بورسعيد.. مدينة تبحث عن هويتها المعمارية! بقلم :  عمرو على بركات   إذا كان الشاعر الإنجليزى «روديارد كبلنج» (1865 – 1936م)، هو القائل فى نهاية القرن التاسع عشر عبارته: «الشرق

bwrsyd-wlyd-mntsr

بورسعيد.. مدينة تبحث عن هويتها المعمارية!

No automatic alt text available.

بقلم :

 عمرو على بركات

 

إذا كان الشاعر الإنجليزى «روديارد كبلنج» (1865 – 1936م)، هو القائل فى نهاية القرن التاسع عشر عبارته: «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا»، إلا أنه بعد زيارته لمدينة بورسعيد صحبه الزعيم «غاندى» فى العام 1931م، عاد وقال: «إذا أردتم ملاقاة شخص ما عرفتموه، وهو دائم السفر، فهناك مكانان على الكرة الأرضية يتيحان لكم ذلك، حيث عليكم الجلوس وانتظار وصوله إن عاجلا أو آجلا، وهما: لندن، وبورسعيد»، فباتت بورسعيد ملتقى الشرق والغرب، اللذين كانا لن يلتقيان، وهذا يرجع إلى خصوصية موقعها على خريطة العالم، عند مدخل قناة السويس الشمالى، وبداية الرحلات بين الشرق الأقصى، والغرب، فكانت صرة الشرق الأوسط، هويتها مترجمة لخصوصية ثقافية متميزة، أفصحت عن نفسها فى ثقافتها المعمارية.

هوية الثقافة المعمارية

إذا كانت كلمة الثَّقافة فى القاموس من «ثَقَف»، أى أصبح حاذقًا فطينًا ملمًا بالموضوع من كل جوانبه، فكلمة الثَّقافة كلمةٌ عامّةٌ ولتخصيصها فى مجالٍ ما وتحديد ماهيّتها تُضاف إلى علمٍ أو فنٍّ خاصٍّ، أمّا الثَّقافة فى الاصطلاح فهى جميع ما يكتسبه الإنسان من صنوف المعرفة النَظريّة، والخبرة العمليّة طوال عمره، وأول مصادر تلك الثقافة المتنوعة المناهل، هى ثقافته البيئية، تلك الثقافة التى يعايشها فى عمارة مدينته، أو قريته، فإذا كانت ثقافة الإنسان تتأثر بالمحيط المعمارى من حوله، فإن النتاج البنائى لذلك المحيط هو فى الاصل نتاج ثقافة ذلك الإنسان.

خصوصية الطابع العمرانى لبورسعيد

إن المواطن البورسعيدى تكمن فى ذاكرته البصرية تراكمات لطابع عمرانى خاص، عبر الملامح البصرية المميزة لحى الإفرنج، والعرب، والمناخ، فشارع «محمد على»، وهو ممتد من الشمال إلى الجنوب، يفصل بين العمارة الغربية ذات البواكى، وشارع «أسوان» الموازى لشارع «محمد على» وفى اتجاهه يفصل بين حى العرب بكتله المعمارية المتوازية، وبين حى المناخ، المماثل لحى العرب فى الطابع المعمارى، وشارع«23 ديسمبر» الممتد من الشمال إلى الجنوب، يفصل بين الطابع المعمارى الكلاسيكى للمدينة، وطابع عمارة ما بعد المنطقة الحرة، فالطابع العمرانى لبورسعيد، هو الصورة النهائية لخريطتها العمرانية، «الزمانطوبوغرافية»، هذه الصورة النهائية تتطلب أيضا بالإضافة إلى البيئة الطبيعية، والتفاعل الإنسانى، البعد الزمان، فالطابع العمرانى المميز لبورسعيد، هو نتاج تفاعلها عبر الزمن، والبيئة، بيد أن خصوصية الطابع العمرانى لبورسعيد فى كونها مدينة على كنار ضيق يفصل بين البحر المتوسط وبحيرة المنزلة فى سهل يعرف بسهل الطينة، فهى ولدت بأمر مخطط عمرانى غربى الثقافة، منذ لحظتها الأولى، وكان ذلك المخطط على وعى بأصول التخطيط العمرانى للمدن الحديثة فى عصره، حيث قاعدته الرئيسية تكمن فى أنه حاكى الحدود الجغرافية لشكل المدينة الوليدة، ولطبوغرافية موقعها، فكانت مثلثة الشكل، قاعدة المثلث مجرى قناة السويس، وضلعه القائم هو شاطئ البحر المتوسط، ووتره هو شاطئ بحيرة المنزلة، وعلى هذا الاساس كانت شوارع بورسعيد قد تم رسمها قبل مبانيها، فى شوارع طولية من الشمال إلى الجنوب موازية لمجرى القناة، من أول شارع «فلسطين»، والذى مر بأسماء تترجم تاريخ المدينة، «فرانسوا جوزيف، والسلطان حسين، وشكرى القوتلى»، يليه على التوازى شارع «ممفيس»، ثم شارع «الجمهورية»، وهكذا حتى شارع «محمد على»، ثم شوارع حى العرب، وحى المناخ، ثم تأتى الشوارع المتقاطعة مع هذه الشوارع والموازية لشاطئ البحر المتوسط، من أول شارع طرح البحر، فى مثلثات صغيرة، تأخذ فى الاتساع، حتى شوارع «23 يوليو»، و«عرابى»، و«صفية زغلول»، و«سعد زغلول»، فكان المثلث القائم الزاوية هو الموتيفة المميزة، والتى وضعها على خريطته المخطط العمرانى الأول للمدينة الوليدة.

42903

التطور العمرانى لبورسعيد

يذكر «د. زين العابدين شمس الدين»، فى كتابه «بورسعيد تاريخها وتطورها منذ نشأتها»، أنه فى العام ١٨5٩م كان أول ظهور للمدينة، وكانت أرض مدينة بورسعيد جزءا من بحيرة المنزلة، ماعدا جزء قليل منها وهو الجزء القريب من البحر بطول الشارع العمومى الذى يبدأ من الرصيف الغربى، فأقام «ديلسبس» الخيام فى تلك المنطقة، وسرعان ما استبدلت هذه الخيام بأكواخ خشبية، وقام برفعها على قوائم خشبية حتى لا تصلها مياه الفيضان، وهكذا بدأت أعمال الحفر وبدأت مدينة جديدة تُغالب الطبيعة، وتتحدى قوانين العمران التقليدية وسُجلت كعلامة تاريخية لانتصار إرادة الإنسان، وإقامته مدينة فى أرض ساحلية مكونة من تلال رملية منخفضة تتخللها مياه البحر المتوسط شمالا، ومياه بحيرة المنزلة ، وقناة السويس تحت الحفر شرقا»، وبحسب الأصل الذى رسمه المخطط العمرانى الأول لمدينة «بورسعيد»، فهو قد رسم التوسعات المستقبلية على رأسى المثالث، إلى الغرب بمحاذاة شاطئ البحر المتوسط، لتوسعة الرقعة السكنية، وإلى الجنوب على امتداد الضلع الموازى لمجرى قناة السويس، لتوسعة الميناء البحرى، الا أنه بعد صدور قرار تحويل «بورسعيد» إلى منطقة حرة، تم إحاطتها بمنافذ جمركية على رأسىّ مثلثها العمرانى، حيث منفذ الجميل غربا، ومنفذ الرسوة جنوبا، فلم يعد هناك إمكانية للتوسع العمرانى للمدينة إلا عبر ردم أرض بحيرة المنزلة، فاعوج الوتر، وانتفخ المثلث المميز لطابع المدينة العمرانى، وفقدت المدينة رشاقتها العمرانية، وصُودر على مستقبل تطورها العمرانى بصورة جمالية تتسق مع ماضيها.

بورسعيد بلد البواكى والتراسينات

ما زالت توجد إلى اليوم تلك المنازل ذات التراسات الخشبية، والتى تعرف باللهجة البورسعيدية المحلية باسم «التراسينات»، وتعد هى الممثلة لأول مبانى شيدت مع أعمال الحفر، والتى تتميز بالأعمدة الحاملة للتراسات الخارجية مع استخدام الطوب والحجارة كأساس للإنشاء، وما بين تلك الأعمدة يعرف بـ«البواكى»، مع عدم زيادة ارتفاع المبنى عن ٤ أدوار، كما يسيطر السمت الغربى، الكلاسيكى فى الواجهات، والزخارف المعمارية، وجمالونات السقوف، فى مساكن الاجانب من مهندسين، ومرشدين، وهى المطلة على شارع «فلسطين»، ثم مساكن الطبقة المتوسطة فى المناطق الخلفية، أما بعد شارع «محمد على» غربا حيث حى العرب، وحى المناخ، تظهر التطورات العمرانية للأكواخ الخشبية، حيث متوسط ارتفاع المبانى بين ثلاث، إلى خمسة أدوار، مبنية من الخشب، والطوب، والحجارة، ويذكر «د. محمد حنفى» فى كتابه، أنه بعد اندلاع الحريق الكبير بقرية العرب عام ١٨٦٦م، تم تخطيط القرية على شكل مربعات تفصلها شوارع وحارات، لكى تقلل من أخطار انتشار الحرائق عند حدوثها، كما أن المخطط العمرانى قد وضع فى حسبانه، اتجاه الرياح الغربية، فكانت المنطقة تسمح شوارعها وحاراتها بدخول الهواء المتجدد إليها، كما توجد مناطق إسكان العاملين بهيئة قناة السويس، فى حى بورفؤاد، ومناطق من حى الشرق، وكذلك مناطق إسكان غربية الطراز، كل هذا أدى إلى بانوراما تاريخية مميزة لمدينة بورسعيد، عبر الزمان، والمكان، فضلا عما شهدته من أحداث تاريخية مهمة.

التراث المعمارى لبورسعيد

«بورسعيد المدينة الاستثناء»، على حد قول ابنها البار المرحوم «قاسم مسعد عليوة» فى مؤلفه عنها، فقام أبناء بورسعيد المعنيين بتراث مدينتهم المعمارى، بتأسيس وإشهار جمعية «بورسعيد التاريخية»، برئاسة رجل الأعمال البورسعيدى «أيمن جبر»، وتم التنسيق مع جهاز التنسيق الحضارى، والتابع لوزارة الثقافة، وعرض مشاريع الجمعية الخاصة بحماية التراث، وتطوير شارع فلسطين، وتجديد مبانى بورسعيد الاثرية، بعد حصرها، ويقوم السيد اللواء «عادل الغضبان» محافظ بورسعيد بمتابعة أعمال الجمعية، حيث رؤيته لأهمية التنمية المعتمدة على تراث بورسعيد الحضارى، كما تقوم الجمعية بتحفيز الوعى الثقافى العمرانى لدى المواطن البورسعيدى، وما يوجد فى مدينته من قيم تراثية معمارية مميزة يجب الحراك المجتمعى للحفاظ عليها.