الصورة الذاتية «السيلفى» فى سياق تاريخى بقلم : هالة القوصى فنانة بصرية   تشهد الفترة الأخيرة ازديادا لا مثيل له فى عدد الصور الذاتية «أو ما يعرف بالسيلفي» التى ينتجها

822222

الصورة الذاتية «السيلفى» فى سياق تاريخى

3000

بقلم :

هالة القوصى

فنانة بصرية

 

تشهد الفترة الأخيرة ازديادا لا مثيل له فى عدد الصور الذاتية «أو ما يعرف بالسيلفي» التى ينتجها الأفراد بكاميرات هواتفهم المحمولة. بالتأكيد التطور التكنولوجى كان له أعظم التأثير على انتشار هذه الممارسة فى جميع أنحاء العالم فالتقاط الصور أصبح يسيرا يسرا غير مشهود من قبل. تكفى ضغطة على زرار ليسجل الفرد صورته وضغطة أخرى ليشارك الآخرين بها عبر وسائل التواصل الاجتماعى وضغطة ثالثة ليعبر هؤلاء عن إعجابهم بها. ثلاث ضغطات تكفل للفرد أن يُعرِف نفسه ويجد لتعريفه صدى فى محيطه الذى قد يبلغ الملايين من المتابعين فى جميع أنحاء الأرض.

هل التطور التكنولوجى هو العامل الأوحد المؤثر على الغرام المطرد بين الفرد وصورته الذاتية؟ وكيف يؤثر تغلغل هذا النشاط بين الأفراد على تصورهم لأنفسهم؟ باختصار: ماذا حدث عندما أصبح التقاط صورة شخصية متاحا للجميع بضغطة زر؟ سؤال أطرحه على نفسى بشكل متكرر كفنانة معنية بوسيلة التصوير الفوتوغرافى فى الأساس وكممارسة للتصوير مؤخرا بشكل شبه حصرى باستخدام كاميرا المحمول وهو التغير الذى لم أكن أتخيله ممكنا قبل سنين قليلة من الآن. ربما كان من المفيد بداية تحديد السياق التاريخى للتصوير الذاتي.

2000

إن بحثنا عن تعريف للصورة الذاتية فى تاريخ الفن فسنجد رابطا حصريا بين الصورة الذاتية والفنان. الصورة الذاتية هى تمثيل لفنان مرسوم أو مصور أو منحوت على يد الفنان نفسه. وليس هذا بغريب فحتى اختراع الفوتوغرافيا كانت الصورة الذاتية حكرا على الفنانين.

أقدم بورتريها ذاتيا معروفا هو بورتريه للفنان يان فان أيك رسمه عام ١٤٣٣. ومع تطور المرايا وتوفرها انتشرت ممارسة تصوير الذات بين الفنانين. ولعل أهم مجموعة من البورتريهات الذاتية هى التى تركها رمبراندت فان راين والذى رسم على مدار حياته الفنية منذ بداياته كشاب فى حوالى ١٦٢٠ حتى سنة وفاته عام ١٦٦٩ أكثر من تسعين بورتريها ذاتيا. وإن كان رمبراندت الأغزر بين الفنانين فى عدد رسوماته الذاتية إلا أن رسومات فنسنت فان خوخ الذاتية ربما أعظمها تأثيرا بخطوطها الجريئة وألوانها المتفجرة. لم يمتد مسار فان خوخ الفنى لكنه على مدار عشرة أعوام رسم حوالى ألفى لوحة من بينها ٣٦ بورتريها ذاتيا، عبر بها الفنان عن معاناته مع المرض النفسى وعن تعريفه لذاته كفنان ففى ثلاث من هذه اللوحات يصور فان خوخ نفسه مرتديا مريلة الرسم وممسكا بأدوات الرسام: الفرش والباليتة.

81111

ربما بعض من تأثير رسومات فان خوخ نابع من معرفتنا عن معاناته النفسية ونهايته التراجيدية. فنان آخر عانى المرض النفسى ورسم نفسه بشكل متكرر هو النرويجى إدفارد مونش ١٨٦٣ – ١٩٤٤وإن كان معروفا بشكل شبه حصرى بلوحته الصرخة ١٨٩٣. كان مونش يعانى قلقا مرضيا وتهيؤات ومشاعر اضطهاد ويفرط فى الشراب إلى حد جعله يصف حالته بأنها قاربت الجنون عندما أودع نفسه فى مصحة نفسية للعلاج. وحتى نهاية حياته استمر مونش فى رسم نفسه بغزارة ولم يكتف بالرسم ولكنه كان أيضا مغرما بالفوتوغرافيا والسينما والتقط لنفسه العديد من الصور الفوتوغرافية الذاتية.

فى بدايات القرن العشرين، جعلت الفوتوغرافيا البورتريه الذاتى الذى كان فيما سبق حكرا على الرسامين متاحا للمصورين. كان الأمر يتطلب من المصور أن يضع الكاميرا على حامل ويحدد مسبقا مكانه داخل إطار الصورة بالاستعانة بمرآة ثم يلتقط الصورة. من أبرز الصور الذاتية فى تاريخ الفن فى تلك الفترة هى الصور التى التقطتها كلود كاهون ١٨٩٤-١٩٥٤ وهى فنانة ومصورة وكاتبة فرنسية. وكما اتخذت كاهون لنفسها اسما يصلح لأن يكون اسم رجل أو سيدة، استخدمت الفوتوغرافيا لتنتج صورا ذاتية سريالية، قدمت فيها كاهون نفسها فى أشكال مختلفة: رجل متأنق، عسكري، حورية, كائن لا جنسي. استخدمت كلود كاهون الفوتوغرافيا على مدار عشرين عاما لاستكشاف أبعاد الهوية الجنسية ومفاهيم المجتمع عن الجنسانية والجمال وهى أعمال لم يعرف عنها الكثير إلا بعد أربعين عاما من وفاتها.

التقدم التقنى فى الفوتوغرافيا والفيديو فى الستينات أتاحها لعدد أكبر من الفنانين والذين استخدموها لإجراء تجارب فنية مختلفة مرتبطة بمفهوم المدة وصورة الذات ولتسجيل التعبيرات الأدائية والتى لا يتسع هذا المقال لإفرادها ولكنى سأتوقف عند الأمريكية سيندى شرمان ١٩٥٤- والتى تعمل بشكل حصرى منذ منتصف السبعينات حتى الآن على تصوير نفسها: مئات من الصور المختلفة تظهر فيها شرمان فى أوضاع مختلفة وبملابس تنكرية مختلفة وهى تعمل وحدها وتتخذ أدوار المؤلف والمخرج والماكيير والكوافير ومصمم الملابس والموديل. وقد أُشير إلى أعمال سيندى شيرمان بأنها أعمال نسوية فى المقام الأول بينما تقول شيرمان انها لا ترى نفسها فى الصور وإنها ليست صورا ذاتية وانها تختفى أحيانا. هى تنظر فى مرآة تضعها بجوار الكاميرا وتفكر فى الشخصية التى تريد تقمصها حتى تراها.

وماذا عن مصر؟ ربما أبرز وأغزر تجارب التصوير الذاتى فى القرن العشرين أنتجها الأرمنى المصرى فان ليو ١٩٢١-٢٠٠٢، وصور فيها نفسه متقمصا شخصيات مختلفة وأحيانا فى تكوينات بلمحات سريالية ومجموع أعمال فان ليو الآن بحوزة الجامعة الأمريكية فى القاهرة. فى كتاب وجوه مصر الصادر عن المؤسسة العربية للصورة تتساءل الباحثة منيرة خمير حول ممارسة فان ليو للتصوير الذاتي. هل كان فان ليو نرجسيا أم أنه كان يخلق مساحة خاصة للهو، للسينما.

أما عن الممارسات الفنية المعاصرة للتصوير الذاتى فهى عديدة ومتنوعة وتستوجب مساحة أكبر من التى يكفلها هذا المقام. ولذلك سأكتفى بهذا القدر لأعود للسؤال الذى طرحته عن العلاقة بين التصوير الذاتى وتصور الفرد لذاته فى عصر التصوير الرقمي.

الآن لم تعد الصورة الذاتية حكرا على الفنانين أو الهواة المحنكين ولا تتطلب نفس النوع من التخطيط المسبق والالتزام الذى كانت تتطلبه فيما سبق. واختفت المهلة «اللازمة للتحميض والطباعة» بين التقاط الصورة والتطلع إليها. الصورة سهلة المنال. الكاميرا أصبحت مثل مرآة تسجيلية. أقف أمامها وألتقط صورة لنفسى ثم أطالعها فلا تعجبنى فأغير من تعبير وجهى وألتقط صورة أخرى حتى أسجل صورة تحوز رضاى. ماذا يحدث؟ أنا أبحث عن لقطة/ لحظة يتلاقى فيها إحساسى الداخلى وتصورى عن ذاتى مع شكلى الخارجي. وأنا أزعم أن الفرد مع التقاطه للكثير من الصور الذاتية يزيد انتباهه لملامحه الخارجية. الصورة الذاتية تخلق بينه وبين هيئته علاقة نقدية ممتدة ومستمرة بشكل لم يكن معروفا من قبل. وهو فى تنقيب دائم عن إحساس متجدد بالرضا. وهى علاقة تتحول من الحميمى إلى العام عندما يتيح الفرد صورته للآخرين من خلال نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هو يعزز إحساسه رضاه الشخصى بالإعجاب الذى يناله من الآخرين وقد تحرر إبداء الإعجاب تحررا غير مسبوق من القيود الاجتماعية. نحن نطّلع على صور لأفراد لا نعرفهم ومع ذلك عندما تعجبنا صورة ذاتية فنحن لا نستحى أن نضغط على زرار الإعجاب. ضمنيا فلان نشر صورته ابتغاء لإعجاب الآخرين وإشباعا لإحساسه بذاته؛ وإبداء الإعجاب أصبح فعلا خفيفا وفى معظم الأحيان دون أى عواقب ممتدة. وماذا يحدث للفرد عندما يتحول من شخصية غير معروفة إلا فى محيط محدود إلى شخصية عامة ومثارا للإعجاب فى فترة وجيزة؟ سؤال أختم به فما زلنا حديثى الخبر بالتجربة. ولكن ما هو مؤكد أن للصورة الذاتية أو السيلفى بعدا نفسيا مركبا لا يمكن إغفاله عند محاولة تعريف أبعادها كممارسة اجتماعية أو فنية.

822222