«يابانى أصلى».. مصر «فيها حاجة حلوة»! يُحسب للفيلم أنه لم يقع فى شرك الإساءة للطرف اليابانى جريا على عادة بعض الأفلام التى تستدعى «الآخر» لتسخر منه بقلم : مجدى الطيب

3222

«يابانى أصلى».. مصر «فيها حاجة حلوة»!

يُحسب للفيلم أنه لم يقع فى شرك الإساءة للطرف اليابانى جريا على عادة بعض الأفلام التى تستدعى «الآخر» لتسخر منه

sora-magdy-el-tayb-45

بقلم :

مجدى الطيب

 

كما حدث فى فيلم «القرموطى فى أرض النار»، الذى صدر ضده حكم بالإعدام، دون أن تتاح للبعض فرصة مشاهدته، لمجرد أن بطله هو أحمد آدم، ولأنه فيلم كوميدي، تكرر الحال فى فيلم «يابانى أصلي»، الذى بادر البعض إلى تجاهله، وربما اتهامه بالإساءة إلى مصر، كونه أظهر النيل ملوثا، والتعليم فاسدا، والشعب غير متحضر، والحارة تعج بالبلطجية!

غير أن إعمال نظرية «نصف الكوب الممتلئ» يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن المؤلف لؤى السيد والمخرج محمود كريم، ومعهما الممثل أحمد عيد، وظفوا الواقع القاسى للوصول إلى الحقيقة التى قد تبدو مُرة، على غرار ما فعل المؤلف أيمن بهجت قمر من قبل فى فيلم «عسل أسود»، وهو يصرخ فى وجوهنا: «فيها حاجة حلوة»!

«يابانى أصلي» عن المواطن المصرى «مُحرم» (أحمد عيد)، مندوب شركة السياحة، الذى تزوج «ساكورا» (ساكى تسوكاموتو)، عضو البعثة الدبلوماسية اليابانية التى تُعلم أعضاء البعثة اللغة العربية، وبعد عام من الزواج ضاقت بها الحياة فى صفط اللبن، نتيجة اختلاف الطباع والقيم الأخلاقية والسلوكيات الشخصية، وطلبت زيارة أهلها، مع طفليها التوأم «مصطفى» و«عبد الرحمن»، لكنها ذهبت ولم تعد، ما دفع «مُحرم» إلى اللجوء للمحكمة، التى أقرت له بحضانة الأولاد لكن ممثل السفارة ومحاميها (عبد الرحيم حسن) تدخلا، بدعم من السفير، لإقناعه بترك الطفلين لأمهما مقابل ثمانين ألف دولار، وهو العرض الذى يرفضه بشكل قاطع، ويصل الطرفان إلى اتفاق قانونى يقضى بتنفيذ الحكم، فى مهلة لا تتجاوز الستة أشهر، وفى حال انخفاض مستوى الرعاية الصحية والتعليمية تنتقل الحضانة إلى الأم اليابانية!

هنا يرتكب المؤلف خطأ عجيبا عندما يُظهر المحامى «فرحات الديب» (هشام إسماعيل)، وكأنه متواطئ يسعى لإقناع «مُحرم» بالتعجيل بالتوقيع على عقد الاتفاق دون قراءة بنوده، ورغم هذا تسير الأمور هادئة إلى أن نفاجأ بوجود بندين فى العقد ينزعان الطفلين عن الأب فى حال فقد الوظيفة أو اتهامه فى قضية مخلة بالشرف، ويتجدد الغموض دون أية إشارة للدور الذى لعبه المحامى من عدمه!

988

لم يترك الفيلم منظومة دون أن يفضح سلبياتها، وسوءاتها؛ فالمنظومة التعليمية تعانى الوساطة والفساد الأخلاقى (مدرس اللغة الانجليزية يتردد على شقة دعارة/ التلاميذ يتبادلون الأفلام الجنسية ويتعاطون المخدرات والفن الهابط والرقص/ مصروفات المدارس مُبالغ فيها) والمنظومة الإعلامية غوغائية ومُصابة بهوس وتشنج (مقدم برنامج «المستقبل لينا») على الرغم من تأكيد الفيلم أن استعادة الطفلين جاء استجابة للضغط المبذول من الصحافة والقنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي، بينما يتمثل خلل المنظومة الاجتماعية فى أطفال الشوارع وتشغيل الأطفال فى سن مبكرة، والقسوة المفرطة فى التعامل معهم (الطفل «شادي» الذى يساعد والده البواب)، والانفلات المجتمعى واضح (الحارة)، فيما تجلى فساد المنظومة الصحية فى الكلفة الباهظة للعلاج (الأب يغادر المستشفى بطفليه قبل أن يفيقا من الغيبوبة حتى لا يتحمل نفقات الإقامة)، وتتصدر الأزمة الاقتصادية المشهد (المحامى يعمل سائق تاكسى ليزيد دخله)!

اتسم الفيلم بطرافة فى اختيار أسماء الشخصيات اليابانية؛ مثل: «سوزوكي» و«ساكورا» و«تاناكا» لكن يُحسب للفيلم أنه لم يقع فى شرك الإساءة للطرف الياباني، جريا على عادة بعض الأفلام التى تستدعى «الآخر» لتسخر منه، مثلما حالف التوفيق الكاتب والمخرج عندما وظفا الكوميديا السوداء «Black Comedy» كإطار لطرح أفكارهما شديدة الأهمية، معتمدين على أسلوب «السهل الممتنع»، الذى أشهد بأنه نجح فى مخاطبة طبقات وشرائح اجتماعية متباينة، وإن بدت المبالغة كبيرة، وغير واقعية، فى القول إن البطل وقع «بروتوكول تعاون» شفهى مع أهل الحارة يلتزمون بعده بالهدوء والأدب والأخلاق للابقاء على أمله فى حضانة الطفلين!

بالطبع حفل الفيلم ببعض الثغرات؛ كالأغنية المحشورة والمقحمة، التى غناها المطرب الشعبى حمزة الصغير، وحملت عنوان «عايش على الورق»، والخلل فى تنفيذ مشهد استيقاظ الأب على طفليه أثناء تعاطى المخدرات مع أطفال الشوارع؛ حيث بدا وكأننا حيال «كابوس» قبل أن نفاجأ بأنه مشهد واقعي، وهو الخلل الذى تكرر مع القطع الحاد (مونتاج عمرو عاصم) على مشهد تحول الحارة الشعبية إلى التحضر المأمول، وتخلص أهلها من العادات والأخلاقيات السيئة؛ حيث افتقد المشهد المنطق والتمهيد الذى يبرره، فضلا عن النهاية السعيدة التى بدت وكأنها جاءت بتعليمات رقابية، لكن يُحسب للفيلم إشاراته الجريئة إلى النبوغ المبكر للطفل المصري، والضغوط الحياتية والاقتصادية، وجرعة المشاعر الإنسانية الفياضة التى تم تنفيذها بحرفية وإتقان، فى رحلة هروب الأب وطفليه، وتفوق المخرج،فى تجربته الأولى، فى قيادة فريق العمل بالكامل، وضبط انفعالات الممثلين، والاحتفاء بموهبة الرائعين محمد ثروت وندا موسى.