سامح الجباس: روايتى أعمق مما تبدو عليه للقارئ المرأة بطلة رواياتى الأخيرة لقدرتها على التقاط التفاصيل معظم الجوائز بلا معايير حوار : رشا حسنى   بهدوء شديد وخطى واثقة اقتحم

10000044

سامح الجباس: روايتى أعمق مما تبدو عليه للقارئ
المرأة بطلة رواياتى الأخيرة لقدرتها على التقاط التفاصيل
معظم الجوائز بلا معايير
حوار : رشا حسنى

 

بهدوء شديد وخطى واثقة اقتحم القاص والروائى سامح الجباس المشهد الإبداعى وحملت كتاباته الأولى إرهاصات الرفض والتمرد على الموضوعات المطروحة والأشكال السائدة للكتابة فجاءت مجموعته القصصية الأولى “المواطن المثالى” عام 2006، صرخة فى مواجهة الواقع التفت إليها عدد من النقاد الذين تنبأوا بميلاد صوت أدبى مختلف.
درس الجباس الطب ومارسه من خلال عمله بإحدى شركات الأدوية، وتأثر بنشأته فى مدينة بورسعيد وكتب عنها روايتين: “حى الإفرنج” التى صدرت عن دار العين عام 2007 و“بورتوسعيد” الصادرة عن دار شرقيات عام 2011.
واستهوته القاهرة بتناقضاتها فكتب عنها روايته “وسط البلد” التى صدرت عن دار اكتب عام 2009, و”كريسماس القاهرة” عن دار شرقيات عام 2011, كما خاض الجباس تجربة الكتابة للنشء فكتب: “بحر العواصف”, “الذئب الأزرق” من إصدارات المجلة العربية بالسعودية عامى 2011 , 2013.
طرح اسم الجباس على نطاق واسع بعد فوزه بجائزتى كتارا فى دورتها الأولى فى فرعى الرواية العربية والدراما عن روايته “ حبل قديم وعقدة مشدودة” و لم تكن تلك هى الجائزة الوحيدة فى مشواره الأدبى وإن كانت الأكثر إثارة للجدل فقد حصد الجباس قبلها 6 جوائز من بينها منحة الصندوق العربى للثقافة والفنون «آفاق- بيروت», جائزة اتحاد للكتاب عام 2013.
صدر للجباس مؤخرا رواية « على سبيل المثال” عن “المركز الثقافى العربي”.
تدور الرواية التى تقع فى ما يزيد على 330 صفحة من القطع المتوسط، فى أجواء تجمع بين الواقع والفانتازيا وترصد تناقضات النفس البشرية من خلال خطين رئيسيين تتبدى بينهما ملامح المجتمع التى تنكشف كثير من تشوهاتها فى “مركز تأهيل ضحايا العنف”..
هنا حوار معه حول روايته الجديدة وخياراته الإبداعية وملامح مشروعه الأدبي.
اقتربت كثيرا فى روايتك «على سبيل المثال» من مهنتك الأصلية كطبيب فى شركة أدوية وكشفت كثيرا من خبايا هذا العالم الذى يمثل وجها آخر من استغلال البشر والمتاجرة بمصائرهم.. لماذا اخترت هذا التوقيت للاقتراب من هذه القضية ؟
كانت فكرة أن أكتب هذه الرواية تراودنى منذ فترة ولكنى أجلت كتابتها لأننى لم أكن أرغب فى الخوض فى عالم الطب والدواء وهو عالم عملت فيه لسنوات لذلك كانت كل رواياتى السابقة لا تمت لهذا العالم بأى صلة.
كان أول سطر كتبته فى أول كتاب مطبوع لى فى 2004 هو: «أكتب عندما يستحيل الصمت».
وعندما حانت اللحظة التى كان من المستحيل أن أصمت فيها ازاء كشف أسرار هذا العالم الخفى كتبت «على سبيل المثال» ولكنها لا تقترب من عملى الشخصى وانما تعطى صورة بانورامية لما يحدث فى العالم ومصر جزء منه وفيها أردت أن أدق جرس انذار لما هو آت فى هذا المجال وهناك من سيقرأ الرواية فيكتشف أنه بالفعل داخل دائرة الخطر دون أن يدرى.
•تبدو فى رواياتك المختلفة جانحا نحو التجديد فى السرد وتقديم أشكال مراوغة غير تقليدية مع تعدد الخطوط الروائية فى العمل الواحد لكنك لا تتخذ الموقف نفسه تجاه اللغة التى تستخدمها.. لماذا؟
اللغة –هى الأداة التى يستخدمها الكاتب لتوصيل أفكاره ومشاعره إلى القارىء ولكنها ليست «المادة الخام» للرواية. وانا أعتبر أن اللغة لها صور متعددة وعلى الروائى الماهر أن يختار الصورة اللغوية التى تناسب موضوع الرواية لذلك أختار «صورة اللغة» التى تناسب روايتى فى كل مرة أكتب فيها.
وفى روايتى الأخيرة «على سبيل المثال» الأحداث معاصرة لذلك اخترت أن أبسط صورة اللغة دون السقوط فى فخ الابتذال وتعددت صور اللغة داخل الرواية باختلاف الشخصيتين الرئيسيتين فيها نظرا لتداخل الخطوط الروائية المختلفة داخل هذه الرواية.
هذه التكنيك اختلف عما اخترته فى روايتى السابقة «كريسماس القاهرة» التى استخدمت فيها لغة معاصرة فى الجزء الآنى من الرواية ثم انتقلت إلى لغة قديمة ورصينة جدا عندما انتقلت الأحداث إلى مرحلة تاريخية بعيدة.
واعتقد ان جهدى فى انتقاء «صورة اللغة» فى روايتى «على سبيل المثال» قد أثمر عندما تصلنى ردود أفعال ايجابية ممن قرأوا الرواية على الرغم من اختلاف مستوياتهم الفكرية فمنهم الروائى ومنهم الشاعر ومنهم المترجم ومنهم القارىء العادى.
• ألا ترى أن اختيار التبسيط الشديد فى اللغة يحرم القارئ المهتم بالأدب من متعة ينتظرها ويغازل أكثر القارئ العام الذى يقود عادة لقائمة الأكثر مبيعا؟
روايتى أعمق مما تبدو عليه للقارىء العادى, واللغة فيها لا تقف حائلا بين القارئ وبين الاستمتاع بالرواية ففيها مستويات متعددة من اللغة والأفكار الفلسفية والدليل على ذلك ما كتبه الروائى الكبير الدكتور واسينى الأعرج عن روايتى:
«يؤكد الروائى مرة أخرى على قدرته بجدارة، على التخطى نحو منجز إبداعى يرتسم فى الأفق. ملامحه أصبحت واضحة من خلال روايته الثانية. بدون تعقيدات لفظية، أو لغوية، كما هو الحال بالنسبة للكثير من التجارب الروائية العربية التى تروم الإدهاش بخسران قارئها المحتمل».
أما عن قوائم الأكثر مبيعا فهى لم تشغلنى منذ بداية مشوارى الروائى, طبعا يهمنى كثيرا أن تُقرأ رواياتى ولكن «عدد النسخ المباعة» تهم دار النشر أما «ماهية من قرأ» فهى التى تهمنى جدا فما أجمل أن أزور مكانا للمرة الأولى «حدث ذلك بالفعل الشهر الماضى فى القاهرة» وأدخل على مجموعة من الأدباء فيقف أحدهم –وانا لم أره من قبل –ليصافحنى ويقولى لى انا من فلسطين وانا اعرفك وقرأت لك.
ومنذ أيام هاتفنى مخرج سينمائى مصرى يعيش فى الولايات المتحدة ويزور القاهرة حاليا وقال لى انه يقرأ روايتى وإلى جواره ورقة يسجل فيها العبارات التى اثارت اعجابه. هذا هو مقياسى للنجاح عندى.
• المشهدية فى رواياتك خاصة “على سبيل المثال” تشى بميل نحو الشكل الدرامى السينمائي.. إلى أى حد يأتى ذلك على حساب رصانة الشكل الأدبي؟
-الشكل الأدبى عندى هو محيط لاشطآن له وأنا أغطس فيه وأختار منه الشكل الذى يُناسب أحداث روايتى وهذا الشكل الذى –يميل قليلا – نحو الدراما المشهدية فى روايتى لم يؤثر على رصانة القالب الروائى ولكن انا استخدمت اطارا من التشويق لجذب القارئ إلى عالم غريب وأحداث واقعية تحدث من حوله قد لا يكون قد انتبه لها وهذا ما استشفه الكاتب الكبير الاستاذ محمد سلماوى حين كتب عن روايتى :
«.. إنها رواية تحمل بصمة ذلك العصر المضطرب الذى نعيشه حيث تنهار من حولنا كل الثوابت التى عشنا بها سنين، ولا يعود أى من الأمور مسلما به..»
وهذا الشكل الروائى «المشهدى» يستخدمه الكثير من الروائيين العالميين مثل الفرنسى غيوم ميسو والروائية المجرية أغوتا كريستوف وحتى الروائى اليابانى الأشهر هاروكى موراكامى كل رواياته قائمة على الشكل الدرامى دون أن يمنع ذلك أن يكون مرشحا سنويا على قوائم جائزة نوبل ولا تنسى «الحرافيش» التى اعتمد فيها الاستاذ نجيب محفوظ على المشهدية فى بناء هذه الملحمة الخالدة.
• المتأمل لرواياتك السابقة يكتشف الطبيعة الاجتماعية لها والاهتمام بقضايا الطبقة الوسطى فى كثير منها لكنك انطلقت فى روايتك الاخيرة من أرضية مختلفة واخترت طبقة بعينها لا تمثل المجتمع وان كانت تتماس معه من خلال الحالات التى يعالجها “مركز تأهيل ضحايا العنف” لماذا اخترت هذه الزاوية تحديدا؟
لأن هذه هى الحالة التى تعيشها مصر فى السنوات الأخيرة. طبقة جديدة «تُنظر» و«تُقنع» و«تؤهل» المجتمع على تقبل وضع لم يتعود عليه وهذا المركز –فى الرواية – هو رمز لهذه الأفكار الجديدة على المجتمع لذلك تجدين نماذج مختلفة وغريبة تتردد عليه.
• لماذا تختار المرأة محورا رئيسيا لكثير من رواياتك؟ ألا يتطلب ذلك جهدا إضافيا منك لرؤية العالم بعيون الأنثى؟
-المرأة بالفعل هى بطلة رواياتى الأخيرة منذ «كريسماس القاهرة» وهذا تفرضه طبيعة أحداث هذه الروايات ولأنها روايات قد يراها القارئ تبحث وترصد تفاصيل صغيرة فى المجتمع فمن أقدر من عين ومشاعر المرأة على رصد وتأمل هذه الأحداث؟
تقول بطلة الرواية: «تُمارس السلطة قمعها على الرجل ويصبّ الرجل قمعه وكبته وقهره على المرأة».
والكتابة من وجهه نظر امرأة فعلا تمثل عبثا كبيرا علىّ ككاتب حتى أحاول أن أرى هذا العالم الروائى بعيون امرأة ولكنى أحب أن أسلك الطرق الصعبة وغير التقليدية و«على سبيل المثال» هى الأصعب لأن بها الكثير من الشخصيات النسائية.
• تعدد فى “على سبيل المثال” ذكر حالات الانتحار ما بين التوثيقي- نحو 6 حالات لمثقفين مصريين-فضلا عن انتحار احدى شخصيات الرواية “كريم” لماذا دعمت الحدث الروائى بتلك المادة التوثيقية؟

-من يكتب عن أمر يُغمض عنه المجتمع عينيه سيقابل بالكثير من حالات الانكار لذلك عندما كتبت عن الانتحار أردت توثيق اهم حالات الانتحار حتى ألفت النظر لجدية هذه القضية فى المجتمع.
• ثمة جو مقبض يسود الرواية يدعمه تداعى أفكار لا يجمع بينها الا الشعور بالاغتراب، وفقرات توثيقية تفضح وحشية البشر “العمليات القذرة للجيش اليابانى فى الحرب العالمية الثانية” وغيرها.. هل قصدت ذلك؟
-التصدير الذى كتبته فى الصفحة الأولى من الرواية يقول:
«اذا قرأت هذه الرواية على أنها خيالية فأنت مخطئ , واذا قرأتها على أنها واقعية فأنت مخطئ أيضا, فالواقع قد تجاوز الخيال منذ لامست قدم آدم تراب الأرض».
وهذا الجو المقبض سببه تداعى ستائر الوهم وانكشاف الحقائق غير المتوقعة وترقب المجهول.
ولا تنسى أننى أغوص طوال الوقت فى أفكار ومشاعر شخصية مضطربة تحاول أن تفهم مايدور حولها بينما هى فى الواقع تكتشف ما بداخلها هى.
•تشعبت القضايا التى تعرضت لها الرواية وكأنها نظرة بانورامية ترصد الوضع العام ألا ترى أن هذا التشعب جاء على حساب بناء الشخصيات التى بدت فى معظمها مسطحة يسهل تصنيفها؟
-بالعكس روايتى هى نظرة «صغيرة» لعالم يُمثل «على سبيل المثال» عالمنا الحقيقى , أما عن بناء الشخصيات فهذه الرواية «ليست كما تبدو» للقارئ منذ الوهلة الأولى وأنا لا أكتب روايات تُقرأ لمرة واحدة فقط بل تحتاج إلى أكثر من قراءة للغوص داخل عوالمها.
«على سبيل المثال» رواية خادعة تسحب القارىء إلى عالمين ظاهرى خادع وباطنى مراوغ.
وكل شخصية فيها «ليست كما تبدو» للقارئ منذ الوهلة الأولى وعلى القارىء أن ينظر بداخلها بدهشة المستكشف.
•قدمت نحو تسعة أعمال إبداعية منذ عام 2006 وحصدت ثمانى جوائز مصرية وعربية آخرها جائزتا “كتارا” عام 2015.. هل لديك تصور للمعايير التى تحكم الجوائز فى عالمنا العربي..وهل تمهد الجوائز الطريق للوصول إلى القارئ أم على العكس؟
-اننا نعيش فى عالم الاعلانات واسمحى لى أن أقتبس من «على سبيل المثال» الفقرة :
«إن النجاح فى هذا الزمن أصبح يعنى اهتمام الفرد باجتذاب انتباه الآخرين واستحسانهم وحرصه المبالغ فيه على الحصول على تقديرهم واعجابهم به». ومن المؤسف أن ينطبق هذا الأمر على الأدب وهو أرقى «المنتجات» الانسانية اذا جاز لى التعبير.
ولذلك قد تصدر بعض روايات جيدة لاينتبه اليها أحد أما اذا فازت رواية ما بجائزة فسيتدافع اليها القراء بالمناكب مهما كان مستواها الحقيقى ولذلك الجوائز هى «الاعلانات التليفزيونية» عن الروايات لذلك أتمنى أن تكون هناك معايير معلنة لهذه الجوائز «فى الحقيقة معايير تحكيم جائزة كتارا منشورة على موقع الجائزة لمن يهمه الأمر» ولكن معظم الجوائز لا أعرف لها معايير واضحة.
واذكر اننى تقدمت فى احدى السنوات بروايتى «بورتو سعيد» لجائزة الدولة التشجيعية التى اشترطت فى ذلك العام «رواية تاريخية» ثم ظهرت النتيجة وفازت رواية «من نوع الفانتازيا» ويبدو أن لجان التحكيم نست الشروط التى وضعتها وبعدها بأشهر فازت «بورتوسعيد» بجائزة اتحاد كتاب مصر.