أجلت كثيرا كتابة هذا الموضوع بحجة القيام ببحث شامل وواف فيه، ولكنه نظرا لأنه يبدو أننى لن أتمكن من ذلك فى المدى القريب، رأيت أن أضع إشارات أو بعض اللمسات

1465587627_406_69163_9d5ab8af843ea82ff8132d9295b2976c-jpg%d9%82%d9%84%d8%a8%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%87%d8%ba%d9%84%d8%a7%d8%b9%d9%82%d8%a8%d8%b9%d8%ab%d8%a8
629

محمد العجاتي

أجلت كثيرا كتابة هذا الموضوع بحجة القيام ببحث شامل وواف فيه، ولكنه نظرا لأنه يبدو أننى لن أتمكن من ذلك فى المدى القريب، رأيت أن أضع إشارات أو بعض اللمسات الأولى للفكرة علها تكون البداية، الموضوع ببساطة يا سادة يا كرام عن الرؤى الفكرية للشاعر فؤاد حداد وهل ما كتبه هو فقط شعر له جرس لغوى جذل ولغة فصحى أو عامية رصينة ومبتكرة تحمل معان معتبرة، أم أنه أفكار فلسفية وسياسية لرجل اتخذ من موهبته الشعرية وسيلة لطرح رؤيته.

العم فؤاد حداد كتب ديوانه الأول فى المعتقل وهو «أحرار وراء القضبان» الذى كان اسمه «أفرجوا عن المسجونين السياسيين» ونشره بعد خروجه من المعتقل عام 1956، قبل أن يعتقل مرة أخرى عام 1959، وهو ما قد يدل على ان الفكر لديه كان سبقا على الشعر، كما قد يرجح ذلك ايضا تطويع اللغة لتلائم الفكرة، طبعا دون إهانة للغة، كما فى قوله على سبيل المثال فى قصيدة «كتب وناس» من ديوان المسحراتي: «قريت لطه وللحكيم.. ولعم بيرم وللنديم.. ومن المعرة على بولاق.. أبو العلا من أبو العلاء.. شفت الجميل يشكر الجميل.. فى كل حته وفى كل جيل.. من فننا جاءت الفنون.. من شاعرٍ جاءَ شاعرون.. ومن تراثٍ لنا عريق.. شيوخ أوروبا على الطريق».

خلاصة الفكرة وإن سمحتم لى بنقلها كما صغتها فى ذكراه قبل الأخيرة فى «منشور» على «الفيس بوك» هي: «شوية كلام عن عم فؤاد حداد او كما يصفه صديقى د. رائد سلامة سيدنا ومولانا ووالد الشعراء… المفكرين احتاروا كتير فى قضايا بيقولوا عليها معقدة كان بيجى هو وفى بيت شعر أو اثنين يحلها لك-امثلة: قضية التراث والحداثة )هل يجب ان نستلهم من تراثنا أم نتبع نماذج حديثة للتطور التقدم؟( فيقول فى قصيدة الأرض بتتكلم عربي: «الارض بتتكلم عربى بوجد وشوق.. الفرع اللى يهم لفوق.. لاجل الجدر يشم الضوء». أما عن طبيعة الثقافة وهل هى تراكم علمى ام خبرات حياتية فيقول لك يا سيدى فى ديوان المسحراتى «فاتح مارس ساعة السحور.. وطبلتى طبلة الحضور.. خدت الثقافة على أساس أن الثقافة كتب وناس». طيب عن الوطنية قال معناها فى 3 ابيات «أنا بلدى حره بنيت على غصنها عشي.. ولقمة الحب بتفطرنى وتعشي.. انا عايز ابنى يعيش والظلم ما يعشي» اما عن مصير الظلم لما تحس انه ما بينتهيش فيقولك: «النور ما يتحوطش بالحراس.. حيعجزه شيء فى قلوب الناس.. شيء فى بلاد الله ماهوش ع الخرطه.. وما يتملكشى بالدهب والرصاص». اما عن المقاومة استراتيجياتها ووسائلها فيلخصها فى قصيدة أزرع كل الارض مقاومة لما يقول: «كون البادئ كون البادئ.. كل فروع الحق بنادق.. غير الدم ماحدش صادق.. من أيام الوطن اللاجئ إلى يوم الوطن المنصور». ودى بداية ان شاء الله ناوى اكتب حاجة طويلة عن الموضوع ده، طبعا ده فهمى الخاص ويظل المعنى فى بطن الشاعر» )انتهى النقل) أستكمل معكم هنا محاولة لأخذ خطوة أبعد، عبر مجموعة من الأمثلة بعضها ذى طابع سياسى وبعضها يغلب عليه الطابع الفلسفي.

مش ممكن كل شيء ينعكس.. الراية اللى رفعها الشهيد تنتكس.. أنفاسه اللى طالعه السما تنحبس.. المغرب يدّن فى الفجر

ففى الفلسفة كما أشارنا فى المنشور لقضية التراث والمعاصرة، وطبيعة الثقافة نجد نماذج أخرى على سبيل المثال فكرة العلاقة بين الفرد والجماعة يعبر عنها شاعرنا بقوله «كلمة أنا ما تحلاش إلا بدفا الجماعة.. زى لمّا تخبط على باب الحبايب ويسألوا «مين؟» تقول «أنا» ويعرفوك من حسك». أما عن فكرة الاختيار ما بين سيئين والتى يجد المرء نفسه محصورا بينهما كثيرا فيدعو شاعرنا للمقاطعة والامتناع عن أى من الخيارين عندما يكتب فى قصيدته لا للقط ولا للفار « لا يجدى الفكر الإنساني.. أن يعلمَ أيهما الجاني.. فى رأى الأول والثاني.. أن الحق مع الأظفار.. لا للقط ولا للفار.. فى رأى الثانى والأول.. أن الدنيا لا تتبدل.. إما أن تأكلَ أو تؤكل.. هل للعاقلِ أن يختار؟». أما عن تبدل المواقف وارتباك القيم فيدعو فؤاد حداد بالتمسك بالقيم والتأكيد أنه لا يمكن للحق ان يتبدل ففى ديوان الشقى والعاقل على مزاج الوطن، يقول حداد «أفتح بُقى كده.. أفتح عينيَّ.. أستلهم وجوه من تاريخي.. ومن حواليَّ.. أحاول أرد: مش ممكن كل شيء ينعكس.. الراية اللى رفعها الشهيد تنتكس.. أنفاسه اللى طالعه السما تنحبس.. المغرب يدّن فى الفجر».

ينسب لأمير المؤمنين على بن أبى طالب قوله «لا تربوا أبناءكم كما رباكم أباؤكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانك» يعبر عن هذه المقولة فؤاد حداد بخفة ظل مص مزوجة بحكمته بلغة أطفال العصر «ﻫﻞ ﺍﻟﻄﻔﻞ فى ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ ﻫﻮ ﺳﻮﺳﻮ ﻭﺗﻮﺗﻮ ﻭﻟﻮﻟﻮ بنى ﺑﻄﻮﻁ ﻭﺗﻠﻴﻔﺰﻳﻮﻥ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﺍﳌﻤﻄﻮﻁ ﻭﺍﳌﻐﺎﻣﺮﺍﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﻄﻮﻁ ﻭﻳﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺯﻏﻨﻄﻮﻁ ﺣﲔ ﻳﺪﱠﻟﻊ ﻳﺎ ﻭﻟﺪﻱ». أما فى السياسة والتى بدت هما يحمله فؤاد حداد، وبجانب قضية الوطنية والمقاومة التى سبق الإشارة لهما وإضافة لجملته العبقرية التى تختصر كثيرا من مأسى منطقتنا «لما تقول ابنى أتولد لاجئ يعرفوك عربي»، نتوقف عند القضية الفلسطينية وتعبير انها القضية المركزية للعرب او بوصلة النضال كما يطلق عليها أنصار العروبة نجده يصوغ معنى عمليا لذلك فى قوله «ولا فى قلبى ولا عينيه إلا فلسطين.. وأنا العطشان ماليش ميه إلا فلسطين.. ولا تشيل أرض رجليه.. وتنقل خطوتى الجايه إلا فلسطين». اما عن طبيعة العلاقة بين المؤامرة الخارجية والضعف الداخلى وما يثيره ذلك من جدل، فى قصيدته «أمريكا صناعة محلية» يجدل شاعرنا العلاقة بينهما كالتالى «لما يكون لك ركن مقالة.. تعمل عيل ع الرجالة.. وترص مسائل وسآلة.. وغلت وجزارة على بقالة.. بتبيع اشى يصنع أمريكا.. امريكا صناعة محلية» وفى سياق مرتبط يعبر عن مفهوم التبعية فى قصيدته «كاوبوى دينامو» «يوم ما بترمى عقب سيجارة.. تفتح بيه توريد وتجارة.. شق الحصلة، ازرع بصلة.. نخ وطاطى تبقى ظريف». كما عبر عن معاناة المواطن المصرى مع البيروقراطية فى قصيدته الشهيرة عن الاستمارة اللى راكبة الحمارة لتدور بين الموظفين والمكاتب دون جدوى «الاستمارة راكبه الحمارة.. راحت لفكرى قال تيجى باكر.. وتروح لزكرى قال روح لشاكر.. ولا لشكري، شكرى فى اجازة.. راحت لبهجت لا حط ماذا.. ولا سألها اشر نقلها. راحت لهانى خليك مكاني.. هانى الطاطورى قال فيما يبدو.. حتروح لعبده لازم ضروري.. ضرورى لازم راحت لحازم» وعن استشهاد شهدى عطية المناضل الشيوعى فى سجون الرئيس عبد الناصر فيطرح قضية الإنسانية والتى تطورت لاحقا لتشكل مفهوم حقوق الانسان حيث يكتب فؤاد حداد نعيا الشهيد شهدى عطية وهاجيا ضابط التعذيب عبد اللطيف رشدى «كان ليه يا أمى أمارس مبدأ من الإنسانية.. قولى لأبويا اللى غارس أكثر من العلم فيه.. عبد اللطيف رشدى وارث ابنك فى جملة عبيده». إن بحثا مستفيضا فى اعمال والد الشعراء يمكن ان يكشف عن المزيد من هذا الفكر الخلاق والنصوص الممتعة للعقل قبل الفؤاد، كما أود أن أؤكد هنا ثانية ان هذه القراءة هى قراءتى الخاصة ويظل المعنى فى بطن الشاعر.