اللغة بين الاستعارات واعادة بنى ونحت المفاهيم نبيل عبد الفتاح و تجاوز “عقل الأزمة” بقلم : ميسون صقر القاسمي     ثلاث عتبات يعمل من خلالها نبيل عبد الفتاح، تتوزع

%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%86%d8%a8%d9%8a%d9%84-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%aa%d8%a7%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%b4%d8%a4%d9%88%d9%86

اللغة بين الاستعارات واعادة بنى ونحت المفاهيم

نبيل عبد الفتاح و تجاوز “عقل الأزمة”

100000

بقلم :

ميسون صقر القاسمي

 

 

ثلاث عتبات يعمل من خلالها نبيل عبد الفتاح، تتوزع ما بين السياسي الفكري والسوسيولوجي (كباحث متخصص)، وبين النقدي التحليلي والثقافي (دارسا ومتعمقا ومشيرا)، وبين الفني الجمالي والإبداعي (ككاتب موشوم بلغة ابداعية).
من هذه المحاور الثلاثةِ يمكن أن يبدأ في كل مرحلة من مراحل كتابته مضيفا إليها أو مقتصرا فيها على الدراسات الممنهجة في عموم السياسة وتخصصاتها. ثم إلى كتابة المقالات في الصحف السيارة ، أو على شكل أعمدة في بعضها (وما يعنيه هذا من اختصارات يفرضها حجمُ المساحة ونوعِ الموضوع وتشعبهِ ) ، ثم دخولُ كتابته إلى مساحات نقد الإبداع والفن والأدب؛ في مقالات يكتب فيها عن أعمال أدبية وفنية وإنسانية عامة.

وبحصافة الباحث يتنقل بين كل هذا مهما صغرت لديه المسافات والفروق فنراه متابعا للأدب والفنون والسينما والثقافة بشكل عام. بهذا الدأب استطاع أن يؤسس له مكانةً خاصةً بين النقد الثقافي والفكر والتحليل بمعناه الأوسعِ ، ورؤية المستقبليات وهو الواعى للحظته، والمترفع عن الخوض في غمار العادي والصغير إلى فكرة الطبقة الثقافية الأوعى والغيمة المظللة من فوق لمجالٍ أوسعَ واشملَ. وهو صاحب المقالات المتنوعة والدراسات المختلفة والنقد البحثي الرصين، الأقرب إلى المثقف العضوي كما يقول جرامشي أو المثقف التراكمي والبنيوي.

777

له العديد من الكتابات عن الجماعات الإسلامية . راصدا ومحللا أشكال جماعاتها العنيفة وهو المختص في شئون الجماعات الإسلامية ورئيس تقرير الحالة الدينية في مصر، متطرقا لأكثر من تخصص ولأكثر من موضوع واضعا العديد من الكتب ومئات من المقالات التي تتعرض لذلك وتتسع إلى الحالة السياسية والثقافية عامة، ومع اضمحلال الرقعة بين الاجتماعي والأدبي والسياسي ومع كتابته للمقالات بشكل يومي كما اردفنا، يظل حريصا على التفريق بين الدين والجماعات التي تدعي انتسابها له باعتبارها حالة اجتماعية وسياسية يتم فيها استغلالهم له( الدين) ، منتصرا لفكرة الحرية والديمقراطية والحقوق والحرمات الانسانية باعتبارها حقا للشخص، منتقدا السياسة بأذرعها الدينية والثقافية والتي هي أفدح ما يكون الوعي والادراك بها في صورتها الحالية. طارحا كأي مثقف فكرة الحريات فهو من أوائل من ألمحوا إلى ضرورة التفريق بين التشريع والإفتاء، وحددوا مفهوم الدولة والصراع والتمييز.

كانت دراسته مابين مصر وفرنسا وما بين القانون والدراسات السوسيولوجية (الماجستير من جامعة السوربون الفرنسية في جماعة المسلمون التكفير والهجرة دراسة في النسق المغلق ) وتخصصه (الجماعات الإسلامية) واختلاطه بعوالمَ متداخلةٍ أدت إلى فكرة المثقف العضوي والتي كانت ضمن اطروحات جيله من مثقفي السبعينات، وكذلك اختلاطُ هذا الجيل في تجمعات وتكتلات أقرب ما تكون ذات أفكار طليعية مشتركة، رغم نأيه عن ممارسته السياسة بشكل مباشر، ضمن حزب أو جماعة ما، في الواقع العملي مما جعله متواصلا بالواقع الثقافي العام لا الخاص فقط. ومع تطور الأفكار واتساع الرؤية مابين الدراسة والسفر والاحتكاك بمفكرين عربٍ وأجانبَ اتسعت ثقافته وتنوعت من مصادر شتى ، أساسها الثقافة العربية والفرنسية وقبول الآخر؛ فدخل في كتابات ودراسات ومناقشات ومؤتمرات ومعتركات أوسع من فكرة التمركز حول الذات، أو الموضوع الواحد فقط ( كباحث في الحالة الدينية وصراع الجماعات المتشددة التي تنضوي تحت لوائها ضد مدنية المجتمع )، وهذا وحده عمل كبير وهام، وكما يقول” لا معنى ولا وزن ولا سطوة ولا ردع هنا سيولة الحال بين السلطة والدولة”.

من كتبه:

• “النص والرصاص”، دراسة مقارنة عن الحالة الدينية في مصر والجماعات الإسلامية وما يتبعها من العنف الديني تجاه السلطة وتجاه الاديان الأخرى وتجاه المجتمع.
• “المصحف والسيف” ، أو العنف الديني في الجماعات الإسلامية بما تطرحه تجاه السلطة وتجاه الاديان الأخرى وتجاه المجتمع، والحالة الدينية في مصر وسياسات الاديان عن الصراعات وضرورات الاصلاح.
• “الخوف والمتاهة”
• يوتوبيا الجحيم عن قضايا العولمة والحداثة والإسلام والديمقراطية.
• “الوجه والقناع” “في صراع على الدولة والأمة بين أطرافه، وبين القوة والحركات الراديكالية المتشددة والأخرى الأكثر تنظيما وتمويلا وحركة في المجتمع”.
لبرديو رأي يقول فيه “ إن مفهوم السوسيولوجيا – كمصطلح مرتبط بعلم الإجتماع- تطور كثيراً فى الفترة الأخيرة ليشمل الجانب التجريبي والحقلي للمجتمعات، وعملية المعرفة التي يمر بها المجتمع، وماهية المحركات الرئيسية والمصدرية له ولأفراده، وفي الغالب فإن مفهوم علم الإجتماع هو من المفاهيم المتطورة دائماً والتي تعاني صيرروة فكرية وأيديولوجية”.
ويقول نبيل عبد الفتاح – في تجديد بنية الفكر الإسلامي والمنهج وإعادة النظر في الموروثات الفقهية والإفتائية- عن كتاب جابر عصفور: ( إن قضايا الحريات عمومًا التى لا تزال تفرض عليها عديد القيود الباهظة، وهو ما يتمثل فى مشكلات وإشكاليات تمس تكوين العقل العربى الإسلامى الذى يعانى من عديد من الاختلالات التكوينية، وفى طرائق نظرته للذات، وللعالم، وللتاريخ، والزمن، ونمط مقارباته للعلاقة بين النص والعقل والسياق، وفى مقارباته التأويلية والتفسيرية الوضعية التى باتت تشكل ضغطًا مستمرًّا على إمكانيات تحرره وانطلاقه، ويعود ذلك إلى علاقة الفقيه والسلطان، وتحول الأول إلى مؤسسة دينية تحتكر التفسير والإفتاء وتميل مع السلطان -أيًّا كان اسمه وسمته ونظامه- حيثما يميل. فى هذا الصدد، ركز د.جابر عصفور فى كتابه الهام “تحرير العقل” على العلاقة التى ربطت بين السلطان الفاسد، والفقيه الفاسد والتحالف التاريخى بينهما)، فتعامل نبيل عبد الفتاح مع الدين في واقعيته وتجسيد المعنى الاكثر عمقا، مشتبكا مع الفلسفة والأدب، فاصلا بين طبيعة الدولة والامة، بين الحريات والحرمات الشخصية، بين الحقوق ومنها حقوق المرأة والأقليات مقابل فكرة الذكورة والتمييز، وبين الوحدة والإندماج والتكامل والتنوع في ذلك- القانون والدستور والحداثة- معتمدا على الوعي والإدراك وهو أفدح في تعامله المستتر مع الدين في واقعيته، فيجسد المعنى الاكثر عمقا ويشتبك مع المفاهيم السوسيولوجية والفلسفية والثقافية في مزيج من لغة داعمة له من الاشتقاقات فهو يقول “ إن تجديد الفكر هو تجديد في بنية العقل الإسلامي والمنهج، وإعادة النظر في الموروثات الفقهية والإفتائية” فاصلا هنا بين الفقه والإفتاء، مجددا في فكرة الموروث والتي طرحها بورديو أيضا كحاجز بين التجديد والحداثة والعقل الفعلي، وبين الموروث لا كصفة داعمة للخلق لكن في تفتيت افكاره المتعلقة بالعودة إلى الخلف وتفسير الواقع من خلال لا العقل ولكن السلف والابدال فيجسد المعني الاكثر عمقا رغم اتكائه عن واقع رمزي لا حقيقي.
إذ أنه يدخل مباشرة إلى العقل متحدثا ومخلخلا فكرة العقلانية بارتباطها بأزماتها، فيكتب عن “عقل الأزمة” ناقدا “ثقافة العنف” المرتبطة بالموروث والمسكوت عنه والأفكار المتواشجة معه ومع فكرة السلطة والدولة.

يعزي هنا العنف بعنف اللغة المطروحة والجمود إلى جمود في عقل الأمة كأحد عوائق التجديد، متوقفا بأسى عند “سد باب الاجتهاد فى منتصف القرن الرابع الهجرى”، وعلاقته بما أسماه “فقه التوحش الداعشى فى أيامنا” توقف عند فترة عدم التجديد ومن هنا اصبحت اللغة مقتصرة منعزلة عن التوقع والتصور الكلي. اصبحت لغة حاملة لمعناها الصرف لا مساحة لتخيل أو انفتاح.

71813b8d5f87f945b04a0b914c18dd23

فيكتب عن عوالم “العنف ومراياه، وفوضى الفكر” فمن “ ثقافة الفوضى” إلى “ ثقافة التواطؤ” منتقدا شكل هذه الثقافات المتعددة الأوجه السلبية المنتج. في زمن يتراجع فيه كل ما هو حقيقى لمصلحة “الاستعراض” بعد سقوط السرديات الكبرى، بحسب وصف ليوتار”، إذ تحول الإسلام عدوا لدى الغرب لأهداف استشراقية، على نحو يذكرك بما طرحه إدوارد سعيد فى كتابه “الاستشراق” “الثقافة والإمبريالية” و”تغطية الإسلام”، الخطر يبدو داهما من الداخل والخارج يهدم المجتمعات، جحافله تمزق الجغرافيا وتتنكر للتاريخ.

ولذا يستخدم نبيل لغة أخرى لا توضح أو تشرح بين مترادفات عديدة توضح المعني وبين لغة اشبه ماتكون بلغة مثقفة مبدعة تنحو إلى الوصف والتكرار بين مترادفات أوسع لتتسع اللغة إلى اصلها الأول حيث اتساعها واستخدامها. لغة نبيل هنا لغة منفتحة تقبل الترادفات ومن ثم تقبل التفكير بها والفعل بها والتوسع كي تتسع الرؤية من خلالها اذن هي لغة فاعلة غير منزوية في حيز غير جافة وغير متحجرة لذا يستخدم الكثير من التشبيهات والصور والاضافات ويجترئ على الالادب فينحاز له ويجترئ على بعض الصور فيغيرها وينحت منها ماله قابلية الاختلاف والخلق من جديد.
*
طرح برديو مفهوم جديد للسلطة من خلال قراءة بنية المجتمع الغربي لكشف مختلف آليات السيطرة والهيمنة والعنف الرمزي. (الدولة تمارس عبر مجموعة من المؤسسات الاعلام، المدرسة، الفن، الدين، عنفا رمزيا ضد الافراد كما من خلال الهيمنة الذكورية في أوربا) .
هذا “العنف الرمزي” اصطكه نبيل في مصطلح (العنف المجفف) و(العنف المحجوب) والذي تغذيه السلطة وآلياتها الاساسية في العالم العربي عن طريق الدين، طارحا كما يقول (عوالم أخرى ما بعد معولم تغشاه بعض من أشكال الفوضى والارهاب أو تزايد الفجوات الكبرى والنوعية بين التحولات في العالم) فتصبح فكرة “التمييز بين المواطنين على أساسه من خلال بطاقات الهوية أو الملبس” (عالم يسوده التمييز من خلال التمييز والطبقية فتسود ثقافة الفوضى ومراياها) ورغم جمال المضاف اليه لكنها محمولة على تعددية الفوضى التي هي الاصل ومراياها والتي وان تعددت تعكس الصورة المعكوسة فيها وهذا هو المخيف اساسا فان ما ينعكس في المرايا هو صورة متعددة لاصل واحد ولذا تصبح اكثر فوضوية ومن ثم اكثر سوءا.
ان تعدد المتشابهات والمترادفات في جملة نبيل عبد الفتاح ما يطرح فتحا في اللغة وتفكيكها ومن ثم في الموضوع ذاته. من خلال تفكيك الخطابات المتداولة للمفاهيم مثلا وتفتيت الاراء والافكار العنيفة في الإسلام وعلاقتها بالسلطة الحاكمة في احلال العدل والمساواة الاجتماعية والاهتمام وتركيز الضوء والدفاع عن فكرة اشمل هي المواطنة و رفض فكرة الدساتير غير الدائمة.
وان كانت استعاراته في نفس الحقل الا انه يصف الحالة في مصر مثلا في فترة ما، صفة ادبية صرفة طارحا انها اصبحت “مترعة بالالم” ويكتب في موضع آخر “شروخ الشخصية المصرية” أو يتحدث عن “الثقافة من أسفل” وهي كما يقول عنها “اسئلة هامشية في عصر اللا يقين والمخاطر” تجد ان اللغة هنا محمولة على مفاهيم ادبية صرفة ذات قاموس لغوي خاص يمزج فيه الادب بالحال العام والتحليل بالصور الادبية كي يستخلص منها لغة ومحمول جديد.
ويطرح فكرة “الانفجار السكاني والعنف المجفف” ثم يعود للمصطلح ليكتب مرة أخرى “نمط العمارة والعمران هو عنف مجفف وصلد” وقد استعار من مفكر فرنسي اعتمد عليه المعماري الكبير حسن فتحي في مقولته “ان العمارة موسيقى مجففة” فما بال ان تتشوه العمارة وتصبح في ذاتها تحوي العنف مع تزايد السكان الا ان تكون عنفا مجففا منتظرا!!!

فمن تجديد الخطاب إلى تغيير الوضع العام ، ومن اشتقاتق الكلمة واستبدالها وتعريتها ووضعها في سياق آخر ، ومن استعارة لمفهوم داخل معنى إلى معني اخر ، تتسع اللغة ويمكن من خلالها اتساع الخطاب الذي يمثل حالة مجتمعية.

فإلى وقت قصير كانت اللغة محمولة على المعنى منقسمة على نفسها مقسمة بين لغة حاملة ولغة محمولة بين لغة جافة للعلوم الفنية وبين الفني الابداعي والذي تتسع فيه مفاهيمها.
*
في طرحه إلى فكرة “ اختطاف الإسلام” أو”فكرة المجاز الثوري في عالم ما بعد معوّلم يدق أبواب الطرق المؤدية إلى عوالم الاسرار والكتمان والستر والإخفاء، في كل ما يوصف بالخفي الدفين والمستتر والباطن التي تنسال من مفهوم السر” يطرح نبيل عبد الفتاح حالة المابعد والسيولة وعدم اليقين والعنف والارهاب واشكال الكراهية الدينية والمذهبية والثقافية، وشيوعِ التشدّدِ فيها، وفي تشكلات ثقافة المستقبل.
ثم يؤكد عليه بمقالة “الصراعات داخل الإسلام وحوله وبه” حيث اتساع الفكرة ورؤيتها من أكثر من جانب. اما في مقاله “طمأنينة القسوة” وهي مشتقة من عنوان فرناندو بيسوا عن اللا طمأنينة، نجده يشتقُّ ويستعيرُ المفهومَ في معنى جديدٍ لفكرة سوسيوسياسية بدلا من وجودها الأدبي المجتمعي الساكن، وكأنه يخلق أرواحا معذبِّة للغة ، في حال قلق متوتر فتصبح لغته ذات محتوى متوترٍ بالقسوة والكراهية والأقنعة التي تنشأ من هذه الحال المرتبطة كما يقول بالخوف، واصفا ومضيفا إليه، لكنه المسكونٌ بالرعب وهي مضافٌ أشدُّ وأقوى، وكأن الخوف وحده لن يوصل المعنى .
إن هذه الحالة الأدبية تتجه للمجاز والصفات والمضاف اليه والوصف والصعود من فكرة الخوف لمرحلة أعلى. مستخدما مصطلحات أقرب إلى اللغة العليا منها للغة البسيطة العادية، ناحتا في الوقت نفسه، لغةّ أقرب إلى الفكرة ، أي أن كل فكرة لها لغتها، وكل لغة لها مدلولاتها ، وكل دلالة لها نحتها وتصاريفها، فلو استخدم جملةً أو كلمةً في غير وجودها السياسي أو الاجتماعي، ينحتها كنحات أصيل مستخدما إياها في أكثر من موضع، محدّثا ومقلبا فيها، في أكثر من معنى، واضعا اياها في اكثر من استخدام، متحريّا في رؤاه دقّةَ استخدام المصطلحات الأقرب إلى الفكرة حتى تستقرَّ على وضع واضحٍ وجليٍّ ومناسبٍ لديه فتصبح اشتقاقاته أصيلة. وهي المستمدة من ثقافة خاصة ومواضيع شائكة بين الصراعات والتمييز والحقوق والفن والابداع. لذلك تساهم هذه الاشتقاقات على نحو خاص وأساسي في تثبيت المضامين، والتحدث إلى فئة خاصة مثقفة واعية الإدراك والفهم، تنتمي إلى المبدع المكتشف لنحت كلمة أو جملة من كلمة أو جملة أخرى، لذلك انفتحت اللغة واتسعت الرؤية حتى استطاع أن يتنقل من السياسة إلى النقد الأدبي والفني بسهولة ويسر، ومن النقد إلى المعاش، إلى تفتيت المجتمع لدراسة ظاهرة ما.

يطرح برديو وغيره دراسة المجتمع باعتباره فضاء للصراع والمنافسة والهيمنة فتتباين دور الممارسات الثقافية داخل الصراع الذي تقوم به بدلا من التشديد على العوامل الاقتصادية حيث تسعى السوسيولوجيا إلى تعرية واقع الهيمنة والقوة لكشف المضمر المستتر المخفي الوهمي كما يقول بورديو فالسوسيولوجيا الحقيقية هي سوسيولوجيا الخفي والمسكوت عنه. ومن جهته يرى نبيل أن المجتمع الذي يملك أدوات صراعه ينتج تباينا في دور الممارسات الثقافية داخل الصراع الذي يقوم به، مركزا اهتمامه على الطريقة التي يعيد بها المجتمع انتاج تراتبية من العوامل الثقافية، فيبحث ويتجه وينحو إلى المقاربات الصراعية مع وعيه بحيادية موقعه، فما بين سلطوية السلطة ومراوغتها، وبين الحرية المراوحة ومراوغتها، وبين النص المنزل ومراوغته بالرصاص، وبين المساواة وعدم التميز ومراوغتهما في التقسيم بين الذكورة والانوثة، وبين السلطة والشعب، وبين الخطابات المطروحة والخفاء، وما بين الدين وتطبيقه، وبين الصراع ومراوغته هكذا تصبح (الخطابات حول المستقبل ومساراته ومآلاته هو استشراف وتحفيز للعقل العام، وللنخب السياسية والثقافية والفنية على التفكير الإبداعى من أجل صياغة رؤى للتكيف والتطوير مع المتغيرات الكبرى التى ستحدث).
أنه حين يطرح “ثقافة السؤال والعقل المشوش” يعود مرة أخرى لقول “جمهورية الاسئلة الساكنة” إذن، وإن سئلت فهي في جمهورية الفوضى “ثقافة الفوضى ومراياها” فإن للكسل إمبراطورية واصفا اياها بالقبح حين يقول “امبراطورية الكسالى والقبح” ثم يفسر بالعمل والمعنى والحياة في “ضد الكسل” واصفا اياه مرة “بالفكر الكسول” ومرة “بالسلوك الكسول” وينسحب الوصف على معناه “بأشكال متعددة من اللامبالاة بالزمن ومعناه واقتصادياته وفوضاه”، ثم يطرحه كاملا في “ثقافة الكسل” ، مستدعيا كلمة برتراند رسل” “في مدح الكسل” فهو هنا يهز مقولات رسخت في الذهن دون مناقشتها.
وحين يتحدث عن “ذروة الخيال الارهابي” في ضرب البرجين إحدى أيقونات القوة العولمية للهندسة المعمارية الامريكية في نيويورك، واصفا إياها بذروة التطور للرأسمالية الغربية ونزوعها الكوني وأحد رموز وعلامات هيبة وصورة أمريكا. وحجم ونوعية الصدمة الارهابية التي تطرح على المجتمع والطبقة السياسية الفرنسية والاسئلة العنيقة التي تتواطأ بعض مكوناتها الحاكمة و المعارضة على نسيانها أو تهميشها أو الصمت عن التعامل الجدي معها في قضية شارل ديجول مثلا واصفا اياها باحدى مقدسات العلمانية (حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة). اختار هدفا مقصودا يحقق اقصى مستويات الخوف والترويع والتوحش ليحقق ذروة الاهتمام الاعلامي والسياسي، راصدا- من خلال تشابكاتها المعقدة – ملمحا آخر لأزمة الديانات وعولمتها وتشظيها، وصراع التأويلات والدلالات والمعارضات والتفسيرات.

اذن لقد كانت لغة نبيل عبد الفتاح لغة خاصة في ذاتها، تذهب أبعد من كونها حاملة لمعناها، فتتراءى وكأنها هي المعنى ذاته، ملتحمة بالثقافي العام المختص، لا تفرق كتابة كاتبها حين يكتب في السياسة أو الأدب فهي في ذاتها الفكرة لا الحاملة لها.
الفكرة وحدها بسيطة ضحلة دون وجودها ، واللغة وحدها سيّالة فضفاضة يسمح فيها بالمجاز والتشبيه والاضافة والصور لكن دون شكل واتساع.
يتساءل نبيل عبد الفتاح : هل فعل الكتابة عن مؤشر التحول نحو المستقبل ومساراته واحتمالاته في الثقافة والسياسية والدين والقيم هو هروب من مواجهة مشكلات الواقع أزماته ومعضلاته الكبرى في “سياسات المستقبل”، ويتساءل أيضا: كيف تكون الكتابة والتي هي له مرادفة لذاته، مشكّلة لكينونته، ممثلة لواقعه الثقافي الخاص الذي في حالة عشوائية عامة. لان المستقبل ينطلق من وضعية مشكلات الواقع الفعلي أيا كان أشكالها وطبيعتها ومواريثها الرمزية، ومستويات تطورها بما فيه الثقافي فيكتب “ تآكل وانزواء الأفكار”، “ الخيال السياسي الخلاق” متأثرا “بالفوضى الخلاقة” التي طرحتها كوندليزا رايز، لكنه يضعها في الخيال موضعا آخر. في محاولات مستمرة لتثبيت مفاهيم مختصرة لعوالم متعددة ولغة شاردة، متمكن منها تسانده بذاتها كلغة خاصة به عالقة بين الأدبي والثقافي والإجتماعي والسياسي في دراسة العلاقات بين العناصر الأساسية المكونة له، مستكشفا علاقاتها الداخلية في اللغة، أو الأدب مختصا فيها باشتقاقات فريدة متفحصة عوالم متداخلة ما بين العام والخاص، ما بين الثقافي واليومي الحياتي ، ما بين الرؤية والواقع الصادم لها المحيط بها، مضيفا رأيا ومحتسبا فيه إلى قيم الجمال، منحازا للخاص والأصيل. لذا كان يبحث لا في الموضوع ولا في كيفية عرضه ولغته المصطفاة بما يميزه عن أقرانه لتركيب “شبكات بنيوية” أو بنى اجتماعية أو لغوية أو عقلية عليا، لأن الثقافة الإنسانية يمكن فهمها عن طريق هذه الوسائل في اللغة والتي يمكن أن تميز بين تنظيم الواقع وتنظيم الأفكار والخيال، وفي تفسير التاريخ والقانون والثقافة والدين، متماسا مع أفكار ولغات وآراء خاصة لفلاسفة وعلماء وكتاب كبار حاولوا الوصول باللغة إلى سردية عميقة ذات صلة بالموضوع ، متعمقة في ذاتها، متأصلة ومتفحصة في المكتوب عنةه من خلال أفكار ذات صلة بالأدب العام والثقافة مثل الطمأنينة، السر، الوجود، المرايا، التواطؤ.
أفعال وحالات ومعانٍ قد تفتح في عوالم الأدب مثلا أفكارا أخرى ، وفي علم الجمال معاني مختلفة عما يطرحه هنا في كتابته المقرونة بالسياسي الصرف والحياتي السريع والمنظومات الاجتماعية والقانونية عن طريق بنية تفكيك النص وتركيبه ، وشبكة العلاقات والثنائيات والمستويات والتعارضات والاختلاف والمجاورات والاستبدالات. فكانت الكتابة عن فيلم أو لوحة أو فنان أو أديب، أقول قد تفتح فتوحات وإشراقات تصل بها إلى حداثة الفكرة والمحتوى وتخط علامة في التجريب والاستعارات والتضمين.
يكتب نبيل عبد الفتاح عن الأدب فيطرح جملة “مطاردة الخيال والمجاز” ويتحدث عن أديب فيكتب “إغفاءة الصحو والحضور والشغف” ، ثم يكتب عن أحد المبدعين الغائبين بأنه كان “في مرحلة برزخية بين الحياة والتهيؤ للسفر الطويل إلى الأبدية”، رافضا فكرة الموت إلا على الجسد ، أما الإبداع فمازال هنا ، لذا يظل في “مرحلة برزخية” بين غيابه وحضور نصه ويكتب أيضا “كتابة جمال الغيطاني ووجوهها المتعددة عشقه وولعه وشغفه كتابة الوجد والمعراج والوصول والتجربة” بمترادفات أشبه ما تكون بتواصل الفكرة والكشف عنها لتوضيحها ، أو أيضا لتفتيتها.
ويكتب عن تراجع السينما المصرية طارحا تطوير أعمالها أو التداخل بين البشرى والحركى فيها أو مايطلق عليه “التناص البصرى البشرى والحركى فى ذات الشريط”، فيقترح كلمة التناص وهي مجبولة على وجودها في النص الادبي ليحولها إلى تناص بصري وحركي.
ويكتب عن الحنين فيكتب عن فاتن حمامة وزينات صدقي “ابداع الحب والبهجة” ، كما كتب ادوار سعيد عن تحية كاريوكا، فيقول عن فاتن حمامة “سكنت في الحلم وفي مخيلة أجيال في عوالمهم ووعيهم وكان حضورها في الحياة طمأنينة ما على أن ما مضى من حياة أجيال وراء أخرى من المصريين”. فاتن التي مثلت الاخت والصديقة والفلاحة والارستقراطية بهدوء مطلعها الذي يعطيك الثقة والأمل ومثلت الحرام المشوّه المغصوبة عليه وابنة المتغول في السلطة والتي تقف مع الحق ضده وهي أخيرا التي مثلت دعاء الكروان لطه حسين الأقرب إلى روح المصريين وذائقتهم المسالمة في تحول الانتقام إلى مسامحة من أجل الحب والسلام، لذا فإن في “ذروة الخيال الارهابي” الذي يطرحه كمصطلح يراه أيضا بعيدا عن مدرك المصري الذي لم يتعرض لهذه الفكرة.
كما يطرح فكرة “الدولة القومية المصرية” مقابل “الدولة الهشة العربية”، باحثا في المتنافرات والانعكاسات كما بحث في المترادفات من اللغة. باعتبارها دولة قديمة راسخة ودول ضعيفة التكوين أو صغيرة الحجم أو حديثة.
ويكتب عن “دولة التلاوة والايمان المصري” متطرقا إلى أصوات المقرئين العذبة المميزة كظاهرة مصرية صرفة مقابل تلاوات أخرى مختلفة في الأداء والقراءة بدأت تعم وتسري، مدافعا عن هذه التلاوة الخاصة كمنظومة تخص الظاهرة المصرية الصرفة فأسماها دولة لما فيها من حجم وميزات وعمق وسلطة في الأداء وهيمنة على الذائقة المصرية الحقيقية المميزة.
ويصف الثقافة بمحتواها الآني من جوائز وتظاهرات ومعارض بكونها ظواهر سياسية في لحظة ثم يصف المعرض الاخير بالحيوية الفكرية في لحظة ثانية وهذا لكون الظواهر الآنية تختلف من حين إلى آخر.
هذا هو الكاتب الحقيقي المصري الهوى والهوية المتعمق في الكتابة البسيط في الحياة الصديق لصاحبه العنيف المتماس مع فكرته والذي يطرق الحديد بعنف المرحلة واضعا خطوطا وعلامات نحو تفكيك اللحظة وبنيتها ودراستها والكتابة حولها إنه نبيل عبد الفتاح.