فيما بعد، وهناك عرف لأول مرة معنى مظاهرة، واعتراض على قرارات الحاكم فى انتفاضة يناير 1977 ورأى الغضب الشعبي عندما خرجت الجماهير تحرق وتدمر أشياء لا تشعر أنها ملكًا لها، تعلم التأمل والرصد بفضل وقع الحياة الحاني الرتيب، والشخصيات الآثرة الغنية كعم جرجس، وزوجته ليلى وابنتهما مرفت، والوافدين على «المحطة الفرنساوي» كل يوم، وسوق الثلاثاء، واشتغال النساء بالمعمار فى فترة صباه ربما لهجرة الأزواج للعمل بالخليج فى تلك الفترة، والساحة الشعبية، وفريق المنصورة لكرة القدم، وميدان المحطة وتمثال أم كلثوم هناك. وظل منشغلًا بالمنصورة طوال أوقاته وكلما جد جديد.

​يحلل الداء؛ وهو مرض الاكتئاب فى نظره فيعرفه قائلًا: الاكتئاب هو الاضطراب المستمر للمزاج الذى يتداخل مع الحياة اليومية. وتختلف أعراض الاكتئاب من شخص لآخر، ولكن غالبًا ما تشمل حزنًا عميقًا، والشعور بأنك عديم الفائدة، وفقدان الاهتمام بالنشاطات المفضلة، واضطرابات النوم، والشعور بالقلق، وتغيرات فى الوزن.

​أصبحت الكوثر تمثل له ملاذ آمنًا فى الفترة الأخيرة، وخاصة بعد أن ارتادها ثلاث مرات، ليس هو فقط بل كل المرضى الذين يشعرون بعدم التكيف مع الخارج فينزون كُل داخل «قوقعته» وهى الكوثر. يتفاعل أحيانًا مع الزملاء، يتعاطف معهم، لكنه يتوقف عند ذلك الحد والمدى حتى لا يجُرح ويتألم كما تسبب له العالم الخارجى فى هذا الألم العميق: « الأيام هنا مملة، ومع ذلك أحن إليها، أريد أن أقول، يا طاهر، إنه حتى لو تحدث أحدهم فى مسألة أنه يريد أن يخرج، فإنه ربما لو وافقوا له على ذلك، لتقدم برِجل وتأخر بالأخرى، ثم لو عاد إلى بيته لن يتمكن من التأقلم معه، أو قد يضيق به أهله وزملاء العمل مجددًا وبالتالي يُساق مرة أخرى إلى الكوثر..».

وهذا هو حال معظم ساكني الكوثر، وأزمة حسين عبد الحميد.

%d8%b9%d9%84%d9%8a-%d8%b9%d8%b7%d8%a7-700x385