المنتحر – ما يقوله الميت بقلم : محمد صالح     “فى هذه الأيام يقول الميت ما يعجز عن قوله الحي”… أريستارخ دومينيكوفيتش جراند-سكوبيك من مسرحية “المنتحر” لنيكولاى إيردمان منذ

10100

المنتحر – ما يقوله الميت

بقلم :

محمد صالح

 

 

“فى هذه الأيام يقول الميت ما يعجز عن قوله الحي”… أريستارخ دومينيكوفيتش جراند-سكوبيك من مسرحية “المنتحر” لنيكولاى إيردمان
منذ سنوات قابلت الصديق المسرحى الرائع حسن الجريتلي، وحكى لى عن مسرحية روسية شاهدها فى أوروبا يوما ما، وكان منفعلا بها للغاية، شاركته الانفعال ثم نسيتها فى اليوم التالي. تقابلنا منذ عام أو يزيد فعاد ليطلعنى على تلك المسرحية بدفعة أكبر من الانفعال، فدفعنى دفعا للبحث عن أصل المسرحية وقراءتها بالروسية ففعلت. وكانت هدية رائعة لم أتوقعها.. ولم أهدأ حتى قمت بترجمتها مؤخرا لأحد دور النشر.. «ما زالت فى طور النشر، ولم تطرح بعد فى المكتبات».
لم أكن أدرى أننى على موعد مع القدر، وأن عام ٢٠١٧ سوف يبدأ بمنتحر يطرح بموته أسئلة وجودية عميقة تهز المجتمع بأسره.. «هذا حديث لاحق».
لكننى أؤمن بالعلامات القدرية التى تدفع الإنسان للتأمل والبحث عن معانى الأشياء والصدف والترتيب الذى لا يبدو وكأنه يأتى اعتباطا..
عنوان المسرحية “المنتحر” كتبها نيكولاى إيردمان عام ١٩٢٨ ولم تنشر أو تعرض فى حياة المؤلف. بدأ إيردمان وفسيفولود مييرهولد العمل على مسرحية “المنتحر” مباشرة بعد العرض الأول لمسرحية “التفويض”. حصلت “المنتحر” على تقدير رفيع من ماكسيم جوركى (١٨٦٨-١٩٣٦)، الناقد وأناتولى لوناتشارسكى (١٨٧٥-١٩٣٣)، وكونستانتين ستانيسلافسكى (١٨٦٣-١٩٣٨) حتى قارنها الأخير بإبداع الكاتب الروسى المعروف نيكولاى جوجول (١٨٠٩-١٨٥٢).
حاول إيردمان ومييرهولد عرض المسرحية دون نجاح، حتى كتب ستانيسلافسكى خطابا إلى ستالين، وسمح ستالين بعمل البروفات وبدا أن العرض سوف يرى النور، وحينما أصبحت المسرحية جاهزة للعرض، منعها ستالين وكتب فى خطابه لستانيسلافسكي: “لا تروقنى مسرحية “المنتحر” كثيرا. يقول رفقائى المقربون انها فارغة من المضمون وضارة بالمجتمع… “- من خطاب ستالين إلى ستانيسلافسكى فى ٩ نوفمبر ١٩٣١.
فى عام ١٩٣٢ حاول مييرهولد مرة أخرى عرض “المنتحر”، ولكن بعد العرض المغلق منعت هذه المسرحية من اللجنة المعيّنة من الحزب الشيوعى السوفييتى برئاسة ل. كاجانوفيتش. فى أثناء عصر “ذوبان الجليد” تحت حكم نيكيتا خروشوف كانت هناك محاولات لنشر أو عرض هذه المسرحية لم تكلل بالنجاح. نشرت هذه المسرحية للمرة الأولى باللغة الروسية عام ١٩٦٩ فى ألمانيا الغربية، وعرضت فى العام نفسه فى السويد للمرة الأولى فى تاريخ المسرحية. فى بداية السبعينات ترجمت الرواية إلى اللغة الألمانية وعرضت على مسارح زيوريخ، برلين الغربية، ميونيخ، فرانكفورت على نهر الماين، فيينا ثم ظهرت بعد ذلك على خشبات مسارح فرنسا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا «عرضتها فرقة شكسبير الملكية». فى عام ١٩٨٢ عرضت المسرحية على خشبة المسرح الساخر للمرة الأولى فى الاتحاد السوفييتى «إخراج/ ف. بلوتشيك» لكنها رفعت من ريبرتوار المسرح بعد العروض الأولى، كما منعت من العرض فى مسرح “تاجانكا” و”مسرح فاختانجوف”. نشرت المسرحية للمرة الأولى فى الاتحاد السوفييتى عام ١٩٨٧ فى مجلة “الكتابة المسرحية الحديثة”.
تدور أحداث المسرحية حول سيميون بودسيكالنيكوف الذى يعيش فى شقة مشتركة مع زوجته وحماته ويعانى أزمة التبعية. بعد عراك ليلى مع زوجته حول سجق الكبدة يقرر الانتحار. الزوجة والحماة والجار كالابوشكين يحاولون إثناءه عن عزمه، إلا أن انتحاره تبدو فكرة تروق لكثيرين.
تنتشر فكرة انتحار بودسيكالنيكوف فى أنحاء موسكو، ويتوافد على الشقة المشتركة شخصيات تحاول إقناع بودسيكالنيكوف الانتحار من أجل هدف يرونه يستحق الانتحار.
أريستارخ دومينيكوفيتش يندهش من عجز بودسيكالنيكوف عن إيجاد المذنب فى انتحاره:
“هذا أمر غير جائز أيها المواطن بودسيكالنيكوف. ماذا يفيد “عدم الإشارة إلى مذنب”، على العكس تماما، لا بد من توجيه العتاب واللوم بل والاتهام أيها المواطن بودسيكالنيكوف. تودون الانتحار. جميل.. رائع. فلتنتحر على الرحب والسعة. لكن لا بد من الانتحار كشخصية عامة (…)أنتم تريدون الانتحار من أجل الحقيقة أيها الرفيق بودسيكالنيكوف.. إلى الأمام قدما. هاهى الورقة ولتكتبوا رسالتكم بكل صراحة ووضوح كما تعتقدون.. فلتتهموا الجميع فى انتحاركم… ففى هذه الأيام الميت يقول ما يعجز عن قوله الحي”
كليوباترا ماكسيموفنا تريد أن ينتحر بودسيكالنيكوف من أجلها، وفيكتور فيكتوروفيتش يريد أن ينتحر بودسيكالنيكوف من أجل الفن، والقس يلبيدى يريده أن ينتحر من أجل الدين:
“خالد الذكر المتوفى ما زال حيا، لكن رسائل انتحاره أصبحت كثيرة (…) “سوف أموت ضحية التفرقة العنصرية، لقد قتلنى اليهود”. “لا أستطيع الحياة مع مضايقات المفتش المالي”. “لا أتهم أحدا فى موتى سوى السلطة السوفييتية الحبيبة”.
يحاول الجار كالابوشكين جمع ١٥ روبل من كل مشترك حتى ينظم يانصيب. لكن بودسيكالنيكوف يفهم فجأة أنه لا يريد أن يموت. يفكر فى الحياة والموت:
“ماهى الثانية؟ تيك-تاك.. يقف بينهما حائط. نعم، حائط، فوهة المسدس تقف بينهما…تيك، أمامكم شاب يافع ما زال شيئا، تاك أصبح الشاب اليافع لا شىء (…) تيك – ما زلت مع نفسى مع زوجتى مع حماتى مع الشمس مع الهواء مع الماء.. أفهم ذلك جيدا. تاك – أصبح بلا زوجة.. على الرغم من أننى أفهم أنه بلا زوجة فإن ذلك يعنى أننى أيضا بلا حماة…هذا أيضا أفهمه، لكن بلا نفسى – هذا هو ما لا أفهمه. كيف أكون بلا نفسي؟ هل تفهمون؟ أنا؟ أنا شخصيا بودسيكالنيكوف.. إنـ..سـ..اان”
فى اليوم التالى يقيم الجمع حفلا كبيرا فى وداع بودسيكالنيكوف، وهو يبدأ فى الإحساس بقيمة انتحاره بالنسبة للجميع:
“لا، أتعلمون ما أستطيع؟ أستطيع ألا أخاف أحدا أيها الرفقاء.. لا أحد. أفعل ما أريد. فأنا فى كل الأحوال ميت. (…) إننى اليوم أرتفع سلطانا فوق الجميع. إننى اليوم ديكتاتور. أنا اليوم قيصر.. قيصر أيها الرفقاء الأعزاء.”
بعد بضع ساعات فى شقة بودسيكالنيكوف التى كان يعيش فيها، يأتون بجثته: ثمل مثل الأموات. حينما يعود إلى وعيه، يظن بودسيكالنيكوف أن روحه قد أصبحت فى السماء، ويرى فى زوجته العذراء، وفى حماته ملاكا. لكن حينما تؤكد له الزوجة والحماة أنه ما زال على قيد الحياة، وأنه ليس فى العالم الآخر بعد، يحزن بودسيكالنيكوف أنه احتسى خمرا حتى الثمالة ونسى أن ينتحر. حينما يرى أن أصحاب الحفل قد جاءوا إلى المنزل يختبئ فى النعش المخصص له. الضيوف يعتبرونه ميتا، ويلقون خطبا جليلة حول موته، فى المقبرة قبل دفنه لا يتحمل ويقف من نعشه:
“أيها الرفقاء، أريد طعاما، أريد أن آكل.. لكن قبل الأكل أريد أن أعيش (…)، لا أريد أن أموت: لا من أجلنا، أو من أجلكم، أو من أجلهم، أو من أجل الصراع الطبقي، أو من أجل الإنسانية، أو حتى من أجل زوجتي”.
تنتهى المسرحية بكلمات فيكتور فيكتوروفيتش أن أحدهم ويدعى فيديا بيتكونين أطلق على نفسه الرصاص لتوه وقد ترك رسالة كتب فيها: “لقد كان بودسيكالنيكوف على حق، بالفعل الحياة لا تستحق”.
“ إن مسرحية “المنتحر” تدور حول العلاقة بين الإنسان والسلطة، حول حرية الإنسان مهما حاولنا تكبيله بالقيود. إنها مسرحية عن انتفاضة ذلك الإنسان “الصغير” ضد ماكينة الضغط الهائلة التى تدفعه نحو الموائمة والتكيف وتدمير كل معنى للحرية وحياة الإنسان.” ي. ستريلتسوفا.
“سوف يظل إيردمان الكاتب المسرحى الساخر السوفييتى الوحيد الذى طرح فكرة نظام السلطة السوفييتية ككل وليس فى عيوب السلطة على المستوى الإنساني. لقد تمكّن من ذلك فى مرحلة مبكرة للغاية فى العشرينات «من القرن الماضى – المترجم»، بينما كانت السلطة السوفيتية فى طور الإنشاء، وبينما كانت الغالبية العظمى ومن بينها عدد كبير من المفكرين المتنورين عاجزة عن تصور الجوهر الحقيقى الذى تأسست عليه هذه السلطة.
إن مسرحية “المنتحر” تطرح على نحو غريب الأطوار مغرق فى السخرية والعبث فكرة فى غاية الأهمية والجدية. فكرة أن الإنسان فى ظل السلطة مكبل أسير، فهو ليس عاجزا عن اختيار على أى نحو يعيش فحسب، بل إنه عاجز عن اختيار على أي نحو يموت أيضا. ل. فيليخوف.