حافظ الراعى وداعا.. مائة عام وعمر من الفن الجميل   بقلم: صلاح بيصار   عن عمر تجاوز المائة عام بشهور رحل الفنان حافظ الراعى.. وهو ينتمى لجيل ما بعد الرواد

70

حافظ الراعى وداعا.. مائة عام وعمر من الفن الجميل

 

بقلم:

صلاح بيصار

 

عن عمر تجاوز المائة عام بشهور رحل الفنان حافظ الراعى.. وهو ينتمى لجيل ما بعد الرواد الأوائل فى الحركة الفنية.. تخرج من ليوناردو ودافنشى كما التحق بالقسم الحر بالفنون الجميلة فى دفعته الأولى ودرس على الرائد أحمد صبرى ومساعده بيكار.

رحل بعد رحلة عطاء كبيرة فى الفن والحياة وكنت على موعد معه وزيارته هذا الاسبوع بعد اتصال تليفونى ولكنها إرادة الله.. الجميل أن جاء الاحتفال به وبفنه قبل رحيله من خلال كتاب صدر عن عالمه ومعرض ضم منتخبات من أعماله.

الموسيقى وقصر عابدين

فى حى عابدين احد اهم احياء القاهرة التى تجمع بين الاصالة والحداثة.. ولد حافظ الراعى بشارع البستان فى 13 اكتوبر من عام 1916 لاب تاجر ثرى من التجار الكبار فى تجارة الجلود.

وكان فناننا حافظ.. اصغر اخوته ومن هنا كانت امه تخصه بالاهتمام وهو طفل.. تحكى له قبل ان ينام حكايات من قصص القران الكريم: قصة سيدنا موسى ومهده العائم على الماء وهو رضيع باتجاه قصر فرعون مصر.. وقصة سيدنا يوسف واخوته وكيف ادعوا انه اكله الذئب.. واهل الكهف والسبات التام مع كلبهم.. هذا مع حكايات من دنيا الخيال الشعبى.

وكانت تلك الحكايات تشبع فضوله وتحرك مشاعره فينام بعدها فى دنيا من الاحلام وفى الصباح يسرع لتصويرها باقلام الرصاص والاقلام الملونة فى كراسة الرسم فتنال اعجاب من يشاهدونها من زملائه واساتذته بالمدرسة الابتدائية واستمر فى ذلك بمراحل التعليم المختلفة.

ومع حب حافظ الراعى للفن وكان لا يتوقف عن الرسم نشأ محبا للموسيقى.. فقد كانت سرايا عابدين او قصر عابدين القريب من منزل الاسرة مقرا لحكم اسرة محمد على من عام 1872.. وكان الراعى يشاهد بالصوت والصورة.. جوقة الموسيقى بهذا الزى المهيب لراكبى الخيول مع الانضباط والانتظام وقت تغيير نوبتجيات الحرس.. موسيقى الملحن صفر على للنشيد الوطنى الذى تنبعث كلماته بالحماس للشاعر مصطفى صادق الرافعى: «اسلمى يا مصر اننى الفدا.. ذى يدى ان مدت الدنيا يدا.. ابدا لن تستكينى ابدا.. لك يا مصر السلامة وسلاما يابلادى.. ان رمى الدهر سهاما اتقيها بفؤادى».. ومن هنا تعلق بالعزف على المندولين.

ورغم هذا اتجه بكل حبه للفن نحو مجال التصوير الزيتى.. وكان يتابع اعمال الرواد الكبار بالحركة الفنية الحديثة.

ودأب على رسم نجمات العصر الذهبى للافلام الكلاسيكية لهوليود زمن الجمال والاناقة ورمز الانوثة والخيال الذى خلد جميلات هوليود وايقونات سينما الابيض والاسود مثل جريتا جاربو ومارلين ديتريتش وماى ويست.. يقوم برسمهن على لوحات بطريقة المربعات وهى طريقة تقليدية تسعف فنان الصورة الشخصية «البورتريه» وكان يرسمها باتقان شديد مظهرا الجمال والانوثة وفى كل فترة بعد الانتهاء من مجموعة لوحات يعرضها بقاعة الغرفة التجارية بميدان الازهار بباب اللوق.. واستمر فى الرسم والتحق بأكاديمية ليوناردو دافنشى..

وهو معهد او مدرسة للفنون الجميلة الايطالية.. له تاريخ فى مصر انشئ عام 1898 تحت رعاية جمعية «دانتى اليجيرى» وكان معظم طلابه من الاجانب ويقبل الطلبة المصريين بعد المرحلة الثانوية «وكان من خريجيه: سيد عبد الرسول ووديع المهدى ولبيب تادرس ومحمود لطيف نسيم وشعبان زكى وميشيل جرجس وفائق عبد الله ومن المراحل الاخرى وسام فهمى وسيد سعد الدين ومحمد الطحان واسامة عمران».

تعلم هناك بمعهد دافنشى على يد الفنان الايطالى «روبرتى» وكان استاذا بارعا فى الرسم يشارك الطلبة فى رسم الموديل ومع الموديل كانت هناك رسوم من نماذج من الالبستر والجص:تماثيل لسقراط وبيتهوفن وفينوس.

متحف التعليم

وبعد 4 سنوات دراسة التحق كرسام ومصور فى متحف التعليم.. والذى رشحه له مؤسسه المؤرخ احمد عطية الله «مؤلف القاموس السياسى ودائرة المعارف الحديثة» للعمل معه عند انشائه عام 1938 فانضم الى المتحف مع من اختارهم من خريجى الكليات الفنية والمعروفين بكفاءتهم من اجل الارتقاء بالمتحف.

صبرى المعلم وحافظ الطالب

كان اهتمام حافظ الراعى بالرسم والتصوير جارفا.. الامر الذى دفعه لتنمية قدراته الفنية ومن هنا التحق عام 1944باول دفعة تدرس التصوير بالقسم الحر فى المدرسة العليا للفنون الجميلة تحت اشراف الاستاذ القدير احمد صبرى ومعه مساعده وتلميذه الاقرب الى قلبه حسين بيكار.. وكان من رفاق الدراسة من القسم النظامى والقسم الحر كل من الفنانين: سيد عبد الرسول – محمد صبرى – حامد عويس – يوسف رأفت – كمال النحاس -وديع المهدى – وليم اسحاق – داود عزيز – امين ريان – والشيخ وافى الازهرى الذى كان محبا للفن ومنتظما فى الحضور ودؤوبا فى التعبير بالخطوط والاضواء والظلال.

وكان مشروع التخرج حول مهنة النحاسين واشار احمد صبرى على طلبة القسم بالتردد على منطقة الجمالية وزيارة ورش النحاس هناك.

وتكشف لوحة النحاسين التى قدمها حافظ عن مدى التزامه بأسس الأسلوب الواقعى الكلاسيكى الذى تدرب عليه خلال سنوات دراسته واللوحة متسعة المساحة.. وقد اضاف ثلاث لوحات صغيرة للنحاسين لتأكيد رؤيته الفنية.

بعد تخرجه عام 1948شارك مع زملاء الدفعة بالمعرض الذى اقيم بمدرسة الليسيه فرانسيه وشارك معه سيد عبد الرسول ووديع المهدى ومحمد صبرى وصلاح يسرى.

حافظ والتفرغ للفن

ظل الفنان حافظ الراعى يعمل فى متحف التعليم وعندما ترك العمل كانت الفرصة امامه مهيأة للتفرغ للتصوير وقد وجد تشجيعا كبيرا من كل من حوله من الفنانين خاصة الفنان عباس شهدى العميد الاسبق لكلية الفنون الجميلة والذى كان بمثابة عمدة فنانى حى مصر الجديدة بعد تقاعده.. واتخذ من مقهى «امفتريون» بحى روكسى مكانا يجتمع فيه مع الفنانون من ابناء الحى.. وكان هذا التجمع يضم عددا من الفنانين من بينهم: صبرى راغب ويوسف رأفت وفتحى الخطيب واحمد منيب مع حافظ واخرين.

وعلى عكس ما كان يفعل فى شبابه من الخروج والتصوير من الطبيعة مباشرة.. اصبح يكتفى بعمل اسكتش سريع بالقلم الرصاص او الاقلام الملونة ثم يقوم بعد ذلك بتنفيذ اللوحة فى مرسمه مثلما نرى فى لوحاته الحديثة كما فى منظر من «حديقة الحرية» بجزيرة الزمالك و«تحت ظلال الاشجار» بحديقة نادى هليو ليدو بمصر الجديدة.

100

وعالمه

امتدت رحلة الراعى الفنية فى مراحل وتنوعت بلمسته فى اتجاهات وافاق من الكلاسيكية الجديدة الى التأثيرية وما بعد التأثيرية والى التعبيرية والتعبيرية الرمزية والروح السريالية فى بعض الاعمال.. كل هذا بلمسة فطرية لا تعرف الملل ولا الحدود والقوالب وقد يختزل اللمسة فتتحول الى مسطحات هندسية وايقاع تكعيبى.. الا ان فناننا ظل يبدع فى صمت وتواضع شديدين.. ولم يقدم معرضا خاصا لبعض اعماله المتنوعة وقد ظل اكثر من ستين عاما لم يتعرف على عالمه النقاد والمتخصصون فى الابداع التشكيلى ولا حتى الجمهور من المترددين على المعارض.

وفى الحقيقة كان للفنان الناقد عز الدين نجيب السبق فى كشف النقاب عن عالمه.. فى «مجلة الهلال عدد يونيو 2001» يقول:

«تفاجئنا قاعة اكسترا بالزمالك بمعرض لفنان جاوز الثمانين من عمره دون ان تعرف الحركة الفنية فى بلادنا عنه الا القليل جدا هو حافظ الراعى على الرغم من خصوبته الابداعية كما وكيفا حتى عام 2000 دون ان يفقد روح المثابرة وجرأة التجربة وتوهج الفطرة ونقاءها.

حافظ الراعى مصور مشحوذ الحواس تجاه الطبيعة بكل تجلياتها بين المنظر الطبيعى وحياة الفلاحين والصيادين والحارة الشعبية لكنه لا يحاكى ذلك بأسلوب وصفى مباشر بل يعيد صياغته بنزعة تحليلية تركيبية لعناصر الطبيعة والعمارة والبشر مع ميل الى تشريح المساحات وتعشيقها بحس اقرب الى التكعيبية او الشفافية البلورية».

ولقد احتل فن المنظر عند الفنان حافظ الراعى مساحة كبيرة من اعماله وقد كان وراء ذلك عمق صداقته بالفنان كامل مصطفى الذى يقول عنه:

كامل مصطفى ذلك الفنان الكبير الذى كنت احبه من كل قلبى زاملته لسنين طويلة وكنا صديقين حميمين تجولت معه للرسم فى كثير من القرى والريف حول القاهرة لرسم مناظر الريف وشاطئ النيل والفلاحات بأثر النبى بمصر القديمة وميت عقبة والعجوزة وضواحى الجيزة وكنت استمتع بوجودى معه فى مرسمه البسيط المطل على شارع فؤاد وسينما ريفولى كان وهو يرسم يغنى: «ليه يا بنفسج بتبهج وانت زهر حزين» وهو من مواليد الاسكندرية.. وقد اصبح كامل عميدا للفنون بالاسكندرية بلدته من عام 1969.

ومع خروج الراعى الى المعاش لم ينكمش فن المنظر فى عالمه ولكن اصبح يستمد فن المنظر من خلال تلك الدراسات والاسكتشات السريعة ثم يحولها الى لوحات مكتملة بمرسمه ببيته وقد انسابت لمساته بالاشراق والتفاؤل كما اتسعت مساحة الاختزال…. تبدو الطبيعة وكأنها فى حوار بين الكائنات وانتقل بنا حافظ الراعى الى عمق المنظر الطبيعى كما فى لوحته «راعية الغنم – وهو مشهد يوحى بعذرية الطبيعة وتلك البدوية التى تمتطى حمارا وحولها اغنامها وقد صور عددا من اللوحات التى تعكس الشارع الذى يسكن فيه من شرفة منزله كما نرى ذلك فى لوحات عديدة صورها من اعلى بمنظور عين الطائر مثل لوحة «جامع غرناطة» و«بائع البطيخ».

وتعد الطبيعة الصامتة فى اعمال الفنان حافظ الراعى مساحة شديدة الحضور وهى تمتد فى اعماله من الزهور والورود الى حبات الفاكهة من التفاح والموز مع الاكواب والدوارق والاوانى.. وقد بلغ فيها درجة كبيرة من الاشراق مع الحيوية والسطوع ويرجع السر فى هذا الى ان تلك الاعمال يتم انجازها داخل استديو الفنان بمنزله.

واستمر الفنان الراعى فى ابداعه للطبيعة الصامتة.. تنساب بلمسته التأثيرية بزهور بنت القنصل المتوهجة الحمراء والورد البلدى مع زهور عباد الشمس التى تعد من اللوحات التى خلدت فان جوخ.

ومع لمسة الراعى التأثيرية القصيرة اتجه فى بعض الاعمال الى السطوح الهندسية التى تقترب من التكعيبية كما فى لوحته «ورد بلدى وصحيفة» ولوحته المتألقة «طبيعة صامتة وصحيفة» والتى جمع فيه بين التسطيح والتركيب ورغم هذا كان للفنان الراعى فى فن البورتريه صورتان شخصيتان: صورة السيدة زوجته درية التى كان يناديها «دريو» وهو اسم خفيف فيه عصرية.. وصورة شخصية له «الوان باستيل».

فى صورة السيدة زوجته «زيت على توال» التزم الفنان بتقاليد فن البورتريه فى الجلسة كما استحضر روح الشخصية بلمسة كلاسيكية.

اما صورته الشخصية «الوان باستيل» فقد جسد شخصيته فى لحظة انفعالية بلمسات قصيرة وملمس خشن والصورة يغلب عليها ثنائية من الاحمر والازرق.

وظل الفنان حافظ الراعى يرسم بلا توقف تمتد اعماله ما بين الرسوم السريعة بالابيض والاسود وبين التصوير الزيتى كما راقته خامة الاكليريك لسهولة التعامل معها وترويضها. وكانت مبادرة الفنان الناقد عز الدين نجيب فى ان نحتفى به من خلال كتاب يصدر عنه فى «سلسلة ذاكرة الفن» التى يرأس تحريرها بمناسبة ميلاده المائة كما يليق بفنان صاحب انتاج فنى غزير مسكون بمساحة من التفاؤل والاشراق بما يجعله فنان البهجة فى الحياة الشعبية… وصدر الكتاب اعددته بعد لقاءات عديدة بالفنان فى بيته بشارع على الروبى بميدان روكسى بمصر الجديدة واقيم معرض لاعماله بقاعة « بيكاسو» واحتفلنا بعيد ميلاده بالقاعة فى يوم الافتتاح.. وهذا بالطبع يجعلنا نشعر بالرضا تجاه فنان امتد عطاؤه التشكيلى لاكثر من 75 عاما.. سلام عليه وتحية الى روحه بطول السنين.