بقلم: كريم حنفى الزمن الفاصل بين حلمى بالسينما وصناعة فيلمى الأول والذى يتجاوز خمسة وعشرين عاما يبدو الآن عصيا على الفهم لا أعرف كيف انتهت رحلتى التى بدأت بخطوات متعثرة

441

بقلم: كريم حنفى

الزمن الفاصل بين حلمى بالسينما وصناعة فيلمى الأول والذى يتجاوز خمسة وعشرين عاما يبدو الآن عصيا على الفهم لا أعرف كيف انتهت رحلتى التى بدأت بخطوات متعثرة فى شوارع ومقاه وبارات وسط البلد إلى عرض الفيلم فى مهرجان القاهرة السينمائى الدولى فى دورته الذهبية المعروفة بدورة سمير فريد وهو الأمر الذى لم أكن أطمح إليه عندما بدأت هذه الرحلة ولكنى أعرف أنها كانت رحلة تستحق العناء.

اللقاء الأول بالأستاذ سمير فريد كان بتوصية من الأصدقاء الأعزاء المنتج والمخرج محمد سمير والناقد السينمائى جوزيف فهيم لأعرض عليه على استحياء نسخة عمل مبدئية من فيلمى الأول.

التقيته فى مكتب الصديق محمد سمير للمرة الأولى ذات مساء فى العام 2014 وكنت وقتها شابا منهكا فى السابعة والثلاثين من العمر أحلم بالسينما وبالتغيير شاركت فى ثورة مهزومة ولم أنته من فيلمى الأول الذى تعثر انتاجه لسنوات طوال ولا أعرف أين يمكننى عرضه بعد.

فى لقائنا الأول كنت شخصا يائسا ومهزوما لم يعرف مرة واحدة فى حياته انتصارا ولم يستغرق الأستاذ سمير سوى خمسة وستين دقيقة فقط هى مدة مشاهدته لنسخة العمل ليغير حياتى كلها إلى الأبد.

فتح لى أستاذ سمير الأبواب التى عشت حياتى كلها أطرقها على مصراعيها وتحمل وحده مغامرة اختيار فيلم صامت مدته خمس وستين دقيقة فقط من كتابة واخراج شخص هامشى ما زال يبحث عن نفسه هو حرفيا – لا أحد – لم يتخرج من المعهد العالى للسينما ولا يعرفه المنتجون والنجوم والنقاد ولا ينتمى لأى دوائر نفوذ لتمثيل مصر منفردا فى المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى وهوجم الأستاذ بسبب اختياره للفيلم منذ إعلان الخبر بعد لقائنا بأيام حتى ليلة العرض وتحمل الهجوم عليه بنبل أصحاب المهمات الكبيرة دون تململ أو وجل هذا هو سمير فريد لم يكن فقط أهم ناقد سينمائى عربى بجدارة بل كان صانعا للمبدعين كان الأستاذ مثقفا عضويا فاعلا فى مجتمعه قادرا على تثوير وعى قرائه ومستمعيه ومفكرا تنويريا كبيرا يشتبك يوميا مع قضايا مجتمعه والعالم ومفكرا تقدميا يعرف كيف يطرح الأسئلة الكبرى منشغلا باستمرار بدعم السينما الجادة والمغايرة يقدم يده للمواهب المحتاجة لدعمه وحمايته ولا يكترث للهجوم على شخصه كان الأستاذ يعرف دوره جيدا ويعرف أين ومع من ينبغى عليه أن يقف ولا يخشى أحد.

فيلم باب الوداع مارس نوعا من القطيعة الكاملة مع تراث السينما المصرية وكل ما هو سائد فيها ولهذا السبب بالتحديد لم يكن متوقعا لهذا الفيلم أدنى نجاح من أى نوع أو أى جماهيرية أو أضواء وكنت أصنع الفيلم وأنا أعرف ذلك وأحمل فى قلبى هذا الأسى وأسير به فى كل يوم فى النهاية ما قيمة أن تصنع فيلما لا يشاهده أحد؟

حتى التقيت الأستاذ للمرة الأولى فاتخذ قرارا لا يقل جذرية عن العمل ذاته وألقى بى وبالفيلم فى وجه الجمهور والنقاد والعالم ووضع الفيلم فى قلب المشهد فى أكبر حدث سينمائى بمصر بعد مشاهدة نسخة العمل فقط لا أكثر ولم يراجعنى الأستاذ مرة أخرى أو يطلب إعادة مشاهدة النسخة النهائية قبل العرض أبدا.

وثق بى الأستاذ سمير رغم أنه لم يكن يعرفنى وكان إيمانه بى وبالفيلم كاملا وصادقا منذ اللحظة الأولى وكأننى صنعت الفيلم من أجله وكانت هذه لحظة إعادة ميلاد مكتملة لم أعد بعدها الشاب الفقير المهزوم محب السينما الذى لا يعرف لها طريقا أصبحت على يديه بين ليلة وضحاها صانع الفيلم المثير للجدل الذى رشحه الأستاذ كأفضل أفلام العام دون منافس على حد تعبيره وهكذا منحت الأستاذ فيلمه المفضل فى هذا العام ومنحنى فى المقابل أسمى وجمهورى وحقق حلمى ورسم بيده مصيري هذا كل ما فى الأمر يكفى أن تصنع فيلما جيدا ليحبك سمير فريد ويدعمك ويدعم فيلمك ويغير حياتك إلى الأبد.

يعود الفضل لأى نجاح حققه باب الوداع لسمير فريد لأننى أعرف أننى قدمت عملا لم يكن أحدا سواه ليهتم أو يجرؤ على عرضه عرضا بهذا الحجم قدمنى الأستاذ وصنعنى وسأظل مدينا له بكل شيء حتى النهاية.

كان الأستاذ يلح على لأبدأ مشروع فيلمى القادم وعندما قدمت له المشروع كان يكفى أن يرفضه لألقيه جانبا أو يباركه فأكرس السنوات القادمة من عمرى وكان يعرف ذلك ويتصرف على أساس هذه المسئولية كان سمير فريد يقترح الممثلين المناسبين ويقترح بعض مواقع التصوير ويشجعنى على خوض مغامرة انتاج الفيلم مرة أخرى وللمرة الأولى لم أعد أعمل على مشروعى وحيدا كنت أكتب ليقرأ سمير فريد وأفكر لأناقش سمير فريد وأحلم لأشارك سمير فريد أحلامى ويمضى الوقت وأنا فى انتظار موعدنا القادم، وبرغم كل شيء ظل الأستاذ وهو يتلقى العلاج الذى يصيب جسده بالوهن يملك ما يكفى من الوقت لنلتقى ولم ينقطع عنى منذ لقائنا الأول يوم أن غير مسار حياتى حتى لقاءنا الأخير عندما أمسكت بيده فى غرفة المستشفى التى فارقت فيها روحه الجسد.

هذا الرجل كان أرحب وأجمل من العالم بأسره كان سمير فريد ملاكى الحارس كان يموت ويبقينى حيا قادرا على الحب والحلم والشغف.

ليس للموت وجود، الموت إعادة ميلاد، نهاية لهذه الحياة وبداية للأبدية ورحلة للاتحاد بالنور وأنت اكتملت بموتك.

أنا لست حزينا على فراقك فحسب يا أستاذ سمير أنا الآن وحيدا جدا، كنت أستعين بك على مواجهة قبح العالم وخوائه والآن لا أعرف كيف أواجه الحياة القاسية دونك الفراغ الذى خلفته لا يستطيع أن يملأه سواك كان حضورك طاغيا فى حياتى فى كل يوم طيلة السنوات الماضية منذ التقيتك حتى رحيلك.

كنت أنتظر أن تتحسن صحتك لأخبرك أننى انتهيت من السيناريو وأننى أنتظر طفلى كنت ستضحك وكنا سنذهب إلى مقهانا المفضل نختار سويا اسم الطفل ونتحدث عن السينما وأبثك قلقى وتطمئنى لقد منحتنى كل شيء يا أستاذ سمير وأخذت نصف قلبى ورحلت والآن هأنا ذَا على مشارف الأربعين أعرف الموت وأعرف الحب وأعرف الفقد اذهب لمقهانا المفضل وأجلس على نفس الطاولة بقلب نصفه لى ونصفه معك احتسى قهوتى وحدى وانتظرك وأنا أعرف أنك لن تأتى وأبكيك كطفل فقد أباه.

يبقى الإنسان بعد رحيله ممثلا فى عمله وما تركه وراءه للإنسانية وبهذا المعنى ستبقى حاضرا فينا منيعا على الموت عصيا على الغياب اطمئن يا أستاذ العصابة مستمرة والسينما كما علمتنا مستمرة وحياتك مستمرة وممتدة فينا نحن ابناءك وتلاميذك ومريديك.

لم يتغير شىء يا أستاذ سمير سأظل اذهب لنفس المقهى وأتذكرك وأكتب لتقرأ وأصنع أفلامى من أجلك أنت فكن بخير حتى نلتقى مرة أخرى على الجانب الآخر.