سمير فريد والمخرجات العربيات محامى المبدعات وكبير قضاة فن السينما بقلم: صفاء الليثى   «إلى اسم صديقتى المخرجة والكاتبة نبيهة لطفى (1937-2015)» هكذا يهدى سمير فريد كتابه، أفلام المخرجات فى

100100

سمير فريد والمخرجات العربيات

محامى المبدعات وكبير قضاة فن السينما

بقلم:

صفاء الليثى

 

«إلى اسم صديقتى المخرجة والكاتبة نبيهة لطفى (1937-2015)» هكذا يهدى سمير فريد كتابه، أفلام المخرجات فى السينما العربية، كنت شاهدة على العلاقة الجدلية التي ربطت بينهما، نبيهة المقدرة والمعجبة تنتقده دائما وجها لوجه وهو يقابل نقدها بابتسامة ودعابة، مخرجة وناقدة أيضا مع ناقد تفرغ كلية للنقد السينمائي، منحه كل وقته ومنحه النقد التقدير الذى يستحقه وآخرها تكريم مهرجان برلين بمنحه جائزة الكاميرا عن دوره فى النقد السينمائي كأول ناقد عربى يحصل على هذا التكريم.

يبدأ فريد كتابه بمقدمة عن نوعي النقد، الأول المباشر فور عرض العمل الفني والثاني نقده بعد فترة وإعادة اكتشافه، يؤكد أنه لا تراتبية بينهما ولا بديل لأحدهما عن الآخر. يميل فريد دوما إلى تحديد المفاهيم والدقة فى ذكر تاريخ ما كتب لأهميته لتحديد الفوارق بين نقد المراجعات السريعة وبين نقد الدراسات. وينتهى إلى أن الكتاب يضم ملامح نقدية مع أفلام المخرجات فى السينما العربية طوال 30 سنة من 1985 إلى 2015. بادئا بالبحث المعنون صورة المرأة فى السينما العربية مستعرضا فيه مراحل تطور السينما وتطور الحركة النسائية فى مصر، مستشهدا بما كتبته الدكتورة سامية الساعاتى من أنه ما دامت الظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية المعاصرة باقية كما هى عليه، فإن المكانة الاجتماعية للمرأة المصرية المعاصرة ستبقى كما هى عليه أيضا، ثم يؤرخ سريعا لدور المرأة فى التمثيل والإخراج والإنتاج وكيف أنهن انتزعن فرصة الإخراج بالإقدام على الإنتاج لأنفسهن. يمضى الناقد فى دراسته مستعينا بالعديد من المراجع بلغت 19 مرجعا مركزا على المرأة فى السينما المصرية مع المرور عليها فى أفلام عربية.

وباستعراض عناوين مقالات الكتاب المجمعة ومنها، من عزيزة أمير إلى إيناس الدغيدى، الذى ينتهى بأن عنوان فيلمها «الباحثات عن الحرية» عنوان يدل على موضوعه، فلا توجد فى مصر والعالم العربى اليوم مشكلة أكبر من مشكلة البحث عن الحرية للنساء والرجال معا. آراء سمير فريد قاطعة ودائما هناك ربط بين العمل الفنى أو الموضوع الذى يتناوله بالسياق السياسى والاجتماعى المعبر عن وقت صدوره بحيث تصلح مقالاته لدراسة عن علاقة المنتج الفنى بقضايا الوطن فى مرحلة ما. وليس أدل على ذلك إلا من تكرار كلمة صورة المرأة العربية فى عناوين أكثر من مقال. يقدم فريد المخرجة جوسلين صعب ويصغها بأنها لبنان الحقيقية عبر عرضه لفيلمها «غزل البنات» مقال مكثف عن لبنان والسينما وجيل الحرب الذى أدهش المخرجة وحاولت التعبير عنه. بالطبع يذكر تاريخ نشر المقال فيقدم للقارئ المتخصص خدمة تفيد فهم الرأى فى سياقه التاريخى. تمضى العناوين وأتوقف عند مقاله عن فيلم أسماء البكرى «شحاذون ونبلاء» الذى يصفه بمحاولة لتجسيد الأفكار المجردة، كتبه عام 1991 بعد عرض الفيلم ولكنه عدله بعد رحيلها مباشرة ويبدؤه بالتعريف بها، تخرجها فى الآداب وعملها مع يوسف شاهين، وينتهى فيه إلى عرض فكرة مدى صلاحية النص الأدبى للتعبير عنه فى السينما، فى رأيه أن رواية ألبير قصيرى لا تصلح للسينما لأنها لم تصل بعد للتعبير عن الأفكار الفلسفية المجردة إلا فى عدد محدود من الأفلام ومخرج واحد هو اندريه تاركوفسكى. سمير فريد لا يكتب فقط من أجل ممارسة النقد بل يقوم مع كل مقال بمساندة العمل خاصة إذا صادف تعنتا من سياسة التوزيع وما أسماه مهازل دور السينما فى مصر فعن فيلم هالة خليل «قص ولصق» كتب أنه محاولة للخروج من النفق المظلم الذى تعيش فيه السينما المصرية منذ عقد من الزمان. وينتهى إلى القول، هذا فيلم حقيقى ومصرى حقيقى وسينما حقيقية، جريدة الجمهورية 2007. ساند سمير فريد طالبة معهد السينما هبة يسرى وفيلمها «المهنة امرأة» حين منعته عميدة المعهد من العرض وكانت مقالته القوية فى جرية المصرى اليوم أكتوبر 2005 عاملا للانتباه إلى فيلم وصفه بأنه عمل فنى وإبداع يأتى بالحرية وليس بالمنع. ويستمر فريد فى تناول أفلام قصيرة علامات فى هذا النوع الذى برزت فيه مخرجات عديدات منهن مخرجة أسانسير المستقل هديل نظمى، حتى أنه كتب مقالا تعريفيا بالفيلم وبحركة السينما المستقلة ثم مقال مساندة ضد منع الفيلم الذى حصد جائزة بالخارج بينما منعته عقليات أمنية فى الداخل فكان مقاله القوى الأسانسير بين ذهب روتردام وسيف الأمن. وهكذا يمكنك من قراءة عنوان المقال أن تستنتج ما يهدف إليه وتتحمس لقراءة المرافعة التى يقدمها محامى المبدعين القدير الناقد السينمائى سمير فريد. تجده يصف فيلم المخرجة تهانى راشد «البنات دول» بأنه حدث فى السينما التسجيلية المصرية، ويتابع بالدفاع عما أسماه شرف السينما التسجيلية. ينتهى إلى الربط بين تهانى راشد وهبة يسرى رغم الاختلاف العمرى، فهما ليستا من الجيل نفسه ولكنهما من الاتجاه نفسه الذى يجعل للكاميرا عينا ثاقبة تكشف المستور وتنبه وتحذر. الكتاب بقطعه الصغير شديد الدسامة يربطه نسيج واحد من الانتصار للفن الجيد والتنبيه إلى صناعه، فيلم واحد صفر الذى يصفه بأنه حدث يعلن مولد كاتبة جديدة ومخرجة كبيرة، مريم نعوم وكاملة أبو ذكرى. و«هرج ومرج» علامة جديدة للسينما المصرية المستقلة ومخرجته نادين خان. ينتهى الكتاب بمقال عن فيلم المخرجة هالة لطفى «الخروج للنهار» وصورته على الغلاف تعنى مقدار تحمس فريد لفيلم وصفه بأنه تحفة من روائع السينما تتاح لجمهورها فى مصر. ويذكر أنه شاهد الفيلم أثناء المونتاج، وفى عرضه العالمى الأول قبل عرضه العام بالقاهرة فى سينما زاوية ويصفها بأنها أروع زوايا السينما فى مصر. مقالات سمير فريد درس فى المراجعات، كيف يورد المعلومات والرأى، وكيف يصرح بانحيازه، سواء للعمل أو لصاحبه أو حتى لسياسة التوزيع التى تحمست لعرضه فى لغة مكثفة تعكس خبرة الكتابة فى الحافة التى يقدرها والتى تفخر بانتمائه لها صحفيا متخصصا فى النقد السينمائى، يعرف الفارق بين مقال يكتبه بحماس وفى عجالة وقيمة دراسة متأنية أو مقالات تالية بعد مشاهدات عدة كما مقالاته المتتالية عن «الخروج للنهار» كل بزاوية مختلفة تعكس فهما لفن السينما وانحيازا للراقى منها.

انهض فلن تفنى، لقد نوديت باسمك، لقد بعثت، شادى عبد السلام فى المومياء الذى عرض بفينيسيا عام 1970 ومنذ اللحظة تصادق المبدع والناقد فى علاقة ندية يحتاج فيها كل منهما الآخر، تاريخ طويل قطعه سمير فريد متابعا لأفلام السينما مصرية وعربية وعالمية، محاميا عن روائعها وعن قضايا صناعها.