رحيل كابتن غزالي.. شاعر المقاومة الشعبية   رشا حسني   غيب الموت أول أمس الأحد الكابتن غزالى شاعر المقاومة الشعبية بالسويس، عن عمر يناهز 89 عاما، بعد صراع طويل مع

999

رحيل كابتن غزالي.. شاعر المقاومة الشعبية

 

رشا حسني

 

غيب الموت أول أمس الأحد الكابتن غزالى شاعر المقاومة الشعبية بالسويس، عن عمر يناهز 89 عاما، بعد صراع طويل مع المرض.

وخلف الخبر حالة من الحزن الشديد بين المثقفين وكذا فى الأوساط الشعبية التى نبتت منها تجربته فى الإبداع والنضال, كما سارع وزير الثقافة حلمى نمنم ومؤسسات وزارة بنعيه كما أصدرت الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة صبرى سعيد، بيانا تنعى فيه شاعر مصر الكبير.

يعد الشاعر الفدائى محمد أحمد غزالى رمزا للمثقف العضوى الذى سخر موهبته لخدمة قضايا الوطن ومساندته فى الشدائد.

الكابتن غزالى هو مؤسس فرقة ولاد الأرض، التى كانت تجوب مدن القناة خلال حرب الاستنزاف وعقب انتصار أكتوبر المجيد، كان له دور كبير فى تحفيز الجنود من خلال أغانيه التى كان يشدوها مع فرقته على آلة السمسمية، ومن أغانيه الشهيرة “فات الكتير يا بلدنا “ و”يا بيوت السويس”.

لم يكن مجرد مغن ومؤسس لفرقة غناء شعبية، فى زمن الحرب، بل تحول إلى رمز للمقاومة فى كل مكان وزمان، حيث خرجت أغانيه ” فدائى البندقية والسمسمية” من بين خنادق المقاومة الشعبية فى السويس، وتحولت إلى قذائف مدوية موجهة صوب العدو، فمن بين أصوات المدافع وأنغام السمسمية جمعت فرقة ”ولاد الأرض” أشعارها الحماسية والتى كانت تلهب حماس الجنود وتشحذ الهمم فى ليالى الحصار المظلمة.

يؤرخ الكاتب الصحفى ” حسين العشي” لتجربة فرقة ولاد الأرض، فى كتابه “سنوات الحب والحرب”، وهى التجربة التى خرجت بشكل تلقائى من رحم قوات المقاومة الشعبية فى السويس، دون أى دعم أو مساندة من أى جهة رسمية، بل واجهت الكثير من العراقيل والعقبات التى وضعتها فى طريقها مؤسسات الدولة الرسمية.

ويتناول “العشي” بالتفصيل، حياة الكابتن “غزالي” حيث يقول ان الغزالى وولاد الأرض ولدا من رحم واحد، هو رحم المقاومة والرفض لكل أنواع القهر والاستبداد، ومن ثم لا يستطيع أى باحث أن يفصل بين الرجل والتجربة، حيث نشأ الغزالى بمدينة السويس التى ارتبطت بحركة المقاومة ضد كل أشكال القهر والاحتلال، ومنذ سنوات شبابه المبكر انضم لحركة الفدائيين فى منطقة القناة ضد تواجد قوات الاحتلال البريطانى وساهم فى العديد من العمليات الفدائية وتعرض لخطر الموت أكثر من مرة واستمر الغزالى فى العمل النضالى حتى أسس فرقة أولاد الأرض بعد النكسة لتقف فى وجه من سلموا بالهزيمة ولتساهم بدور محورى فى تحقيق نصر أكتوبر 73.

وكانت بداية أولاد الأرض الحقيقية، هى نفسها بداية حرب يونيو 1967، ومعاركها الضارية التى نالت السويس منها النصيب الأكبر، منذ بداية الحرب حتى انتصار معركة 24 أكتوبر، وفيما بين هذين التاريخين لم تخلع السويس الرداء الكاكي، ولم تعرف لياليها سوى الإظلام التام، تنفيذا لتعليمات الدفاع المدني.

فى وسط هذا الظلام الذى عاشه أبناء السويس، بعد نكسة يونيو، برزت موهبة الكابتن غزالي، فجاءت أغانيه معبرة عن قسوة الواقع ورفض الاستسلام للهزيمة، وفى الأيام الأولى لفرقة أولاد الأرض والتى كان أغلبها من الفقراء والمقهورين الذين لا يحلمون إلا بتحرير البلاد، كانوا يجلسون على البطانية “الرصاصي” فى أرض الخندق، ولذلك أطلق عليها فى البداية فرقة البطانية،إلا أن الكابتن غزالى رأى أننا أولاد هذه الأرض التى تفرز عبر مراحل التاريخ أبطال ورموز المقاومة الشعبية،ومن هنا سميت الفرقة بأولاد الأرض وقد اجتذبت العديد من الشعراء الذين قدموا أشعارهم الى الكابتن غزالى ضمن منظومة شعراء المقاومة الشعبية وكان من بينهم شاعر السويس المبدع عطية عليان، والشاعر كامل عيد رمضان والذى غنى له أولاد الأرض واحدة من أشهر أغنياته وهى ” يا ريس البحرية”.

ولم تكن الكلمات التى ينظمها الكابتن غزالي، وأعضاء فرقته، مجرد أغان حماسية وحسب بل كانت تتجاوز الحدود لتعلن عن موقف الشعب المصرى الرافض للهزيمة والاستسلام ومن بين هذه الأغانى “فات الكتير” التى غناها المطرب محمد منير مؤخرا محييا التجربة الفريدة لكابتن غزالي: فات الكتير يا بلدنا/ ما بقاش إلا القليل/ واحنا ولادك يا مصر/ وعنيكى السهرانين/ ونصرك صبح نشيدنا/ واللى يعادينا مين.

ويصل الى ذروة الإصرار على الثأر لشهداء 67 حين يقول: “بينا يلا بينا/ نحرر أراضينا/ وعضم اخواتنا/ نلمه نلمه / نسنه/ نسنه/ ونعمل منه مدافع/ وندافع/ ونجيب النصر هدية لمصر/ ونكتب عليه أسامينا”.

وظل الكابتن غزالى يطوف المدن ويزور المهجرين فى معسكراتهم الجماعية، يواسيهم فى الغربة، ويوصيهم بالصبر، ويعدهم بالعودة بعد أن يتحقق النصر مرددًا أغنيته الشهيرة: “غنى يا سمسمية/ لرصاص البندقية/ ولكل إيد قوية/ حاضنة زنودها المدافع/ غنى لكل مهاجر/ فى الريف أو فى البنادر/ فى معسكر أو فى شادر/ وقولى له على عنيه/ غنى ودق الجلاجل/ مطرح ضرب القنابل/ راح تضرب السنابل/ ويصبح خيرها ليا”.

وكانت الفرقة تطوف المدن والقرى والنجوع ولكنها صدمت حين وصلت إلى العاصمة، ووجدت المثقفين يقضون أوقاتهم على المقاهي، ولا يعنيهم ما يحدث على الجبهة والشهداء الذين يسقطون كل يوم، فهاجمهم الكابتن غزالى قائلا: يا شعرا/ يا كتاب/ يا نضال ع القهاوى / يا هم / يا غم/ يا سبب البلاوي”.

كما انتقد غزالى الإعلام المصرى فى تلك الفترة و ما تبثه الإذاعة المصرية من أغان عاطفية : “لأ لأ / لأ لأ / لأ مش ح أغنى للقمر/ ولا للشجر/ ولا للورد فى غيطانه/ ولا نيش سواح/ ولا ح أقول للهوى طوحني/ طول ما فيكى يا بلدى شبر مستباح”.

انبهر كثير من المثقفين المصريين والعرب، بتجربة “ولاد الأرض”، فكانوا يقومون بزيارات للسويس ويجلسون مع الكابتن غزالى فى دكانه البسيط الذى يكتظ بمئات الكتب المتاحة لكل عشاق القراءة، حيث استقبل غزالى فى دكانه رموز الفكر والثقافة ومنهم  صلاح جاهين، أمل دنقل، عبدالرحمن الأبنودى، وشاعر المقاومة محمود درويش والذى عبر عن اعجابه الشديد بأولاد الأرض حين قال ” عندما سمعت هذه الكلمات شعرت أننى أتحول الى تلميذ مبتدئ فى مدرسة شعر المقاومة”.

ظل الكابتن غزالى حتى اللحظات الأخيرة فى عمره يتذكر أيام المقاومة والكفاح ويتغنى بألحان السمسمية التى كانت إحدى أسلحة المقاومة الشعبية بالسويس.

كانت ذكريات المقاومة طوال الوقت حية بداخله حكى فى احد حواراته عن تلك الأيام التى لم تنمح من وجدانه: “كان وقع هزيمة 67 مباغتا علينا، فى غمضة عين أصبحت قوات العدو الإسرائيلى على بعد أمتار من السويس، التى امتلأت شوارعها بالجنود المنسحبين، ليخرج أهل السويس جميعهم بما فيهم النساء على غير العادة فى مظاهرة إنسانية لمساعدة هؤلاء الجنود والضباط.. لم يمر وقت طويل حتى صدر قرار تهجير مدن القناة بسبب استهداف العدو للسويس، ولكنى لم أهاجر وبقيت فى السويس”.

وأضاف:” أصبحت قائدًا لأكبر قطاع فى المقاومة الشعبية الذى انبثقت منه منظمة سيناء الفدائية، وأخذنا مواقع للعمليات الفدائية بشكل تلقائى حتى بدأ الجيش فى التواصل معنا من أجل تنظيم المقاومة الشعبية، وأصبحت رئيس المنطقة المنوط بها حماية الشواطئ والمصانع وهى تعد منطقة خطيرة، وأهدافا استراتيجية للعدو، ولم يكن لدينا وقتها سوى أسلحة تقليدية غير متكافئة مع أسلحة العدو المتطورة، فكان من الضرورى أن نبتكر شكلا من أشكال من المقاومة المعنوية والنفسية حتى لا نصاب بالملل، خاصة وأن ما رأته السويس طوال 6 سنوات لم تره من قبل وظلت فى مواجهة مع العدو طوال هذه الفترة، وقدم الشعب نماذج من التضحية والاستشهاد فى سبيل الدفاع عن الوطن.

واستكمل الكابتن غزالي:،”بدأت فى التفكير عن كيفية إشعال حماس شباب المقاومة حتى لا يصابوا بالملل، فأقمت مكتبة ومحيت أمية عدد كبير من شباب المقاومة، ثم هدانا الله وقتها إلى سلاح التراث الشعبي، وأغانى المقاومة، خاصة وأن السويس كانت تزخر بتراث شعبى كبير، وبدأنا نوظف السمسمية كآلة متاحة يمكن لأى أحد أن يعملها لتكون سلاحًا لنا.

وتابع: “بدأت أكتب أغانى السمسمية وعلى الرغم من ركاكة النظم لكنها كانت صاحبة معانٍ صادمة، وبدأت الناس تحفظها وترددها كسلاح للمقاومة وكانت تأتينا زيارات يومية للصحفيين من كل أنحاء العالم لنبين لهم أننا نغنى وصامدون، وبعثت هذه الأغانى روحا جديدة لشباب المقاومة.وأكد غزالى أن تلك الألحان والكلمات التى كانت تغنى على السمسمية، كان لها وقع السحر فى وجدان الناس، والمثقفين بدءوا ينتبهوا لأهمية هذا الدور.

واختتم قائلا: “استمريت بدورى فى المقاومة حتى تم اعتقالى يوم 7 مارس 1973 بسبب خلافى مع نظام ما بعد عبد الناصر، وتم تحديد إقامتى فى بنها وبقيت بها نحو سنة، رجعت من بعدها الى السويس، وهنا ظهرت فكرة فرقة “ولاد الأرض للسمسمية” وبدأت تظهر فرق فى مختلف مدن القناة وانتشرت دعوة المقاومة بالفكر والثقافة، وكانت كل كلمات أغانى فرقة “أولاد الأرض تراهن على بكرة”.