أفلام القارة السمراء تتسلل بنعومة وتنقلب على «الأيديولوجية» ! بقلم : مجدى الطيب أفسدتنا السينما الأمريكية،عندما تركنا أنفسنا نهبا لأفلامها التجارية، سواء التى تُعرض على الشاشات الكبيرة فى الصالات أو

%d8%ad%d9%81%d9%84-%d8%ae%d8%aa%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d8%b1%d8%a9

أفلام القارة السمراء تتسلل بنعومة وتنقلب على «الأيديولوجية» !

sora-magdy-el-tayb-45

بقلم :

مجدى الطيب

أفسدتنا السينما الأمريكية،عندما تركنا أنفسنا نهبا لأفلامها التجارية، سواء التى تُعرض على الشاشات الكبيرة فى الصالات أو التى تطاردنا، عبر الشاشات الصغيرة، فى مخادع نومنا، ومن ثم صار البحث عن السينما الأخرى؛ سواء أكانت تنتمى إلى مدارس فرنسية أو ألمانية، أو حتى إيرانية وأذربيجانية، بمثابة الهاجس الذى يؤرق غالبية المهتمين بالسينما الحقيقية، والباحثين عنها، وتدريجا صارت الأفلام الروائية الطويلة تمثل عبئا جديدا على العاشقين لسحر السينما، كونها، ونجومها، يستأثرون – بوضع اليد وحكم الزمن – بالاهتمام، فضلا عن استحواذها على الشهرة والجاه والحظوة، فيما تعانى السينما الأخرى؛ تسجيلية وتشكيلية وروائية قصيرة، ظلما صارخا، وتجاهلا مريرا، وكأنها «ابنة البطة السوداء»، رغم ما يقدمه أبناؤها، والعاملون بها، من فن رائع وإبداع جميل يُشار إليه بالبنان !
لهذا السبب تركز جل اهتمامى فى الفترة الأخيرة، على متابعة الأفلام القصيرة فى المهرجانات المحلية والإقليمية والدولية، ربما على حساب الأفلام الطويلة المحظوظة والمُدللة، ويبدو أننى لم أكن وحدى الذى تبنى هذا الموقف؛ إذ اعترانى شعور شبه جازم، أن الأفلام القصيرة باتت «الحصان الأسود»، فى نظر قطاع كبير من جمهور المشاهدين، بدليل ما يحدث من التفاف حولها، وإقبال على الشاشات التى تعرضها، وتجاوب غير متوقع مع لغتها ومضامينها، وهو ما حدث فى مهرجان «دبي» وفى «وهران» من قبل، وهاهو يتكرر فى الدورة السادسة لمهرجان الأقصر للسينما الآفريقية؛ التى أجبر برنامج عروضها الجمهور، والنقاد والمهتمين، على ضرورة المفاضلة بين متابعة مسابقة الأفلام القصيرة أو مسابقة الأفلام الطويلة؛ بعد أن انطلقت المسابقتان فى توقيت زمنى واحد، ومكانين مختلفين، وكانت المفاجأة أن حظيت الأفلام القصيرة بإقبال كبير، وتجاوب أكبر، وهو الأمر الذى تجلى فى المناقشات التى أعقبت العروض، والإعجاب الذى طغى على آراء الحضور، والاستقبال الإيجابى لنتائج لجنة التحكيم، وللجوائز التى ذهبت إلى مستحقيها.
من بين سبعة وعشرين فيلماَ شملتهم قائمة الأفلام المشاركة فى مسابقة الأفلام القصيرة نتوقف عند المميز منها، الذى أثار الانتباه؛ سواء على صعيد الفكرة أو اللغة؛ مثلما رأينا فى فيلم المخرجة الموريتانية الموهوبة مى مصطفى أخو، التى أدركت أنها لن تستطيع مجاراة القيود الرقابية، فضلا عن مواجهة العادات الجامدة والتقاليد الصارمة، فى حال كشفت عن نية بطلتها المتمردة، ورغبتها فى الانقلاب على قوانين مجتمعها المُغلق والمنغلق، فما كان منها سوى أن اتجهت إلى التفكير «خارج الصندوق» فعلا وقولا، عبر فيلمها «الصندوق الأول» (موريتانيا / 8 دقيقة)، الذى قدمت لنا من خلاله فتاة وحيدة سافرة الوجه فى مجتمع غطت فيه الصناديق الكرتونية رؤوس، ومعالم وجوه الجميع، وأصبح محكوما، ومُسيطرا عليه بواسطة «الريموت كونترول»، لكنها رفضت أن تكون جزءا من القطيع، أو طرفا فى الصراع، وأبت مجاراة مناخ الإذلال،والعبودية، واختارت طريقها بإرادتها الحرة؛ فهى ترى أن «الصندوق الأول» مجرد بداية للكشف عن المستور، والانقلاب على السائد، ولا بد أن يتبعه النبش فى صناديق أخرى .. محظورة، وطوال الوقت القصير للفيلم كان التكثيف هو السمة، والإيجاز هو اللغة، والصورة أكثر بلاغة من الحوار، والأهم أننا شاهدنا سينما مُدهشة، وإن لم تحظ بتقدير لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة بمهرجان الأقصر للسينما الافريقية، التى منحت جائزة النيل الكبرى لفيلم «شعرى بألوان فرنسية» (الكاميرون / 21 دقيقة)، وقالت فى تبرير انحيازها له «قدمت المخرجة بثقة فيلما جيدا ومتقن الصنع عن موضوع بالغ الأهمية مع اهتمام بارز بتفاصيل كل مشهد»، بينما ينحاز الفيلم للحرية، والانتماء، معا؛ حيث البطلة التى تبلغ من العمر سبعة عشر عاما، ويحتدم الخلاف بينها ووالدها، لرغبتها فى الحصول على الجنسية الفرنسية، بينما يرفض الأب بشكل قاطع لهذه الجنسية، ومع نهاية الأحداث، التى تتسم بإيقاع سريع، يصل الطرفان إلى حل وسط، وتُضحى الفتاة فى سبيل العودة إلى الأسرة «والدها وشقيقها الطفل» والبيت «الوطن».
«للمخرج الذى استخدم نوعا جديدا على السينما الإفريقية فى اكتشاف ثيمات الماضى والحاضر بطريقة فريدة ومثيرة» .. هكذا جاءت حيثيات لجنة التحكيم، وهى تمنح الفيلم الجزائرى «قنديل البحر» جائزة أفضل إسهام فني، وكانت مُحقة بالفعل؛ لأن مخرجه داميان أونورى أدرك خطورة ما ينتظره، فى حال ارتكن إلى تقديم الفكرة «زوجة فى رحلة شاطئية مع ولديها وحماتها تتعرض لجريمة تروح ضحيتها» بشكل تقليدى أو مستهلك، ولجأ إلى توظيف الصورة لتقديم تجربة فنية فى أربعين دقيقة تجمع بين الخيال والواقع، ولا ينقصها الإبداع. ونجح فى ذلك بدرجة كبيرة .

•ذهاب الجوائز إلى أفلام بعينها لا ينفى وجود أفلام جديرة بالإشادة حتى لم تنل نصيبها وحظها

جائزة لجنة التحكيم الخاصة التى ذهبت إلى فيلم «خلينا هكا بخير» (تونس / 19 دقيقة) إخراج مهدى البرصاوى، وقالت عنه «لقدرة الفيلم الرائعة على الربط بين جيلين فى حكاية شاعرية تمس القلب»، وهو كذلك بالفعل لأن الفيلم، الذى اختار مخرجه لدور البطولة المخرج التونسى الشهير نورى بو زيد، غلفته مشاعر إنسانية لا تخلو من طرافة بعكس الجدية الهائلة التى اتسم بها فيلم «البنانوة» (مصر / 18 دقيقة) إخراج ناجى إسماعيل، الذى بدا أقرب إلى اللوحة الفنية التشكيلية، بألوانه، وحجم لقطاته، لكن الحنة اكتفت بالتنويه الخاص إليه، قائلة : «للغته السينمائية الخاصة وحسه الانسانى، وخلطه الموروث بالواقع».
بالطبع، وكالعادة، ذهبت الجوائز إلى أفلام بعينها، تبعا لمزاج وهوى وأيديولوجية اللجنة، أو لقلة عدد الجوائز، إلا أن هذا لا ينفى وجود أفلام أخرى جديرة بالإشادة، والتنويه، حتى لم تنل نصيبها، وحظها، من الجوائز؛ مثلما رأينا فى أفلام : «فتاة الملاكمة» ( السنغال/ 25 دقيقة) إخراج ايمان دجيون، «رحلة كلثوم»( الجزائر/ 24 دقيقة) إخراج أنيس جاد، «شباكي» (مصر/ 18 دقيقة) إخراج بهاء الجمل، «ابانا» «بوركينا فاسو/ 13 دقيقة» إخراج بارث لامبير أوبدا،«الرب» «كوت ديفوار/ 17 دقيقة» إخراج بوريس أوييه و«نيركوك» «السودان/ 19 دقيقة» إخراج محمد كردفان .. وهو ما سنتوقف عنده بتفاصيل أكثر فى المقبل من الأيام.