وداعا السيد يسين الأب والإنسان والمفكر   بقلم: د. شبل بدران     منذ تخرجه فى كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية والتحاقه بالدراسة للقانون فى فرنسا وعودته إلى مصر بالمركز القومى

sayed-yassin

وداعا السيد يسين

الأب والإنسان والمفكر

 

بقلم:

د. شبل بدران

 

 

منذ تخرجه فى كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية والتحاقه بالدراسة للقانون فى فرنسا وعودته إلى مصر بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية ومركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وهو منشغل بقضايا الوطن الاجتماعية والسياسية، والفكرية، كرّس حياته كلها من أجل البحث العلمى الرصين فى العلوم الاجتماعية، حيث ساهم وأسس مع زملاء آخرين فى علم الاجتماع للمدرسة النقدية، التى نقلت الفكر الاجتماعى المصرى من الإطار التقليدى حول المفاهيم والمصطلحات والقضايا الغربية إلى الواقع المصرى بقضاياه المختلفة، وبرزت المدرسة النقدية فى علم الاجتماع على يديه مع آخرين، مما ساعد وساهم فى بلورة اتجاهات نظرية جديدة أعانت الباحثين والمشتغلين بعلم الاجتماع على فهم وتحليل الأوضاع الطبقية فى الواقع المصرى.

كان الراحل نموذجًا للأستاذ والأب والمعلم للأجيال التى نهلت من نبع فكرة، وقدّم العون والمساعدة العلمية لأجيال كثيرة فى مجال الأدب والسياسة والاجتماع، وكان هذا الدعم والمساندة العلمية حافزا كبيرا على تقدم الأجيال الجديدة التى كانت منشغلة أيضًا بقضايا الوطن وهمومه… ولعل من أبرز إسهاماته للجماعات العلمية الناشئة دعمه لنا «كجماعة اجتماعيات التربية» برابطة التربية الحديثة بالقاهرة، حيث ذهبنا إليه مجموعة من الزملاء د. حسن البيلاوى، ود. كمال نجيب، ود. نادية جمال الدين، والراحل د. محمود أبو زيد نطلب منه مساعدتنا فى إقامة مؤتمر حول «الديمقراطية والتعليم فى مصر» وكنا مدرسون صغار فى عام 1984، ولم يكن بمقدرونا إقامة مؤتمر أو حتى ندوة علمية نظرًا لتوجهاتنا السياسية اليسارية، وأفكارنا حول المدرسة النقدية فى التربية، ومخالفتنا لما هو سائد ومنتشر من فكر تربوى يمجد أفكار «جون ديوى» والبراجماتية فى التربية، وكنا قلة من الذين نؤمن ونعتقد فى صحة الاتجاه النقدى فى التربية، وهو الذى يسعى إلى تحرير الإنسان ويكشف التناقضات والعلاقة بين النظام السياسى ونظام التعليم وتوجهاته، كما أن هذا الفكر النقدى يؤمن بأن ممارسة التربية ممارسة سياسية، وأن الممارسة السياسية هى ممارسة تربوية فى جوهرها.

أستمع إلينا وتحاور معنا بكل تقدير من أستاذ إلى تلاميذه، وأكد لنا أن هذا الاتجاه التربوى يتلاقى مع نفس الاتجاه فى علم الاجتماع النقدى، وشعرنا أنه قد وجد ضالته فى الأفكار والرؤى التى طرحت منا، ولقد كان موقفه الوطنى حاسمًا فى دعمنا علميًا وأدبيًا وقال إن: «ما تقومون به الآن يشابه ما قام به علماء الاجتماع فى مصر فى أواخر الستينات ومطلع السبعينات»، وطبعًا كان الراحل السيد يس واحدا منهم فى طرح النظرية النقدية وأدبياتها ومحاولة الخروج من الأطر التقليدية، التى أعاقت محاولات علم الاجتماع ودوره فى تغيير الواقع الاجتماعى، لقد قدّم الراحل كل الدعم الأدبى والمادى لإقامة أول مؤتمر حول «الديمقراطية والتعليم فى مصر» فى الفترة من 2 – 5 إبريل 1984، ولقد شارك فيه أكثر من ثلاثين باحثًا بدراسات وبحوث، كما شاركت فيه خيرة النخبة الوطنية والفكرية بأكثر من عشرين أستاذا ومفكرا جامعيًا للتعقيب والحوار والنقاش حول دراسات وبحوث المؤتمر.

ولإيمانه بالفكر النقدى والمدرسة النقدية فى العلوم الاجتماعية لم يتوقف دور الأستاذ فى إقامة المؤتمر، بل واصل الدعم والمساندة فى طبع أوراق المؤتمر فى كتاب تولى هو مقدمته والتى أكد فيها: لا أكون مبالغًا إذا ما قررت إن انعقاد مؤتمر الديمقراطية والتعليم فى مصر يُعد حدثًا فكريًا بالغ الأهمية، ينبغى أن نتوقف إيزاءه لنتأمل دلالاته العميقة. لقد انعقد هذا المؤتمر بناء على مبادرة من فريق من أساتذة التربية الذين يمثلون جيلا صاعدًا من علماء التربية فى بلادنا. وهذا الجيل يمتلك ناصية المعرفة العلمية فى مجالات التربية المختلفة، ولكن أعضاءه – بالإضافة إلى ذلك – يمتلكون منهجًا نقديًا سمح لهم باستيعاب المعارف العلمية فى النظرية الغربية للتربية، من خلال التحليل الدقيق للأيديولوجية الكامنة وراءها، لقد كان لهذا المنهج النقدى أثر بالغ فى فرز النظريات الغربية، والتمييز فى إطارها بين النظريات المحافظة التى صيغت للدفاع من النظام الرأسمالى، والدعوة إلى قيم جديدة مستقاة أساسًا من المثل العليا للنظرية الاشتراكية.

هذا هو الأستاذ والأب والمعلم لتلاميذه وطلابه ومحبيه، لقد كان مثالا رائدا فى المعرفة العلمية وكان نموذجًا فريدا فى الأستاذية وتبنى الأفكار الجديدة التى تساهم فى فهم الواقع الاجتماعى وتحليله ونقده، من أجل واقع اجتماعى جديد يحقق أحلام الفقراء والكادحين، كانت القضية الوطنية والقضية الفلسطينية على أولويات أجندته العلمية والبحثية من خلال ما قدم من دراسات حول الصراع العربى الاسرائيلى ودراسة الشخصية الاسرائيلية والتحليل الاجتماعى للأدب.

لقد كرّس السنوات الأخيرة من عمره فى دراسة ظاهرة العولمة والكوكبية ومجتمع المعرفة والمعلومات، وتلك الأفكار والاتجاهات التى طغت على ساحة الفكر العالمى والعربى منذ مطلع الألفية الثالثة، كانت جّل اهتمامه وتركيزه الفكرى، بل أستطيع القول مشروعه الفكرى وهو بالأساس مشروع وطنى يحمل هموم الوطن وقضاياه وينحاز بالضرورة إلى فقراء هذا الوطن، من هنا كان اهتمامه بعلم الاجتماع النقدى ودراسة الطبقات الاجتماعية والرأسمالية فى مصر.. حاول طيلة عمره وعلى مدار سنوات تفكيره وإبداعه فى مجالات الأدب والاجتماع والسياسة أن يقدم نموذجا للباحث والمربى والأب وصاحب المدرسة الفكرية التى ستبقى آثارها لأزمنة قادمة.

كانت نقطة التلاقى الجوهرية بيننا وبينه هى قضية «تحرير الانسان المصرى» من كافة صنوف القهر الواقعة عليه وفى كافة المجالات، كان الهدف والغاية إطلاق طاقاته الإبداعية والخيالية، وتحريره تحريرًا عقليًا وذهنيًا واجتماعيًا وسياسيًا، لأنه بدون تحرير الإنسان لن نستطيع أن نتقدم خطوة إلى الإمام.. ولعل الراحل السيد يس بذل جهدا علميًا وفكريًا فى هذا الاتجاه، وعلينا كتلاميذ ومحبين، أن نواصل المسيرة، مسيرة تحرير الإنسان وتحرير المجتمع.