الزمن الفاصل بين حلمى بالسينما وصناعة فيلمى الأول والذى يتجاوز خمسة وعشرين عاما يبدو الآن عصيا على الفهم لا أعرف كيف انتهت رحلتى التى بدأت بخطوات متعثرة فى شوارع ومقاهى

samir-farid

الزمن الفاصل بين حلمى بالسينما وصناعة فيلمى الأول والذى يتجاوز خمسة وعشرين عاما يبدو الآن عصيا على الفهم لا أعرف كيف انتهت رحلتى التى بدأت بخطوات متعثرة فى شوارع ومقاهى وبارات وسط البلد إلى عرض الفيلم فى مهرجان القاهرة السينمائى الدولى فى دورته الذهبية المعروفة بدورة سمير فريد وهو الأمر الذى لم أكن أطمح إليه عندما بدأت هذه الرحلة ولكنى أعرف أنها كانت رحلة تستحق العناء.

اللقاء الأول بالأستاذ سمير فريد كان بتوصية من الأصدقاء الأعزاء المنتج والمخرج محمد سمير والناقد السينمائى جوزيف فهيم لأعرض عليه على استحياء نسخة عمل مبدئية من فيلمى الأول.

التقيته فى مكتب الصديق محمد سمير للمرة الأولى ذات مساء فى العام 2014 وكنت وقتها شابا منهكا فى السابعة والثلاثين من العمر أحلم بالسينما وبالتغيير شاركت فى ثورة مهزومة ولم أنتهى من فيلمى الأول الذى تعثر انتاجه لسنوات طوال ولا أعرف إين يمكننى عرضه بعد.

فى لقائنا الأول كنت شخصا يائسا ومهزوما لم يعرف مرة واحدة فى حياته انتصارا ولم يستغرق الأستاذ سمير سوى خمسة وستون دقيقة فقط هى مدة مشاهدته لنسخة العمل ليغير حياتى كلها إلى الأبد.

فتح لى أستاذ سمير الأبواب التى عشت حياتى كلها أطرقها على مصراعيها وتحمل وحده مغامرة اختيار فيلم صامت مدته خمس وستون دقيقة فقط من كتابة واخراج شخص هامشى مازال يبحث عن نفسه هو حرفيا – لا أحد – لم يتخرج من المعهد العالى للسينما ولا يعرفه المنتجون والنجوم والنقاد ولا ينتمى لأى دوائر نفوذ لتمثيل مصر منفردا فى المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى وهوجم الأستاذ بسبب اختياره للفيلم منذ إعلان الخبر بعد لقائنا بأيام وحتى ليلة العرض وتحمل الهجوم عليه بنبل أصحاب المهمات الكبيرة دون تململ أو وجل هذا هو سمير فريد لم يكن فقط أهم ناقدا سينمائيا عربيا بجدارة بل كان صانعا للمبدعين كان الأستاذ مثقفا عضويا فاعلا فى مجتمعه قادرا على تثوير وعى قرائه ومستمعيه ومفكرا تنويريا كبيرا يشتبك يوميا مع قضايا مجتمعه والعالم ومفكرا تقدميا يعرف كيف يطرح الأسئلة الكبرى منشغل باستمرار بدعم السينما الجادة والمغايرة يقدم يده للمواهب المحتاجة لدعمه وحمايته ولا يكترث للهجوم على شخصه كان الأستاذ يعرف دوره جيدا ويعرف أين ومع من ينبغى عليه أن يقف ولا يخشى أحد.

فيلم باب الوداع مارس نوعا من القطيعة الكاملة مع تراث السينما المصرية وكل ما هو سائد فيها ولهذا السبب بالتحديد لم يكن متوقعا لهذا الفيلم أدنى نجاح من أى نوع أو أى جماهيرية أو أضواء وكنت أصنع الفيلم وأنا أعرف ذلك وأحمل فى قلبى هذا الأسى وأسير به فى كل يوم فى النهاية ما قيمة أن تصنع فيلما لا يشاهده أحد؟

حتى التقيت الأستاذ للمرة الأولى فاتخذ قرارا لا يقل جذرية عن العمل ذاته وألقى بى وبالفيلم فى وجه الجمهور والنقاد والعالم ووضع الفيلم فى قلب المشهد فى أكبر حدث سينمائى بمصر بعد مشاهدة نسخة العمل فقط لا أكثر ولم يراجعنى الأستاذ مرة أخرى أو يطلب إعادة مشاهدة النسخة النهائية قبل العرض أبدا.

وثق بى الأستاذ سمير رغم أنه لم يكن يعرفنى وكان إيمانه بى وبالفيلم كاملا وصادقا منذ اللحظة الأولى وكأننى صنعت الفيلم من أجله وكانت هذه لحظة إعادة ميلاد مكتملة لم أعد بعدها الشاب الفقير المهزوم محب السينما الذى لا يعرف لها طريقا أصبحت على يديه بين ليلة وضحاها صانع الفيلم المثير للجدل الذى رشحه الأستاذ كأفضل أفلام العام دون منافس على حد تعبيره وهكذا منحت الأستاذ فيلمه المفضل فى هذا العام ومنحنى فى المقابل أسمى وجمهورى وحقق حلمى ورسم بيده مصيرى هذا كل ما فى الأمر يكفى أن تصنع فيلما جيدا ليحبك سمير.