نصر أبو زيد.. لسه الأغانى ممكنة!!     بقلم : محمد فريد أبو سعدة   أكره هذا اليوم الغريب، عندما اجتمعنا، دون ترتيب سابق، فى مكتب معاون اللاسلكى بشرطة نجدة

300333

نصر أبو زيد.. لسه الأغانى ممكنة!!

 

 

بقلم :

محمد فريد أبو سعدة

 

أكره هذا اليوم الغريب، عندما اجتمعنا، دون ترتيب سابق، فى مكتب معاون اللاسلكى بشرطة نجدة المحلة الكبرى، كنا أنا والمنسى قنديل عند جار النبى الحلو فى حجرته الوحيدة على السطح، لا أذكر ما الذى جعلنا فى الظلام الذى تمليه ظروف الحرب، لنجوب شوارع المحلة، مررنا برمضان جميل ونزل معنا ولا أذكر كيف وجدنا محمد صالح فانضم إلينا وذهبنا جميعا إلى صديقنا الشاعر فى شرطة النجدة!!

فى الظلام كنا نستمع إلى راديو صغير، وكان الراديو يردد شفرات فهمنا منها حجم الخسارة، إذ كان اسم حركى يطلب من اسم حركى آخر أن ينسحب إلى خط الدفاع الأول!

هل كنا غاضبين؟! هل كنا ممرورين؟! هل كنا آسفين لما آلت إليه الأحوال؟!

كان بعضنا يشعر بأنه كان يقرأ الإشارات أفضل من الآخرين وان الأمور تنجلى هكذا عن توقعاته، كان نصر حامد رزق ناقما على الثورة وكان يقول: إنها على الرغم من كل نواياها الحسنة، فقد أممت كل شيء، ومن ضمن هذا التأميم تأميم الأفكار!

كان نصر يصنع لنا الشاى فى مكتبه وهو ينظر إلينا ويقول: النوايا الحسنة لا تصنع تقدما، مشاركة الشعوب هى التى تصنع التقدم.

ستة أشباح يتحركون فى الظلام، فى شوارع شحيحة البشر، يرهصون بالمجهول القادم، ويصغون إلى رهاناتهم التى تتشكل ببطء وألم.

كان نصر دوننا جميعا، يميل إلى التنقيب فى التراث، ويسفر فى الجدل الدائر بيننا عن حذق فى ربط ما جرى بسياقات دينية وليبرالية فى جامعة القاهرة بعد ان كنا تلامذة فى الثانوية، وكان جابر عصفور بالكاد قد حل مشكلته بتدخل مباشر من عبد الناصر، وتم تعيينه فى جامعة القاهرة بعد أن عين وهو الأول على دفعته مدرسا فى قرى الفيوم!

لا اعرف هل سيكون لذلك معنى، اقصد هل سيكون لاستعانة جابر بعبد الناصر من خلال رسالة دور فى تشكيل مصيره، وهل سيكون انقلاب نصر على عمله كمعاون لاسلكى فى الشرطة عاملا فى تشكيل مصيره أيضا!

تقدم نصر ليأخذ الثانوية العامة «نظام الثلاث سنوات» دفعة واحدة، وكان عليه ان يدرس اللغة الفرنسية، فقام بهذه المهمة بكر الحلو، مدرس اللغة الفرنسية والأخ الأكبر لجار النبى الحلو الذى كنا انا والمنسى نذاكر معه فى الحجرة التى فوق السطح

كان نصر يصعد للسلام علينا بعد درسه مع بكر أو قبله، وكنا نجد وقتا مسروقا للتحدث فى الأدب أو السياسة أو سماع أشعاره

«قلبى قارورة عطر

انسكبت ذات صباح

فوق بساط الأرض الأخضر

ملأت كون الله سلاما ومحبة

وترانيما علوية

أطعمت الجائع، كست العاري

لكنك يا شاعرنا الأكبر

لا زلت تغني

لعشيقتك السمراء بقاعات الهيلتون

ولذات النهد الرجراج بباريس

ولساق الثالثة الأخرى فى مدريد

وغناؤك رغم الأحزان

يدق الباب، ويدخل دون استئذان

ردهات الدار

ليعكر صفو الحزن الكامن فى الأعماق»

كنت طالبا فى كلية الفنون التطبيقية عندما نجح نصر، وانتسب إلى كلية الآداب، وانتقل للعمل بالقاهرة فى نفس المجال، كنت احضر معه كثيرا من محاضرات د. حسن حنفي، ود. عاطف العراقى والمعيد الجديد جابر عصفور، الذى كان يدرس«تخليص الإبريز» للطهطاوى و«عودة الروح» لتوفيق الحكيم، أغرانى نصر بالانتساب إلى كلية الآداب، وبالفعل تقدمت بأوراقى لشئون الطلبة، لكنهم كانوا يريدون موافقة جهة العمل!! فاسقط فى يدي.

تخرجنا معا أنا من الفنون وهو من الآداب فى 1972، ولأنه كان مجتهدا وأول دفعته فى معظم السنوات، فقد عين معيدا بالكلية، مغيرا حياته بنجاح منقطع النظير، من معاون لاسلكى بشرطة النجدة إلى أستاذ جامعى مرموق، لكنه مع الانشغال ببحوثه الشائكة ضاع منه الشعر، وان بقى من الشاعر القديم هذا التذوق الرفيع للإبداع والدفاع القوى عن المبدعين.

70999

تغيير اسمه من نصر حامد رزق إلى نصر أبو زيد

بدأت العمل فى القاهرة ابتداء من 1973 وكنت أزوره فى بيته حيث امتلأت الأرضيات بالكتب ثم تسلقت الحيطان، أشفقت عليه من موضوع الماجستير الذى اختاره، وشعرت انه يفلت مني، وان اهتماماته لم تعد تتماشى مع اهتماماتي، كنت افقده كلما ازدادت قناعاتى اليسارية وازدادت قناعاته الليبرالية، كان يقول: انه منذ حرب 67 انقلبت المعادلة، فلم تعد الحداثة مرجع تأويل التراث بل صار التراث مرجع تأويل الحداثة، وأصبح التراث هو المتن الذى يؤول عليه!

ويقول: منذ القرن الثالث الهجرى تم حسم الجدل الفكرى حول فكرة خلق القرآن، عندما تدخل المأمون وفرض الفكرة بقوة الدولة، ثم جاء المتوكل وقام بعكس ذلك، واضطهد المعتزلة، ومنذ صدور الوثيقة المتوكلية حول العقائد الصحيحة لأهل السنة، التى تتضمن أن القرآن أزلى قديم، تجمدت المشكلة وأوقفت الأسئلة لصالح مؤسسة لاهوتية هى أشعرية/ حنبلية، يصب لى الشاي، عايز كام معلقة سكر، يخرجنى من شرودى فى كلامه، أشير له بالرقم، ثم يجلس ويرتشف من الشاى ويحلق فى السقف قليلا ويقول: نحن يا أستاذ فريد نعمل على النظام المعرفى الذى أسسه الشافعى فى القرن الثالث الهجري، والقائم على أن النص مقدس لأنه لغة ورسالة ليسا من صنع البشر، ومحاولة اختراق هذا النظام معناها أن نقول، انه إذا كانت الرسالة إلهية فان اللغة ليست إلهية، فالوحى تواصل غير لغوي، وبالتالى فان صياغة الرسالة إنسانية!

كان نصر آخر ممثل لتيار النهضة العربية، الذى بدأ بالشيخ محمد عبده عندما تكلم عن التمثيل فى القرآن، واعتبر أن القصص القرآنى تمثيلات «بما فيها قصة آدم وخروجه من الجنة» والتمثيل مفهوم بلاغى!

وطه حسين الذى أشار إلى أن القصة القرآنية عن إبراهيم وإسماعيل ليس من الضرورة اعتبارها واقعة تاريخية، وأمين الخولى الذى اعتبر أن أدبية القرآن هى السمة الأساسية التى تستبق اى سمة أخرى، وان التحليل الأدبي، وفن القول يسبقان اى تحليل فلسفى أو فقهي، وهو ما طبقته عائشة عبد الرحمن فى التفسير البياني، ومحمد خلف الله فى رسالته عن الفن القصصى فى القرآن، وشكرى عياد فى رسالته عن يوم الحساب فى القرآن، وانه اى نصر يتواصل مع هذا الخط فى سياق تطور النظرية الأدبية وعلم النصوص.

ظل الحوار مع نصر طويلا، وحتى عندما أصبح من الصعب لقاؤه استمر من خلال كتبه، الدرس الذى استفدته شخصيا من خلال هذا الحوار يمكن تلخيصه فى أن الايديولوجيا غمامة تجعلنا فى بعض الأحيان نستمر فى الدوران حول قناعاتنا كالثيران التى تدير الساقية مغماة فلا تعرف أنها تدور حول نفسها فيما تظن أنها تتقدم للإمام!!

أرسل لى من هولاندا يقول: «كم سعدت بخبر انضمامك للعاملين فى مجال «الحقوق» – مشيرا إلى كونى مدير تحرير مجلة «رواق عربي» – يبدو أن هذا هو مجال الاحتشاد الآن دفاعا عن حقوقنا وحقوق أهلنا فى كل مكان من الوطن العربي، بل كل مكان على ظهر الأرض، هل ترى يا صديقى كيف تشعبت مصائرنا، وهل يمكن أن ننسى أيام المحلة، لكن ما ابعد المسافة بين الأمس واليوم».

لقد راهن نصر على المستقبل، راهن على الإسلام المتفتح، على التسامح الدينى وعلى الحرية المستعادة، راهن على هذا كله بالموت، اذ جعل السلفيون الظلاميون الموت ثمنا لكل هذا، وأقدم نصر على الرهان، بالرغم من قتل فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، واستمر أيضا بالرغم من تكفيره فى الجامعة، وعرقلة وجوده كأستاذ جامعي، ومصادرة كتبه، وتلويث شرفه أمام تلاميذه، ثم محاكمته خارج الجامعة والتفريق بينه وبين زوجته وهو ما يعنى إهدار دمه باعتباره مرتدا عن الإسلام!

فلما اصبح وجوده مستحيلا نأى بنفسه وبزوجته من ظلام الجامعة وظلمات المحاكم، وسافر مضطرا الى هولاندا لتستمر فى المنفى جهوده النقدية، بادئا دروسه للطلاب بطقوس الخطاب الاسلامى «اذ كنت حريصا على ان اؤكد لهم انى ناقد للفكر الاسلامى من داخل الاسلام، وانى مسلم، وان القضية ليست قضية دينية، ولكنها قضية سياسية فى الجوهر».

بعد كل هذه الأعوام فى المنفى جاء نصر وجاءت ابتهال يونس لنحتفل فى القاهرة بعيد ميلاده الستين، أقامت كلية الآداب هذا الحفل، وحضره وجوه الفكر فى هذه الأمة، وامتلأ صوته بالبكاء وهو يذكر الذين رحلوا وهو فى المنفى، لا يستطيع أن يشارك فى عزائهم «أنا بعيد عن المكان وليس عن الناس، احمل حبى للمصريين وغضبى على مصر».

كان مسكونا بهاجس الموت ومسكونا بالغضب، عندما وقف على مقبرة «باب الصغير» حيث يرقد الشاعر الكبير نزار قباني، كان حزينا لان مصيرا كمصير الشاعر ربما ينتظره هنا او هناك، فيرفض المتطرفون والظلاميون إدخال جثمانه للصلاة عليه فى الجامع كما فعلوا مع نزار فى لندن.

وفى زيارته لسوريا لتأسيس مؤسسته الفكرية، عندما استمع إلى محمد منير يغنى فى دمشق

«علّى صوتك بالغنا

لسه الأغانى ممكنة»

انتفض المفكر الكبير ولم يستطع أن يتحكم فى دموعه، وراح يسأل نفسه

أفعلا هى ممكنة؟!