المستعرب الروسى جينادى.. جور ياتشكين يتذكر اللقاء الأول مع المؤرخ د. رءوف عباس أهدى لى كتابين وسألنى عن سر إجادتى للغة العربية يصدر قريبا عن كتاب «الهلال» ترجمة د. نبيل

3000222

المستعرب الروسى
جينادى.. جور ياتشكين
يتذكر اللقاء الأول مع المؤرخ د. رءوف عباس
أهدى لى كتابين وسألنى عن سر إجادتى للغة العربية
يصدر قريبا عن كتاب «الهلال»
ترجمة د. نبيل رشوان

 

تعرفت على الدكتور رءوف عباس فى 17 فبراير 1986 أثناء مهمة علمية لى فى مصر مع طلاب عاديين وطلاب دراسات عليا فى مصر على الأقل هذا ما كتبت فى مذكراتى اليومية التى كنت أكتبها فى ذلك الوقت . من فبراير 1986 ترأست مجموعة الطلاب الذين كانوا يدرسون فى جامعة القاهرة والمبعوثين من قبل وزارة التعليم العالى السوفيتية وكان عددهم 9 أشخاص. فى تقريرى بعد البعثة كتبت: “نظرا لحضور المجموعة إلى مصر فى وقت متأخر والتوتر العسكرى وبداية الامتحانات فى جامعة القاهرة، حيث لم يستطع المبعوثين حضور أكثر من شهرين من العام الدراسى، كانوا قد استمعوا إلى مناهج للغة العربية فى قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، بالإضافة إلى حضورهم محاضرات فى تاريخ مصر وشاركوا فى مناقشات بقسم التاريخ واللغات، وهى المحاضرات التى كان يلقيها البروفيسور رءوف عباس.
بعد نهاية الدراسة كان المبعوثين السوفييت يمارسون البحث العلمى حيث قاموا بزيارة الأرشيف الوطنى ومركز الوثائق القومية والمكتبات بالقلعة وكانوا يلتقون بالمتخصصين المصريين فى مجالات التاريخ والفلسفة والآداب، وقد جمعوا مواد فريدة لكتابة رسائلهم من الماجستير والدكتوراة.
أثنا تواجدهم فى مصر استطاع المبعوثون أن يكملوا دراستهم فى اللغة والآداب العربية، وتمكنوا من اللهجة المصرية وتعرفوا على الأوضاع الموجودة فى مصر حينها وعلى الآثار التاريخية والأحداث الثقافية من خلال الاستماع للراديو وبرامج التليفزيون وقراءة الصحف والمجلات اليومية، ازدادت معلوماتهم عن الأوضاع فى العالم العربى والعالم ككل، كما كان التعامل مع المواطنين سببا فى تطور الحديث باللغة العربية بالنسبة للمبعوثين السوفييت.
وبفضل نشاط المبعوثين السوفييت فى مصر، تكمنوا من تطوير النشاط فى أندية الأجانب بمصر من خلال “نادى الوافدين” والذى كان يشارك فى أعماله عدد كبير من المصريين، فى فترة الرئيس عبد الناصر. كما تدعمت الروابط مع مجلس الأساتذة والمدرسين الجامعيين وطلاب الدراسات العليا والطلاب العاديين فى جامعة القاهرة . وتم التوصل لاتفاق على نشر مقالات المؤرخين المستعربين من جامعة موسكو فى المجلة التاريخية المصرية.
يمكن اعتبار أن البعثة كانت ناجحة، فالتوجه نحو جامعة القاهرة حقق الغرض منه . مستوى تعليم الطلبة السوفييت المستعربين كان يسمح لهم بالاستماع للمحاضرات مهما كان الموضوع ويفهمون المواد التاريخية والاقتصادية والآداب والصوتيات التى تعطى لهم فى الجامعة، ويستطيعون كذلك فى أن يتحدثوا فى المناقشات والمؤتمرات المشتركة مع الطلاب العاديين وطلاب الدراسات العليا العرب «جورياتشكين ج.ف. تقرير مجموعة المبعوثين السوفييت لجامعة القاهرة إلى إدارة البعثات الخارجية فى وزارة التعليم السوفيتية فى 13 نوفمبر 1986».
والآن سأتحدث عن أول تعارف بالدكتور رءوف عباس. بعد حضور إحدى محاضراته عن تاريخ مصر يوم 17 فبراير 1986 دعانى إلى مكتبه الواقع فى الدور الثانى فى المبنى المجاور من مجمع مبانى جامعة القاهرة. كان الدكتور رءوف فى ذلك الوقت رئيس قسم التاريخ فى كلية الآداب بجامعة القاهرة . بعد أن قدمت نفسى سألنى مباشرة أين تعلمت اللغة العربية، فقلت له أننى خدمت كمترجم عسكرى فى مصر فى الفترة 1969 1971 ثم أدخلنى للمكتب حيث تعارفنا بشكل نهائى. تحدث معى عن التغييرات الجديدة وعن القيادة انتقالية وأنه خلال ثلاث سنوات يجب أن تتغير قيادة قسم التاريخ وقال إنه فى عام 1972 تغيرت قيادة القسم وحل محلهم موالون للأمريكيين، ودعانى لحضور حلقات نقاشية لطلاب الدراسات العليا وحضور محاضراته يومى السبت والثلاثاء من كل أسبوع، وقال إنه سيقوم بتوزيع موضوعات الدبلومات يوم 19 مارس أثناء الحلقة النقاشية، وأهدانى كتابين من تأليفه وكتابين تعليميين هو كتبهما عن تاريخ مصر، وأنا تحدثت عن رسالة الدبلوم والدكتوراة ووعدنى الدكتور رءوف بعمل تصريح لدخول دار الوثائق المصرية خلال شهر والمساعدة فى الحصول على المصادر الضرورية، هذه المصادر كانت تعنى بالدرجة الأولى الإحصائيات التى كانت تمثل قاعدة هامة للمدرسة الاجتماعية الخاصة بالدول النامية التى أنشئت فى إطار معهد اللغات الشرقية التابع لجامعة موسكو « وهو ما يسمى الآن معهد آسيا وافريقيا» ساتحدث عن هذا فيما بعد . بعد ذلك بذل الدكتور رءوف جهودا كبيرة لكى يجد الأكثر أهمية من الإحصائيات وبالفعل تمكن من فعل هذا رغم أنه لم يجدها كلها، ولهذا الغرض ذهبنا سويا للمجلس التشريعى فى منطقة الإسعاف على أمل أن نجد هناك أول إحصاء لسكان مصر خلال الفترة 1882 1897 لكن دون فائدة . وجدته فقط بعد 20 عاما فى مكتبة الأسكندرية فى محرم بك « عن هذا الموضوع المدهش سأتحدث فى وقت لاحق».
يجب التأكيد هنا على أن اسم الدكتور رءوف عباس فى ذلك الوقت كان معروفا من فترة طويلة نسبيا أى من خريف 1967 تقريبا، كل ما فى الأمر انه فى منتصف هذا العام اصبح من الواضح، أننى سأسافر إلى مصر ضمن مجموعة من الطلاب السوفييت وكنت آنذاك فى السنة الخامسة من الدراسة، فى ذلك الوقت كانت دراستنا المكونة من ستة أعوام فى معهد اللغات الشرقية، تحتوى على عام بعثة إلى أى بلد من البلاد الأفروآسيوية ونظرا لأن موضوع أطروحة الماجستير يجب تحديده قبل السفر فكان علينا أثناء البعثة جمع المراجع الخاصة بالكتابة، وكان مشرفى فى الأطروحة فريدة مصطفوفنا اتسامبا متخصصة فى الطبقة العاملة المصرية فى مراحلها المبكرة اقترحت على مواصلة البحث فى نفس الموضوع ولكن فى العصر الناصرى ولهذا كان اسم موضوع الماجستير “وضع الطبقة العاملة فى مصر بعد ثورة 1952” . بقى على سفرنا إلى مصر عدة أشهر، ولهذا قمت بعدد من الأعمال البحثية مقدما ووقع نظرى خلالها على أعمال بعض المؤرخين المصريين عن الطبقة العاملة بما فى ذلك أعمال الدكتور رءوف عباس الذى أصدر كتابا عام 1967 عن الحركة العمالية فى مصر، من خلال طباعة رسالة الماجستير الخاصة به .
فى ذلك الوقت ظهر فى مدرسة الاستشراق الوطنية اتجاه جديد مرتبط بدراسة التركيبة الاجتماعية للدول النامية، وكان مؤسس هذا التوجه الجديد أستاذى للجغرافيا الاقتصادية واقتصاد الدول العربية فريدمان ل.أ. وكذلك أتسامبا ف.م. ومائير م.س. . ألف فريدمان كتاب “التطور الرأسمالى لمصر” والذى صدر فى موسكو، عن جامعة موسكو عام 1963” واستخدم فى هذا الكتاب كطريقة للبحث عمل لينين المعروف “تطور الرأسمالية فى روسيا” ، وقام بإبداع بتطوير معايير دراسة الواقع المصرى. بعد ذلك بوقت قصير رأى النور عمل البروفيسور فريدمان النظرى حول مشاكل المؤسسات الاقتصادية الاجتماعية فى القرية المصرية والتى كانت تعتبر رسالة دكتوراة العلوم التى ناقشها فى مايو 1970.
يجب التنويه إلى أن بداية هذا الاتجاه أسسه مؤسس المدرسة التاريخية للمستعربين السوفييت فلاديمير بوريسوفيتش لوتسكى ، وهو عالم ذى سمعة عالمية مثل كراتشكوفسكى يو.إ. . وتحديدا لوتسكى هو الذى أثر فى تلاميذه المقربين مثل اتسامبا ف.م. وإيفانوف ن.أ. وفريدمان ل.أ. وأخرين من مستشرقى ومستعربى جامعة موسكو. ولهذا ظهرت فى معهد اللغات الشرقية «منذ عام 1972» المدرسة الاجتماعية التى ضمت باحثين من أصحاب المدخل الاجتماعى الجديد فى دراسة تاريخ العالم الأفرو ىسيوى وهذا الظهور كان طبيعيا مع الأخذ فى الاعتبار تطور العلوم الحديثة والتقسيم الطبيعى لها وانفصال فروع أخرى منها.
يجب لفت الأنظار كذلك إلى انه ليس المستعربين فقط هم من شاركوا فى تطوير موضوعات الخاصة بالمؤسسات الاجتماعية للدول النامية. وهنا يمكن ذكر باحث التاريخ التايلاندى دولنيكوف ف.أ. وعالم الهنديات بافلوف ف.إ. والمتخصص فى الشأن اليابانى نافليتسكايا ج. ب. وأخرين، ماذا يعنى الاهتمام بهذه المشكلة من وجهة نظرنا فى الوقت الحاضر؟ هل جاءت نتيجة مرحلة “تقسيم جديد وعمل اندماج لفروع علمية؟ أم حدث تبديلها بجديد مع رفض القديم التقليدى؟ ومع ذلك وعلى الرغم من ظهور رتوش جديدة لمشاكل حادة حديثة من نوعية “الربيع العربى” فإن الهيكل الاجتماعى كمجال للاهتمام العلمى مستمر فى نفس مكانته بمعهد آسيا وأفريقيا .
وإذا كان الدكتور رءوف عباس قد أصبح بالنسبة لى أخ “أكبر” على الصعيد المصرى كمستعرب، فإن أندريه ميخائيلوفيتش زاخاروف قام بنفس الدور على الجانب الوطنى السوفييتى، فقد كانت علاقته قوية بالجيل الجديد الذى بدأ يدرس الهياكل الاجتماعية الأفروآسيوية «الدول العربية». عندما كان يدرس للدكتوراة انصبت أبحاثه على خصوصية تكوين الطبقة العاملة فى الجمهورية العربية السورية عند أتسامبا ف.م. وهكذا أعطى دفعة لأبحاثنا الاجتماعية حول الطبقة العاملة مما جعل عندنا نقطة نستند إليها فى دراسة الأشكال الاجتماعية للدول النامية، على الرغم من أنه فيما بعد أجريت أبحاث حول البرجوازية والمثقفين المصريين والطبقة الوسطى….. وهكذا.
مع مرور بعض الوقت واصلت مع طبقتى العاملة المصرية، كما ذكرت من قبل، ولو عرفت من قبل كم سأتعذب مع هذه “الهيمنة” فى النصف الأول من التسعينيان عندما بدأت أزمة الفلسفة الماركسية اللينينية وجاء وقت الدفاع عن رسالة دكتوراة العلوم ! وأنا لست آسفا على موضوع الرسالة الذى اخترته . والمستقبل سيثبت ذلك!
كان المشرف العلمى على الرسالة زخاروف أ.م. كما كانت ف.م. أتسامبا مشرفة على فى رسالة الماجستير، عندها كتبت الرسالة وناقشتها عام 1975 « بالمناسبة فى نفس اليوم “الجمعة الأسود” 13 يونيو 1975» ناقش صديقى وجارى فى السكن الطلابى والطالب بجامعة موسكو جينادى بوتشكاريوف، حيث عشنا معا تسع سنوات رسالة دكتوراة موضوعها المؤسسات الاجتماعية فى السودان وكان نتيجة دفاعه ظهور الكتاب التالى .
كما كانت علامة بارزة فى الحياة العلمية رسالة دكتوراة تلميذة فريدمان ل.أ، م.ف.فيدياسوفا وكان موضوعها “الطبقة العاملة فى الهياكل الاجتماعية لتونس” وقبل ذلك بوقت قصير ظهر مؤلف س.إ.كوزنتسوفا وكان مشرفها العلمى كذلك هو فريدمان ل.أ.
تم تأكيد التطور اللاحق للمدرسة الاجتماعية بمعهد آسيا وأفريقيا بجامعة موسكو عن طريق أبحاث علمية أخرى من تلاميذ فريدمان ل.أ. وأتسامبا ف.م. على سبيل المثال تشيرنوفسكى ف.ف. ودياتلوفا ف.إ.
كان موضوع الطبقة العاملة أبعد ما يكون عن أن يكون مطلوبا، وبالنسبة للمؤرخين المصريين جاءت الستينات بمرحلة جديدة من تطور ثورة 1952 حيث تبوأت الطبقة العاملة مكانا مرموقا ويكفى أن نذكر مرسوم تخصيص 50% من المقاعد للعمال والفلاحين فى كل الهيئات والمنظمات المنتخبة فى البلاد، بهدف حثهم على المشاركة فى قيادة المجتمع فى فترة تعميق البناء الاجتماعى الاقتصادى والسياسى الجديد فى البلاد.
كان من الطبيعى اثناء بعثتى فى 1967 1968 أن تجرى مناقشات ومشاورات مع زملائنا المصريين ومؤرخى الطبقة العاملة، ولهذا كانت فكرة منهج موازى مع الدكتور رءوف عباس، الذى تفوق على بالطبع، لأنه كان أكبر منى سنا بخمس سنوات، فى الوصول إلى نفس الأهداف والنتائج، وكان يجب على حال أن “تلتقى” أهدافنا فى نهاية الأمر. غير أنه فى أول رحلة لى إلى مصر وأثناء العام الدراسى 1967 1968 لم نلتق ببعضنا البعض، على الأرجح لأننا كنا نبحث مشاكل الطبقة العاملة فى مصر فى عصور مختلفة ومن وجهات نظر مختلفة، فقد كان الدكتور رءوف عباس يتحدث عن الطبقة العاملة فى 1899ـ 1952 وأنا من 1952 1968. الدكتور رءوف كان يدرس الحركة العمالية وأنا كنت أبحث فى قضايا تكوين بروليتاريا الفابريقات والمصانع فى عصر عبد الناصر بعد الثورة المصرية. الأهداف مختلفة كانت تتطلب مصادر مختلفة ودوائر أخرى للبحث، بالنسبة لى كان المهم هو المؤهلات العامة للمواطنين المصريين وإحصائيات الإنتاج الصناعى وإحصاء القوى العاملة ويوم العمل وتقارير وزارة العمل وأشياء أخرى مشابهة كمصادر أولى لتحديد ديناميكية الأرقام والأوضاع المادية لبروليتاريا المصانع والفابريقات، والمعينين فى صفوفها والمشاركة فى مجالس الإدارة للشركات والمصانع والابحاث الاجتماعية، على سبيل المثال النيقلاوى، والساعاتى وأخرين، وبعد ذلك حصلت على مؤلفات عبد المنعم الغزالى وأمين عز الدين وعبد المغنى سعيد ورءوف عباس وأحمد طه وأخرين .
ولتنفيذ الخطة الدراسية لأول بعثة علمية جمعت مصادر ومواد مكتوبة لكتابة رسالة الماجستير، وقد بدأت مباشرة بعد الرحلة البحرية الرائعة والتى استغرقت أربعة أو خمسة أيام على الباخرة “لاتفيا” من ميناء أوديسا إلى الأسكندرية عبر موانى فارنا واسطنبول وبيرية ووصلت إلى الجمهورية العربية المتحدة فى 1 نوفمبر عام 1967، وفى الثانى من نوفمبر قام موظفو وزارة التعليم المصرية بنقلنا إلى بين السرايات حيث المدينة الجامعية لجامعة القاهرة، وحيث تقع جامعة القاهرة أمام المبنى الرئيسى للجامعة . كان من المفترض أن يشمل البرنامج الدراسى لى، دراسة اللغة العربية فى مدرسة السعيدية التى كانت تقع فى الجيزة، وتبعد 300 400 متر عن كلية الآداب بجامعة القاهرة، وعدنا إلى موسكو فى شهر أغسطس عام 1968.
كانت هذه أول بعثة وأول سفر لى خارج البلاد وبالتالى كان حدثا هاما فى حياتى، وربما كانت كذلك لأى شخص أخر فى مكانى. فى الواقع هذه أول مرة أرى فيها دولة عربية هى أشهر دولة فى العالم وفى الاتحاد السوفييتى، والتى كان لنا معها أقوى علاقات تجارية واقتصادية وسياسية وثقافية بين الدول النامية، ماذا يعنى فقط سد أسوان، الذى أصبح رمزا للتعاون المصرى السوفييتى المتعدد الجوانب، أصبحت أول بلد للغة العربية المحبوبة التى أعجبتنى مباشرة بمجرد أن بدأت أدرسها.بدأت فى مصر دراسة اللغة العربية على أساس ممنهج مع ممارسة اللغة باللهجة المصرية العامية، نظرا لأننا فى المعهد درسنا اللغة الفصحى فقط، أضافة إلى أن اللغة كنا نتعلمها من خلال النصوص الاجتماعية السياسية، للحق نحن الطلاب الغرباء عن موسكو والذين كانوا يعيشون فى سكن الطلاب تعرفنا على لهجات اللغة العربية قبل غيرنا، من السنة الثالثة من الدراسة، قبل زملائنا المقيمين مع أسرهم فى موسكو، وكل ما فى الأمر أن لجنة الكومسمول «الجناح الشبابى للحزب الشيوعى السوفييتى » فى جامعة موسكو اتخذت قرارا بتسكين الطلاب الأجانب الذين يدرسون العلوم الإنسانية بالجامعة فى سكن الكليات التحضيرية لجامعة موسكو حيث كان الطلاب الأجانب الوافدين يدرسون اللغة الروسية ليواصلوا بعد ذلك دراستهم فى مختلف الكليات الجامعية، وهكذا بعد نهاية السنة الثانية من الدراسة فى المعهد أصبحنا نعيش فى سكن التحضيرى للطلاب الأجانب الكائن فى منطقة تشيريموشكى.
أسكنوا طلاب التاريخ والآداب والاقتصاد والاستشراق والحقوق وعلم النفس والصحافة والعلوم الإنسانية، كل اثنين مع الأجانب بحيث أصبح يعيش أربعة طلاب فى الغرفة الواحدة اثنين أجانب واثنين سوفييت، وهكذا وجدت نفسى مع طالب متخصص فى إيران من معهدنا هو أزاروف أوليج مع اللبنانى محمد ديناوى من طرابلس بلبنان ومع طالب من العراق لا أذكر اسمه الآن . عدد الطلاب الأجانب كان عدة مئات، عدة عشرات منهم كانوا عرب ونبدأ من الشرق العربى عراقيين وسوريين وفلسطينيين وأردنيين ويمنيين ولبنانيين وسودانيين ومصريين وجزائريين ومغربيين، وكما نرى أنه لا يوجد ممثلين عن إمارات الخليج الفارسى والعربية السعودية من شمال أفريقيا لا يوجد ممثلين عن ليبيا وتونس وموريتانيا. هذا كان تجمع متعدد اللغات متعدد الوجوه، بوتقة لغوية حقيقية، فقد كانت الممارسة اللغوية بالنسبة لنا نحن المستعربين كافية بل تزيد عن المطلوب، وكانت الأحاديث اللانهائية مع العرب ومساعدتهم المنزهة عن الغرض فى حل الواجبات المنزلية، وبالطبع لم تدر الأحاديث فقط على المصطلحات الاجتماعية السياسية التى كانت كافية أثناء الدروس بالعهد، فقد كانت الحياة تتطلب مصطلحات أخرى للتعامل اليومى، وهذا كان متاحا بما فى ذلك المصطلحات الغير أدبية، فحينها كان منتشرا بين الطلاب ان إجادة المصطلحات الغير أدبية «غير المهذبة» هى إحدى مقاييس المعرفة الجيدة باللغة الأجنبية.
وبذلك كان على أن أعيش فى سكن كلية تحضير الطلاب الأجانب التابع لجامعة موسكو، بالإضافة لعام فى سكن طلاب جامعة القاهرة لممارسة اللغة باللهجة المصرية، لأنهم اختارونى رئيسا لاتحاد الطلاب.
نعود إلى البعثة لكى أنهى مسألة المواد المصرية لأبحاثى الأكاديمية التالية وهنا أتوقف عند الفترة 1969ـ1971 عندما عملت فى مصر كمترجم عسكرى. على الرغم من أنى حينها كنت أقضى خدمتى العسكرية، فقد كان ممنوعا منعا باتا القيام بأى نشاط بحثى، لكنى وعلى مسئوليتى قررت ألا أترك أبحاثى مستخدما علاقاتى واتصالاتى ومعارفى من أيام بعثتى فى القاهرة خلال العام الدراسى 1967 1968 الذين بمجرد أن وصلت إلى القاهرة اتصلت بهم على الفور وحتى الآن «تقريبا 50 سنة» أحافظ على علاقاتى بهم، نلتقى كثيرا سواء فى موسكو أو فى القاهرة، إنهم طلاب سابقون وطلاب دراسات عليا والآن أساتذة فى مدرسة الالسن أو كلية الألسن بجامعة عين شمس ومنهم نادية سلطان ومحمد عباس ومكارم الجوهرى، وكذلك من عملوا فى المركز الصحفى للسفارة الكويتية بموسكو ماهر سلامة، بالمناسبة أنهوا دراساتهم العليا بكلية الآداب بجامعة موسكو بتخصص “الأدب الروسى والسوفييتى”، تخرج منهم اختصاصيون ممتازون فى تخصصهم مع معرفة ممتازة باللغة الروسية.
بالإضافة لذلك، بمساعدة حراس سكن الخبراء الروس الروس بمدينة نصر بالدرجة الأولى حيث كان يقيم الخبراء السوفييت، كانت الأسعار محددة من سبتمبر 1970 وحتى أغسطس 1971 لكل المواد الغذائية فى خمس مناطق من القاهرة هى شبرا وروض الفرج والمطرية وحلوان ومدينة نصر، وكانت الأسعار مقارنة بالمعلومات الرسمية عن هذه المواد والموجودة فى الإحصائيات الرسمية فى قائمة الاتحاد الاشتراكى العربى، ولأول مرة قرأت فى مكتبة المعهد الاشتراكى وكان من الممكن أن نجد أنه بعد حساب الرواتب والحد الأدنى للعيش للأسرة تبين ان المواطنين يشترون مواد غذائية باسعار تزيد بنسبة 15ـ20% عن الأسعار الرسمية التى حددتها الحكومة . القيام بهذا المسح الاجتماعى الميدانى، لتحديد الراتب الواقعى والحد الأدنى للعيش للعامل المصرى كانت بمبادرة شخصية منى، لكن هذه المبادرة ظهرت بالتحديد فى إطار أحد توجهات المدرسة الاجتماعية لدراسة الهياكل الاجتماعية للمجتمعات النامية الموجودة فى معهد اللغات الشرقية الرائع، الذى تغير اسمه بمبادرة حمقاء لا أدرى منْ صاحبها إلى معهد دول آسيا وأفريقيا . كم من الأعوام يوجد فى باريس “إيكول نورمال!” ولم يجرؤ احد على تغيير اسمها !
لندع هذا! لكن هذا كان قليلا بالنسبة لليونيد ابراهاموفيتش فريدمان! فبدأ يدرس حساب درجات ومعدلات استغلال الطبقة العاملة! حينها كان كل شئ عندنا وفق كارل ماركس وإنجلز! كان من الممكن أن تجن! الحمد لله أن فريدة مصطفوفنا أتسامبا لم تطلب منى أكثر من حساب الراتب الواقعى والحد الأدنى للعيش! لكن هذا كان كافيا! وهنا فكرت! أنا حضرت من شرق سيبيريا،حيث نهر لينا، ومن على بعد 5,5 كم! إلى موسكو لدراسة اللغات الشرقية والتاريخ وأنهيت دراستى بالمدرسة المتوسطة بتفوق حاصلا على ميدالية ذهبية! وأخيرا ودعت الرياضيات والفيزياء والكيمياء الذين لم أحبهم! فإذا بى أسقط فى نفس المستنقع! وها أنا أجلس بالقلم والحاسب وأدير القلم فى يدى مثل مفرمة اللحمة وأحسب النسب المئوية وأرسم جداول فارغة !
ذات مرة تحدثت عن هذا لفريدة مصطفوفنا فشرحت لى الأمر بابتسامة، ماذا ولأى شئ نفعل هذا، فقالت هكذا التعليم وهكذا يتطور علم الاستشراق، إنه مدخل شامل للتعليم وفقا لتطور التعليم فى الظروف الموجودة حاليا والتى تتوافق مع متطلبات المجتمع السوفييتى وما إلى ذلك من التوضيح. أقنعتنى تقريبا، لكن ليس تماما فقد أعادتنى الآلة الحاسبة إلى الواقع القاسى. بعد ذلك بوقت قصير فهمت أن مشرفتى العلمية على حق! إلا أن تسجيل الأسعار الحقيقية فى أسواق القاهرة شئ آخر! بالإضافة إلى أن هذا العمل خلق تنوع فى حياة مترجم عسكرى، يعيش ظروف ليست طيبة من كل ناحية، خاصة وانه خريج جامعة موسكو!.
أول محاضرة للدكتور رءوف عباس استمعت إليها كانت فى 24 فبراير 1986 وكانت عن الإخوان المسلمين، كان ثلثى القاعة ممتلئ، كان عدد المستمعين حوالى 160ـ 170 شخص . الدين وفق كلماته قضية سياسية. ثلاثة أرباع الكلام عن ناصر كذب. الوفد يحاول أن يدهس بأقدامه القذرة إرث الفترة الناصرية، لم يحاول الدكتور رءوف أن يدخل فى تفاصيل الفترة الحالية. بالمناسبة كما أظهرت المحاضرات التالية للأستاذ، ولمحاضرين مصريين أخرين متخصصين فى التاريخ أنهم لم يكونوا راغبين فى التعرض لأحداث الأعوام الأخيرة التى جرت فى مصر، من الممكن أن يكون هذا هو الصحيح، لأن الأوضاع لم تكن هادئة فى مصر فى منتصف الثمانينيات.
ويستمر الدكتور رءوف عباس “الأساس الاجتماعى للإخوان المسلمين هو الطبقة الوسطى” وحول هذا كان من الممكن أن نختلف، فقبل عام من نشأة الإخوان، نشأت منظمتين 1ـ “شباب محمد” 2ـ “الشبان المسلمين” «1927» وفى النهاية أعلن الدكتور رءوف أنه سوف يتحدث فى المحاضرات التالية عن قوى سياسية أخرى ظهرت بعد ثورة 1919.
بسبب تمرد قوات الأمن المركزى ألغيت المحاضرات فى الفترة 25 26 فبراير 1986، ولبعض الوقت توقفت المحاضرات فى الجامعات وفى المدارس الثانوية، وتم إعلان حظر التجوال الذى كان يطول ويقصر اعتمادا توتر الأوضاع. بعد ذلك بدأنا من جديد نحضر المحاضرات التى كانت شيقة ومثيرة للاهتمام بالنسبة لنا، تحدث الدكتور رءوف فى الغالب باللغة الفصحى مع ما يميز المصريين من خصوصية فى نطق الكلمات، وأحيانا كان يتحول للهجة المحلية وكان فى الغالب مفهوما بالنسبة لنا، خاصة بالنسبة لى، لأننى قبل هذا قضيت فى مصر ثلاث سنوات.
بالطبع كان تمرد قوات الأمن المركزى «وفق بعض المعلومات عددهم حوالى 120 ألف جندى» وكذلك مظاهرات الطلاب من ذوى التوجه اليسارى وحتى التوتر داخل المدينة الجامعية وبالقرب منها كانت تمثل صعوبة بالنسبة لنا من خلال ترك الدراسة والإنقطاع عنها وبعض الصعوبات فى تناول الطعام فى مطعم المدينة الجامعية، حتى الحركة فى الجيزة مع حظر التجوال. فى بعض الأوقات لم يسمحوا لنا بمغادرة المدينة الجامعية والتليفونات لم تكن تعمل فلم نكن نستطيع الاتصال بالسفارة. لكن كل هذا كان يمكن تحمله على الرغم من أن هؤلاء الأولاد الذين يرتدون الزى الأسود من قوات الأمن الداخلى كانوا مثيرين للشفقة، فقد كانوا يحصلون على 6 جنيهات فى الشهر، بالإضافة إلى أن الضباط كانوا يهينونهم لدرجة ضربهم وما إلى ذلك. قبيل يوم أو اثنين من التمرد تم الإعلان عن أن الخدمة ستستمر لعام إضافى، كان منظرهم الغاضب بالزى الأسود والبندقية الآلية فى أيديهم وحالة اليأس التى كانوا عليها، مخيف. لكى نذهب إلى السفارة كنا نمر عبر السفارة التشيكوسلوفاكية التى كان يحرسها هؤلاء الجنود من قوات الأمن الداخلى. على مدى شارع الجيزة الأطول المؤدى للأهرام كان الجنود يشعلون النيران فى السيارات وفى كثير من الفنادق حيث كان يقيم السياح الأجانب، أحد سائقى التاكسى قال لى إن الأمن المركزى لا تأتى منه إلا الخسائر فقط ولو هو كان مكانهم لقام بانقلاب ولم يتوقف فى منتصف الطريق كما فعلوا، احرقوا عدة سيارات بما فيها التاكسى الذى يطعم أسر فقيرة، طالب واحد فقط هو الذى قال إن الجنود أفقر فئة فى الشعب المصرى وأنهم ضربوا ضربا مبرحا، فإن قليلين من المواطنين من أبدوا تعاطفا مع المتمردين، بيما كانت الصحف تسب هؤلاء “أولاد الكلب” «2 مارس» وانتشرت فى الصحافة رواية أن تمرد “الأمن المركزى” يقف خلفه اليمينيون، ولهذا مبارك كان يحاول السيطرة عليهم، المحققين الذين كانوا يقودون التحقيق فى وقائع أحداث الأمن المركزى ثم تنحيتهم عن التحقيقات. خروج المتمردين لم تكن صدفة «11 مارس» سائق تاكسى قال إن الضباط لم يشاركوا فى التمرد «1 مارس» فى التليفزيون عرضوا السيارات المحترقة وتحدثوا عن أن الأجانب الذين كانوا يقيمون فى الفنادق فى شارع الجيزة هربوا إلى الصحراء قافزين من الطابق الثانى، إحدى المسنات الأجنبيات توفيت نتيجة الخوف وعثر على جثتها فى الصحراء، وتحدثوا عن أن المنتفضين ضربوا ضباطهم بقسوة وقاموا بلفهم فى السجاد وسكبوا عليهم بنزين وأحرقوهم، بعد ذلك بوقت قليل منعونا تماما من الخروج إلى خارج المدينة الجامعية، وفى مطعم المدينة الجامعية كانوا يقدمون الفول فقط ونصف رغيف خبز وللأسبوع التالى لا يعمل الدٌش فى الحمام . هذا فى يوم 26 فبراير، ماذا سيحدث غدا، يكتبون ويتحدثون عن أن الاسماعيلية والقليوبية وسوهاج وأسيوط انتفضوا، وفى اليوم التالى أعلنوا أنه من الممكن الخروج من المدينة الجامعية . تحركنا حينها إلى السفارة، ولحسن الحظ أنها لم تكن بعيدة عن الجامعة، لم نتسلم نقود من الحسابات فى السفارة «“نتسلم نقود كملحقين، هل من المعقول أن النقود لا تكفى”؟» ليتهم يعرفون أننى فى ذلك الوقت اشتريت مئات الكتب!
من الغريب أنهم فى ذلك الوقت تحدثوا عن أن انتفاضة الأمن المركزى لم تكن عامة، لماذا إذا اشتعلت الأحداث فى الجيزة والقليوبية وأسيوط وسوهاج وشبرا والهايكستب والمعادى؟ أذكر أن سائق تاكسى قال لى أنه لا توجد أى فائدة من انتفاضة الأمن المركزى، وما حدث هو خسائر وأضرار فقط. بعض طلاب المدينة الجامعية أعلنوا أن الشيوعيين والناصريين يستغلون عدم رضى جنود الأمن الداخلى لدفعهم للتمرد، وكتبت الصحف أنه فى المعسكرات الموجدة بالقرب من الجيزة فى بداية الطريق للأسكندرية، حيث كان المصدر الرئيسى للانتفاضة كانت تمر سيارات حاملة الميكروفونات طالبين من الجنود الصمود والمقاومة . حتى الآن لم أفهم هل كانت الانتفاضة تلقائية أم منظمة؟ ظل وضع حظر التجوال غير مفهوم، غيروا الحراس عند السفارة التشيكوسلوفاكية وأخذوا البنادق الآلية منهم «2 مارس» وكان هذا هو مؤشر ودليل بالنسبة لنا!
سارت البعثة بعد ذلك فى طريقها، فى البداية هرعنا لتقديم أوراقنا، لأننا لم نكن نستطيع تسلم نقود من البنك ولا السفارة، والحمد لله تمكنا على أى حال أحيانا أن ننطلق إلى دار الكتب، حيث وجدت كتب جيدة جدا بل ومراجع عظيمة وفريدة من نوعها.
وأخيرا يوم 8 مارس سعدنا بأننا بذهابنا إلى محاضرة الدكتور رءوف عباس فى السنة الأولى “خلفاء محمد على” بعد المحاضرة ذهبت إليه، وكانت طالبة موجودة عنده بالمكتب تقوم بعملية غسيل مخ له بالمعنى الحرفى للكلمة فكانت تسأل :”لماذا لا توجد انتخابات حرة فى مصر؟” انظروا لأى مستوى من الحرية أدت الأحداث حينها فى الجامعة! قام الدكتور رءوف بعمل تصريح لى لدخول الأرشيف.
يوم 9 مارس ذهبت إلى دار الوثائق القومية بواسطة الأوتوبيس رقم 666 من أمام كلية الهندسة بالجامعة بعد حوالى 20 دقيقة وصلت إلى هناك، الأرشيف كان يقع بجوار مسجد محمد على فوق جبل المقطم، وهو أعلى مكان فى القاهرة، ملأت الاستمارات عند رئيسة المكان مدام سوسن، وعندما سألتها ماذا أكتب فى خانة الديانة قالت لى بشكل فج أكتب شيوعى! ومن هناك إلى دار الكتب فى رملة بولاق حيث استقليت الأتوبيس رقم 403 وتصفحت باستفاضة صحيفة “لو فار دى بورسعيد”الصادرة عام 1891 ووجدت معلومات عن ثلاث إضرابات فى الإسكندرية . محظوظ! وكان اهتمامى منصب بالدرجة الأولى على الاحتجاجات الطبقية لممثلى فرق العمال الأجراء من قبل الرأسمالية الأولية، ذات الطابع الاستعمارى.
القضية أن موضوع رسالة دكتوراة العلوم كانت “ولادة الطبقة العاملة والحركة العمالية فى مصر فى ظروف التحديث الاستعمارى «1814 1914»” وأذكر الوضع الاقتصادى، ودرجة الاستغلال ومعدلاتها، والهياكل الاجتماعية، والأراضى، والتركيز الإنتاجى فيما كانت الحالة المادية للطبقة العاملة بالدرجة الأولى فى النصف الأول من القرن العشرين قد درسها ف.م.أتسامبا ول.أ.فريدمان . وفيما يتعلق بالمراحل الأولى لحركة النقابات العمالية وعلاقاتها بالأحزاب السياسية ومصدر تكوين طبقة العمال الأجراء فى مصر، لم يخض أحد فى هذه البرارى ولم يقم أحد بالرى. عندما اهتميت بأول إضرابات «“الإضراب” كانت تنطق فى اللغة العربية إعتصام ثم تحولت إلى إضراب نقلا عن اللغة الإيطالية “» أول مظاهرة واعتصام تضامن الحمالين المصريين فى بورسعيد أثناء انتفاضة أحمد عرابى باشا 1882، بعد ذلك أصبح موضوع بحثى أول نقابات ومكوناتها وقيادتها ومطالبها، وكان يجب أن أجدها فى الأرشيف وفى الدوريات وبدأت فى البحث عنها بداية من خمسينات القرن التاسع عشر أى منذ حفر قناة السويس.
هكذا كان الهدف الاساسى من حضورى إلى مصر عام 1986 ينحصر فى جمع مادة علمية لرسالة دكتوراة العلوم :”نشأة الطبقة العاملة والحركة العمالية المصرية فى ظروف التحديث الاستعمارى فى مصر خلال الفترة 1914ـ 1914» أو بكلمات أخرى، الإطر الزمنية بداية من انهيار احتكار محمد على وانتهت مع بداية الحرب العالمية الأولى، بمعنى أنها شملت ثلاث أرباع قرن. الاختيار وقع على تلك المشكلة من وجهة نظرى بشكل طبيعى تماما. أولا أنا بالفعل “تعلقت” بهذا البلد، ثانيا اندمجت تماما مع موضوع الطبقة العاملة فى مصر والتى عملت فيه لعشرات السنين، ثالثا كنت أريد الابتعاد عن علم الاجتماع والاقتصاد والتخلص من الحسابات الرياضية وكذلك إعطاء مشكلة تكوين الطبقة العاملة المصرية صبغة تاريخية خالصة، والنظر إليها من منظور تاريخى، بهذا الخصوص يمكن قراءة كتابى “بورسعيد مهد الحركة العمالية فى مصر” الذى صدر متأخرا بعض الشئ .
بالإضافة إلى ما سبق لست ممن يميلون للتكرار، حاولت أن أملأ جزء من هذه الثغرة الواسعة فى موضوع الطبقة العاملية المصرية وأن أحقق مساهمة فى هذا الموضوع. قليل من درس نشأة الطبقة العاملة المصرية، ولهذا اتجهت إلى الأرشيفات والمذكرات والدوريات، فقد كان من الضرورى حل عدد من الإشكاليات، وهو الأمر الذى ساعدنى فيه صديقى الدكتور رءوف عباس، الذى ممكن اعتباره أخ أكبر وزميل على مدى 20 عاما، وهو ما سأكتب عنه لاحقا.
نظرا لأننى انشغلت بالأرشيفات منذ عام 1978 فإننى قبل أى شئ كنت أريد أن أتعمق فى الأرشفة، دارسا هذه المرة صناديق الأرشيفات المصرية التى لم أعرفها من قبل، بعد ذلك انصب اهتمامى على الدوريات المصرية والتى بفضل نشاط الفرنسيين والإيطاليين والانجليز واليونانيين واليهود والارمن وممثلى المستعمرات الأخرى حصل المصريون فى بلاد الأهرامات على تطور كبير فى هذا المجال . إنها “الأهرام” “لا ريفورم” “لا فار دى بورسعيد” “لا فار دى الاسكندرية” “لى بوسفور إيجبسيان” “لى مونيتور إيجيبسان” “لى كايير” “إيجيبسان جازيت” “لا بورس إيجيبسان”والإيطالية “لامبريال” “إل ميساجيير إيجتسيانو” وغيرها. وعندما شاهدت أعداد هذه الصحف التى صدرت منذ خلال فترة الستينات من القرن التاسع عشر «من بداية حفر قناة السويس» وحتى عام 1918 كان جزء كبير من بعثتى فى عام 1986 قد انقضى.
بمعنى أخر أثارت أعمال وسلوكيات الأقليات القومية فى مصر الإيطاليين اليونانيين الأرمن السوريين وأخرين اهتمامى، بالتحديد فهم الذين أصبحوا جسرا لإنشاء الهياكل الاجتماعية الحديثة فى مصر البرجوازية والطبقة العاملة والمثقفين .
بالإضافة إلى ذلك عرفت بوجود واستخدمت إحصائيات مصر الغنية «الإحصاء العام للسكان، والابحاث الاجتماعية ومواد أخرى مشابهة» وعلى الرغم من أنه يجب التأكيد على أنه عمليا لم أقابل بعد أبحاث المؤرخين المصريين الذين كانوا من الممكن أن يستخدموا هذه المصادر الإحصائية الأولية مثل التعداد السكانى للأسف! لكن من الممكن أنى لم أقابل مثل هذه الأبحاث ولم يقع عليها نظرى ولكنها موجودة؟ وفى النهاية ما ألهمنى هو وجود كوكبة كاملة من الباحثين الذين وهبوا أنفسهم لدراسة هذا الموضوع الهام والشيق وهو نشوء الطبقة العاملة والحركة النقابية وكذلك العلاقات الزراعية بما فى ذلك العمال الزراعيين المصريين فى وادى النيل.
بالمناسبة فى ذلك اليوم 9 مارس 1986 عندما كنت فى الأرشيف المصرى، كان فى زيارة لمدام سوسن الدكتور على بركات أحد أكبر المؤرخين الزراعيين فى مصر، تعرفت على هذا الشخص الهادئ المتزن الغير متعجل فى إصدار الأحكام، وهذا كان من حسن حظى. كنت مهتما بمظاهرات الفلاحين المصريين فى نهاية القرن التاسع عشر، بداية من انتفاضة عرابى. فشرح لى بالتفصيل أين أجد هذه المعلومات وأعطانى عنوان أحد محلات بيع الكتب حيث يمكننى أن أشترى منه بعض الكتب، التقيته بعد ذلك عدة مرات فى أرشيف القلعة، حيث كان يشاهد بعض الوثائق فى الأرشيف، وفى كل مرة كان يوصلنى بسيارته إلى وسط القاهرة وفى الطريق كان يجيب على الأسئلة المهمة بالنسبة لى التى أطرحها عليه.
لعب دور مصادر الإلهام لدراسة قضايا الطبقة العاملة المصرية كل من، أمين عز الدين، عبد المنعم الغزالى، سليمان النخيلى، أحمد طه أحمد النكلاوى عبد المغنى سعيد وباحثين أخرين فى موضوع الطبقة العاملة المصرية. التقيت بعضهم وتقدمت إليهم بالأسئلة التى كانت تشغلنى بهذا الخصوص، على سبيل المثال التقيت أمين عز الدين وأحمد طه وعبد المنعم الغزالى وأحمد النكلاوى وأخرين. وانطبع الكثيرون منهم فى ذاكرتى بوضوح لدرجة كما لو كنت أراهم أمام عينى حتى الآن، وكان لى لقاءات مع رجال دولة ومجتمع فى مصر مثل الدكتور فؤاد مرسى والدكتور اسماعيل صبرى عبد الله والسكرتيرين السابقين للحزب الشيوعى المصرى، وريس تحرير مجلة “الطليعة” لطفى الخولى ومدير المعهد الاشتراكى اسماعيل عبد الحكيم واخرين. بالإضافة لهذا فى هذا العام تعرفت على الدكتور رفعت السعيد وكان حينها السكرتير العام لحزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى «يسارى»”التجمع”وقد أثار اهتمامى كمؤرخ مصرى كبير ومتخصص فى تاريخ الحركة الاشتراكية.
التقيت الأستاذ عبد الحكيم أكثر من الأخرين نظرا لأنى فى النصف الثانى من بعثتى فى مصر 1969ـ1971 لم أعمل ككبير المترجمين فى الفرقة الميكانيكية فى الهايكستب والتى أعادت تمركزها فى قنا. ومع وصول قواتنا فى يناير فبراير 1970 انتقلت إلى مكتب كبير الخبراء العسكريين السوفييت فى مصر الجديدة أو بمعنى أدق فى منشية البكرى فى الجهة المقابلة لمنزل الرئيس جمال عبد الناصر. ونظرا لأنى بعد مرور عامين من الخدمة العسكرية كان على العودة إلى معهد اللغات الشرقية فى جامعة موسكو، والبدء بدراسة الدكتوراة فإننى بدأت الاستعداد لأداء امتحانات الدكتوراة فى موضوعات تاريخ الدول العربية والفلسفة والأدب العربى فى مصر الجديدة، وهو ما نجحت فيه أثناء الأجازة فى الفترة مايو يونيو 1970أثنا وجودى فى موسكو، وللاستعداد لهذه الامتحانات كنت أذهب إلى اسماعيل عبد الحكيم فى معهد الدراسات الاشتراكية والذى كان يبعد عنى مسافة 15 دقيقة سيرا على الأقدام تقريبا من مكتب كبير الخبراء خلف دار سينما “روكسي” مباشرة، لهذا الغرض كنت أحتفظ فى المكتب بملابس مدنية كنت أرتديها عند الخروج وأحمل حقيبة إلى مكتبة المعهد الأشتراكى القيمة. كانوا يعرفوننى فى المكتبة كموظف فى السفارة السوفيتية، فلم يكن فى استطاعتى أن اقدم نفسى على غير ذلك، لأنى كنت مخالف الأوامر الخاصة بأنى عسكرى سوفييتى ومتواجد فى جمهورية مصر العربية للقيام بعملية سرية تحت اسم حركى “قوقاز”، فى حال اكتشاف هذا الأمر فإن القيادة السوفيتية كان لديها الحق فى إرسالى إلى الاتحاد السوفييتى خلال 24 ساعة، وتنهى بذلك إقامتى فى مصر.
لكن عادة ما كانوا لا يرسلون المترجمين الجيدين إلى موسكو فى مثل تلك الحالات وكانوا يرسلونهم إلى قناة السويس إلى منطقة العمليات العسكرية، وأحيانا إلى قنا التى كان يقضى فيها العقوبة الوطنيين المصريين المختلفين مع السلطات. عملية “القوقاز” تم إعدادها لمساعدة مصر على صد “هجمات العمق” التى تقوم بها طائرات “الفانتوم”الإسرائيلية وهى العملية التى تم تنفيذها بنجاح فى النصف الثانى من عام 1970 أذكر جيدا أن الأستاذ محمد حسنين هيكل كتب عن هذا بوضوح وانفعال فى مقاله كرئيس تحرير “بصراحة” وكان بعنوان “أسبوع سقوط الفانتوم” وكان الحديث يدور عن أن الخبراء السوفييت أسقطوا الطائرات الإسرائيلية التى كانت تهاجم العمق المصرى عبر قناة السويس واحدة وراء الأخرى، بعد هذا الأسبوع توقفت هجمات الطيران وبالتالى كانت عملية “القوقاز” قد تم تنفيذها بنجاح، وتم منح ضابطين من فرق الصواريخ السوفييت هما كوتينتسوف أ.ن. وبوبوف ك.إ. لقب بطل الاتحاد السوفييتى، فقد أعلن وزير الدفاع السوفييتى آنذاك المارشال جريتشكو : “إن من سيسقط أول طائرة “فانتوم” إسرائيلية سيحصل على لقب بطل الاتحاد السوفييتى!” لكن كلا هذين الرجلين فى وقت واحد تقريبا أسقط كل منهما طائرة فانتوم إسرائيلية. منذ فترة تم عمل تمثال نصفى من أعمال الدكتور أسامة السروى لكونستنتين إيليتش بوبوف، الذى توفى عام 2015، الكثير من الجنود السوفييت والمصريون حصلوا على أوسمة وميداليات، وخادمكم المتواضع مؤلف هذا الكتاب حصل على وسام مصرى “نوط الواجب العسكرى من الدرجة الأولى”.
التقيت بمحمد عودة الذى قام بعملية مسح إجتماعى قيم عن وسائل التواصل فى القرية المصرية كما ترك الدكتور أحمد حمروش قائد مجموعة الأسكندرية من الضباط الأحرار لدى انطباع قوى، الجزء الرابع من كتابه “شهود ثورة 23 يوليو 1952” أنا استخدمه فى الندوات عن ثورة يوليو وفى تذكر المعاصرين للثورة” مرت 40 عاما تقريبا ويضاف إليه شهادات جديدة، ويم تعديل النص وفق الشهادات مع تضمنه من نصوص باللهجة المصرية، مادة الكتاب نفسها هامة وشيقة للغاية، دايما ما أعطية لطلاب الماجستير فى الدراسة اليومية، حيث يقرأه الطلاب جهرا مع التأكيد على نهايات الكلمات «“لكى لا ينسوا القواعد”».
أريد أن ألفت انتباه القراء قليلا مرة أخرى، مادام الحديث دار عن هذا. قبيل سفرى إلى مصر كمترجم عسكرى، دار حديث بينى وبين رئيس قسم الأدب العربى ف.م.بيلكين. عندما عرف بيليكين فلاديمير ميخائيلوفيتش بأمر سفرى فى مهمة إلى مصر، نصحنى بإلحاح ألا أنسى اللغة العربية الفصحى، وأنا أخذت هذا الأمر بعين الاعتبار فقد كنت أحترم رأى هذا الاستاذ، فأنا أعتقد أنه هو بالتحديد الذى علمنى كيف أشعر باللغة العربية “اجتماعيا” قال لى بيلكين ف.م.:” جينادى! خذ فى اعتبارك أن اللهجة طاغية جدا، وهى تحاول أن تأكل لغتنا الفصحى!، ولهذا لكى تحافظ على الفصحى أنصحك ولو مرة فى الأسبوع أن تقرأ بصوت عال لمدة حوالى 30 دقيقة مع الحفاظ على نطق تشكيل نهاية الكلمات فهذا يساعدك فى الحفاظ على اللغة الفصحى أساس كل اللهجات. لهذا لابد من عمل جدول محدد، وهنا ليس مهما محتوى النص، ولكن شكله، وذلك للفت الانتباه على تشكيل نهايات الكلمات مما يساعد على عدم نسيان القواعد”. كنت أختار مقال هيكل “بصراحة” «هو بالفعل يستغرق 30 دقيقة قراءة» وكنت اقرأه كما نصح فلاديمير ميخائيلوفيتش، كان جيرانى وخاصة هؤلاء الذين يعيشون معى فى فندق المترجمين العسكريين ينظرون إلى كما لو كنت مجنونا، بعد عام عندما سافرت فى أجازة امتحنت امتحانات الدكتوراة، وأكد حينها بيلكين على أن لغتى الفصحى لم ينخفض مستواها بل أصبحت أفضل مما كانت، والآن انا بين الحين والآخر أتدرب على القراءة وأنصح طلاب الماجستير بان يفعلوا نفس الشئ.