النساء والثورة بعيون شيرين أبو النجا   بقلم : د.وليد الخشاب جامعة يورك، كندا   أزعم أن ”تبدلا للحرس” فى الأجيال النسائية الفاعلة سياسيا وثقافيا قد وقع حوالى يناير 2011،

777111

النساء والثورة بعيون شيرين أبو النجا

 

بقلم :

د.وليد الخشاب

جامعة يورك، كندا

 

أزعم أن ”تبدلا للحرس” فى الأجيال النسائية الفاعلة سياسيا وثقافيا قد وقع حوالى يناير 2011، مواكبا للثورة، جعل من جيل الألفية الجديدة من مواليد نهاية الثمانينات والتسعينات الجيل الأكثر نشاطا ميدانيا «مثلا فى المظاهرات والعمل التعبوي»، وجعل من جيل التسعينات – بحكم المرحلة العمرية – الجيل الأكثر فاعلية على مستوى الكتابة والتأمل النظرى فى مساهمة النساء الثقافية. ولعل أبلغ تجسيد لتصدر جيل التسعينات لساحة المساهمة النسائية منذ الثورة هو كتاب شيرين أبو النجا “النساء والثورة المصرية”، أو بتعبير أدق: “النساء فى مصر الثورة”، الصادر بالإنجليزية عن دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

فى كتابها، تقوم شيرين بتجسيد تلك الصلة الوثيقة بين “جيل الثورة” الذى نزل ميدان التحرير وشارك الاحتجاجات التى شكلت ثورة يناير 2011 وبين جيل التسعينات، جيل المؤلفة الناقدة الثقافية والنسوية نفسها. فهى تكتب من موقعها فى جيل التسعينات، بخبرتها الأكاديمية وتاريخها كناقدة ثقافية كتبت عن الإبداع الأدبى النسائى وعن المثقف العضوى والثورة. لكنها تكتب عن جيل الثورة، جيل الألفية الجديدة. فتقدم مثلا قراءة لقصائد أربع شاعرات تراوحت أعمارهن بين العشرين والثلاثين أثناء الثورة: سارة علام ومروة أبو ضيف وصابرين مهران وسارة عابدين. تتأمل شيرين كيف تتشكل الذات الشاعرة عبر القصائد لتنقد وتنقض الأيديولوجيات الاجتماعية والخطابات السائدة «عن الأم المضحية مثلا»، وتطرح تساؤلات عن الله والأدوار الاجتماعية الموروثة للرجل والمرأة، باستخدام السخرية تارة، وبتمثل صوت بريء شبه طفولي، تارة أخرى.

774444

تولى شيرين عناية خاصة لتمثلات الأم لدى هؤلاء الشاعرات، فتلاحظ على سبيل المثال، أن الذات الشاعرة عند مروة أبو ضيف تسعى للاتحاد بالأم. وتتوقف شيرين عند قصيدة “ماما” من ديوان “أقص أيامى وأنثرها فى الهواء”، وتقترح من خلال تحليلها أن الشاعرة الابنة تكاد تبكى فى حضن أمها، وأنها تحكى كيف تكتب التاريخ بالاشتراك مع الأم، حيث توثقان معا أسامى الشهداء وتحفظان المارشات العسكرية عن ظهر قلب (ص 72). تركز شيرين على موتيفة الاتحاد بين الابنة والأم، وبحث الابنة عن الشعور بالاكتمال والامتلاء من خلال تلمس الصلة الوثيقة بالأم، على نحو قد يذكر قارئ هذا المقال بسعى نورا أمين لبناء جسد أنثوى جمعى متضامن فى كتابها “تهجير المؤنث”. من ناحيتي، أضيف أن القصيدة تعرض مشهدا لكتابة تاريخ موازٍ، لا يركز على انتصارات الجيوش – وهى الرؤية الذكورية الغالبة – بل على الحداد على ضحايا الحرب، وعلى معاناة غير المقاتلين «من النساء مثلا»، بحيث تقترح فى بضعة سطور تاريخا هامشيا للأمة، يفسح المجال لمن يصمت عنهم التاريخ الرسمي.

ثم تبرز شيرين نموذجا مناقضا للعلاقة بين الابنة وأمها عند سارة عابدين. تشرح شيرين أن الشاعرة تتوخى “الحفاظ على مسافة أكبر تفصل بينها وبين أمها، كوسيلة لإدانة مجموعة من القيم الذكورية التى تتولى النساء إعادة إنتاجها وتغذيتها” (ص 78). وتشير الناقدة تحديدا لقصيدة “حقائق إنسانية” فى ص24 من ديوان “على حافتين معا”: “كان يتوجب عليك إذا أردت هذه الفتاة أن/ تختارى زوجا آخر يحسن المقدمات وغير/ مصاب بسرعة القذف، وأن تحسنى أنت/ الطهو وحياكة الملابس وصنع الكروشيه/ لأصبح أنا تلك الفتاة القانعة التى تراقب أمها/ يوميا وهى تغزل الخيوط دون جدوى”.

تحلل شيرين فى هذه الأبيات الإشارة إلى شخصية بينلوب الإغريقية التى كانت تنسج ثوبا فى الصباح وتحل خيوطه ليلا. وهى لا ترى فيها ما نراه من تعليق “كوميدى أسود” على ديمومة الأدوار الاجتماعية: الأم للكروشيه والأب للعمل، كوضع لا سبيل إلى تغييره ما دام نسيج “التقدم” ينتهى به الأمر محلولا فى الليل. بل ترى فيها تعبيرا عن تشظى رغبة الذات الشاعرة وعن تشتتها بين الحرص على نقد الأم والتمايز عنها، كوسيلة لمجابهة أوضاع تكرس للسلطة الذكورية على الأم، وبين النزوع إلى الامتلاء بالتواصل مع الأم لتحقيق تضامن أنثوي.

تبلور الناقدة المفارقة بين نقد الأم «التقليدية» كجزء من عملية نقد المركزية الذكورية وإنشاء خطابات بديلة لخطابات القيم وعلاقات القوة السائدة فى المجتمع وبين الحاجة للأم لتحقيق نوع من الوحدة (ص82). أضيف من عندى أن هذه المفارقة تبدو تلخيصا للموقفين المتناقضين من صورة الأم لدى نورا أمين «جسد أنثوى جمعي» ولدى إيمان مرسال «جسد يتقطع ويتمزق»، وأضيف كذلك أن تمثلات الأم المختلفة، كما صاغتها الشاعرات وحللتها الناقدة، يمكن إسقاطها على صورة الأمة بوصفها نسيجا واحدا أو ساحة للنزاعات.

7771111555

يحمد للناقدة أنها لم تسع لتحليل صورة الثورة فى كتابات أدبية أو توثيقية مباشرة تحكى وقائع الاضطرابات، مما كان ينذر بوقوعها فى فخ دعم الأدب المباشر الذى يستمد قيمته من المضمون، لا من جماليات الصياغة. على العكس من ذلك، سعت إلى رصد “ما هو ثوري” فى التغيرات جذرية التى طرأت على جماليات الشعر الذى تكتبه النساء ونقدهن لمنظومات القيم وعلاقات السلطة السائدة، على نحو ما فعلت فى تحليلها لصورة الأم فى الشعر.

لا تكتفى شيرين برصد مساهمة الشاعرات فى إنتاج فن مغاير، مواكب للثورة، بل تستعرض أشكالا ووسائط مختلفة للإنتاج الثقافى النسائى المصاحب للثورة، مثل فنون النكت والجرافيتي. إن كانت توخت تحليل أدب لا يعبر عن الثورة على نحو مباشر، فإن استعراضها لتصوير الشهيدات فى جداريات الشوارع، ولأعمال الجرافيتى التى نقشتها فنانات، كان بالضرورة استعراض لفنون مباشرة وتحريضية تواكب أحداث الاحتجاج على حكمى الرئيس مبارك والرئيس مرسى (ص 40 – 42).

لا يبدو هذا تناقضا فى المنهج، بقدر ما هو تجاوب من الناقدة مع تناقضات الإنتاج الثقافى وخصوصية الوسائط المعنية وتباينات المساهمات النسائية. بالمنطق نفسه، كما دعمت شيرين خطابات التهكم والنقد الموجهة ضد السلطة الذكورية وضد نموذج الأنثى “الخاضعة” فى شعر النساء، وجهت نقدا صارما – وإن ظل موضوعيا – للنزعة النسوية الرسمية، أو ما أسمته بالإنجليزية “نسوية الدولة”، خاصة فى الفترة السابقة على اندلاع الثورة فى يناير 2011. رصدت الناقدة مساهمات المؤسسات النسوية الرسمية المرتبطة بزوجة الرئيس الأسبق مبارك، والتى تشابهت فى روحها مع مساهمات رسمية لتحسين أحوال المرأة الشخصية، ارتبطت بجيهان السادات. وأوضحت أن هذه المجهودات قد ساهمت على سبيل المثال، فى تيسير الطلاق أو تقنين تعدد الزوجات من خلال بعض التعديلات التشريعية، لكن نظرا لارتباط القوانين المعنية باسمى جيهان السادات وسوزان مبارك، ظل هناك ارتياب لدى قطاعات مجتمعية كبيرة من هذه القوانين ومن مؤسسات النسوية الرسمية.

قد ينتقد الناقد العربى لجوء شيرين أبو النجا إلى إطار نظرى غربى ومراجع فى النظرية النسوية تكاد تكون إنجليزية وأمريكية حصرا، مع إشارات بعض المراجع العربية تتعلق بأحوال المرأة فى مصر تحديدا. لكن للحق، فإن كتابها “النساء فى مصر الثورة”، يؤكد دور شيرين كناقدة راصدة ومحللة للثقافة المصرية من حيث فاعليتها الاجتماعية والسياسية. والواقع أن أحد أوجه أهمية الكتاب بالنسبة لفاعلية العرب على مستوى العالم، هو أنه واحد من مساهمات تعد على أصابع اليد الواحدة كتبت بلغة أوروبية عن فاعلية النساء فى ثورات الربيع العربي. كما أن الكتاب يشجع القارئ الغربى على أن يتفاعل مع الكتاب على أرضية الإطار النظرى المألوف بالنسبة له، لا على صعيد استشراقى يغذى أفكارا مسبقة عن قمع النساء العربيات.