بقلم: حميد مرعى   ثقيل جدا على الروح أن تجلس لتكتب عن صديق غيبه الرحيل ولم تكن موطنا نفسك على تلقى مثل هذا الخبر المفجع، خبر رحيل الصديق والأخ العزيز

94680649_037916350-1

بقلم: حميد مرعى

 

ثقيل جدا على الروح أن تجلس لتكتب عن صديق غيبه الرحيل ولم تكن موطنا نفسك على تلقى مثل هذا الخبر المفجع، خبر رحيل الصديق والأخ العزيز سمير فريد. قد تكون الذكريات التى سأسردها عن سمير متفرقة أحاول سردها من خلال تجربتى فى المؤسسة العامة للسينما لما لسمير من أثر كبير وفعال فى مسيرة السينما السورية منذ انطلاقتها الأولى. فى بداية السبعينات من القرن الماضي، كانت السينما السورية تستأنف خطوها البطيء ليكون لها موقع على خريطة السينما العربية، التى تحتل فيها السينما المصرية الموقع الأكبر والأهم. أسندت لى وقتها إدارة المؤسسة العامة للسينما فى سوريا، المؤسسة ذات الطابع الاقتصادى أى التى كان عليها أن تؤمن نفقاتها من موارد نشاطاتها وإنتاجها، بشكل أساسي، وفى حال عدم إمكانها توفير ذلك تتلقى بعض المساعدات من الدولة، وكان إنتاج المؤسسة حينها يكاد يقتصر على إنتاج الجريدة الرسمية التى ترصد نشاطات مسئولى الدولة وتحركاتهم وتصريحاتهم.

وكانت المؤسسة تضم مجموعة من المخرجين والفنيين السينمائيين مصورين ومونتيرية وغيرهم من المتخرجين من البلدان الاشتراكية وفرنسا ومصر… وإذا خرجنا من المؤسسة نفسها إلى فضاء دور السينما المنتشرة فى أرجاء البلد نرى أنها كانت غارقة فى الأفلام الهندية ذات المستوى الفكرى والفنى الهابط، وأفلام أمريكية وأوروبية من ذات المستوى، وتكاد تخلو من أى فيلم ذى مستوى فكرى وفنى رفيع أو حتى مقبول. ما العمل؟ قمت بحصر الاستيراد بالمؤسسة العامة للسينما مما حقق هدفين، أولهما اتاحة أفلام ذات مستوى فكرى وفنى جدى ومقبول وثانيهما تأمين موارد مالية تسد ليس فقط رواتب ونفقات المؤسسة الأساسية بل واتاحة موارد لإنتاج أفلام سينمائية. وكذلك قمت برفد المؤسسة بكفاءات أدبية وفنية سواء بالنقل من دوائر الدولة الاخرى أو بالتعيين.

ركزنا الاهتمام بشكل أساسى فى البداية على الأفلام القصيرة، سواءً روائية أو تسيجيلية وأعطينا اهتماما كبيرا للأفلام التسجيلية ولعدد محدود من الأفلام الروائية الطويلة. عندما بدأ يتوفر للمؤسسة عدد جيد من الأفلام تم التفكير بعقد مهرجان للمخرجين الشباب العرب لفيلمهم الاول والثانى وألا يكون قد أخرج فيلما ثالثا. الغرض من الفكرة كانت اتاحة الفرصة لهؤلاء المخرجين والفنيين الاطلاع على تجارب بعضهم وخلق قنوات تواصل وتعارف بينهم. للاعداد لهذا المهرجان العربى ولتنفيذه تم التعاون مع كوكبة من النقاد والمهتمين بالموضوع وبشكل أساسى من مصر ولبنان أتذكر منهم، سمير فريد وسمير نصرى والشخصية المنفردة الصديق وليد شميط والصديق الغالى بدر الدين عرودكى وعلى أبو شادى وفتحى فرج ومحمد رضا وسامى السلمونى وغيرهم.

هذه المرة الاولى التى ألتقى فيها بسمير فريد وجها لوجه، كنت قبلها أتابع ما استطعت كتاباته فى الصحف كما اتابع غيره كمحب للسينما ومولع بمشاهدة الأفلام رغم أننى كاقتصادى خارج هذا النطاق الفني. وبدأنا ننسج خيوط صداقة منذ اللقاءات الأولى بالأخص مع السميرين فريد ونصرى فعلى اختلاف شخصياتهما، يتشاركان بأنهما قريبان من النفس، واضحان ساطعان بلا تكلف أو ادعاء. لامتداد العمر مساوئ كثيرة فى نظرى أهمها، شعورك وانت فى عز الشباب وحولك كوكبة كبيرة من الاصدقاء بنفس العمر أنك فى غابة تظللك أشجارهاالوارفة ثم عاما بعد عام تقتلع الاشجار واحدة تلو الاخرى واذ أنت فى فراغ خال أو شبه خال، مع كل هؤلاء الأصدقاء حولك تحس بالقوة والعنفوان والمقدرة على الانجاز ثم مدة بعد مدة تحس أن اعضاءك بدأت تضمر فتفقد مرة يدك ومرةً ساقك ومرة عينك، وتشعر بالقهر وعدم الجدوى كلما فقدت عزيزا هو جزء منك. بالنسبة لسمير فريد ومنذ اللقاءات الأولى تحس بأنك تعرفه وبأنه قريب منك وأنك قريب منه، انسان يقدم نفسه بأريحية وود، انسان هادئ بلا انفعال، يتكلم بهدوء ورزانة لا يحاول أن يفرض آراءه على أحد. يتمتع بكبرياء طبيعي، هو جزء من تكوينه، يحميه من أى موقف ضعف، أو مساومة على قناعاته، يحترم الآخرين، ولا يسمح لأى كان بأن يمس كرامته. يحب مساعدة من يطلب مساعدته، جهده، دون أى انتظار لمقابل، انسان جميل ومحبوب ويبدو لى أنه لا يعرف ذلك أو لا يهمه ذلك، تأسرك ابتسامة عينيه فلا تملك الا أن تبتسم. عدا أن سمير ناقد سينمائى قدير ومؤرخ مهم للسينما العربية ولكننى أترك هذا الموضوع لأهل الاختصاص.

تعمقت معرفتى بسمير فريد مع السنين، تعرف على زوجتى يسرى وابنى تميم وبعدها ابنتى هديل وتوالت اللقاءات فى عدة مدن عربية و عدة مهرجانات عالمية، وتوثقت بيننا عرى صداقة متينة، فعندما لا نلتقى وجها إلى وجه نتواصل عبر الهاتف، نشتم ونضحك ونتحسر. كنا فى المؤسسة نذهب عدة مرات فى السنة إلى القاهرة لاختيار بعض الأفلام المصرية لأن المؤسسة هى الجهة الوحيدة المخولة للاستيراد لسوريا. أول شخص كنت ألتقيه، سمير، وتعرفت على زوجته الفاضلة العزيزة أم محمد. وكنت أقضى معظم وقتى فى القاهرة بعد انتهاء العمل مع سمير، على الغالب فى الحسين، حيث يحب سمير بائع حمام مشوى يعد حماما رائعا، أو فى بيته سمير كريم جدا، من العسير دائما أن يسمح لك بالدفع ويصل الأمر معه حد التدافع، أمزح معه وأقول يا أخى أنا مدير عام وأنت مجرد ناقد سينمائي، اتركنى أدفع، فيجيب ضاحكا أنت مدير عام فى سوريا ولكن ليس فى مصر. لا أذكر اطلاقا وطيلة السنوات والمرات التى كنا نذهب للقاهرة لاختيار الأفلام أن سمير طلب منى اختيار فيلم معين أو استبعاد فيلم آخر. علما بأن منتجى الأفلام السينمائية فى مصر يعرفون عمق صداقتى مع سمير فريد، لم يحدث ذلك أبدا. علمت بأن المخرج المصرى توفيق صالح دون عمل، فتحدثت مع سمير بشأن مجيء توفيق إلى سوريا للعمل فى المؤسسة العامة وطلبت رأيه فى ذلك، قال إن توفيق مخرج ملتزم وجيد ولكن التعامل معه ليس سهلا فهو إنسان شكوك وذو شخصية خاصة وعلى ضوء ذلك خذ قرارك. جاء توفيق صالح إلى سوريا وأخرج فيلم «المخدوعون» عن قصة الروائى الراحل غسان كنفانى «رجال تحت الشمس» وكان ما كان مع توفيق وليس هنا مجال بحثه، غادر بعدها إلى العراق وهناك غادر ماضيه.

اتصلت بسمير بشان الحاجة إلى شخص متمرس ليكتب لنا سيناريو لبعض الأفلام، اقترح على بعض الأسماء منهم العزيز الراحل أيضا فتحى فرج وكنت ميالا اليه وقد أثنى سمير فريد عليه، جاء فتحى رحمه الله إلى دمشق ومكث حوالى السنة فيها، يحاول أن يكتب سيناريو. تركت المؤسسة العامة للسينما عام ١٩٧٤ إلى هيئة تخطيط الدولة واستمرت علاقة الصداقة العميقة مع سمير كما هي. استمر سمير يأتى لدمشق لحضور المهرجان الدولى للسينما فيها وكنا نلتقى يوميا إما فى بيتنا فى دمشق أو فى مكان عام، هكذا كل عام واستمر سمير يحضر هذا المهرجان إلى أن قامت ثورة الشعب السورى عام ٢٠١١ واتضح موقف السلطات منها، فتوقف سمير عن الحضور وهذا يبين التزام سمير بمواقفه واحترامه لأفكاره، وعدم مساومته أو مهادنته ما يمس هذه المواقف والأفكار. هكذا تعودنا من سمير فى كل القضايا التى أعرفها وتطلب من سمير اتخاذ موقف منها. لا يمكن أن أنسى مطلقا روعة هذا الصديق الأخ العزيز سمير عندما دعانى إلى حضور مهرجان الأفلام السينمائية فى الإسماعلية فى مصر، وكنت وقتها قد تركت العمل فى المؤسسة وكان عملى الجدى بعيد كل البعد عن مجال الفن والسينما وعندما وضحت له ذلك، ألح علي، وشرح لى أنه من حقى الحضور كونى مديرا سابقا… ذهبت إلى الاسماعيلية، وحضر كذلك الصديق العراقى العزيز قيس الزبيدى الموهوب الذى لم ينل حقه إلى الآن من التقييم والاهتمام بإنتاجه. قضينا أيام الإسماعيلية معا، سمير وقيس وأنا، سمير يتكلم عن مشاريعه فى الكتابة عن تاريخ السينما العربية. خاصية فى سمير، بمقدار حبه لمصر، وحنينه الدائم إليها، كانت تؤرقه الهموم العربية وقضاياها وهمومها، وهذه نقطة بحسبى تحسب لسمير، فعمق مصريته البينة والصادقة لم تحل بينه وبين بعده العربي. التقيت بسمير بمناسبة افتتاح مكتبة الإسكندرية، وعرفنى على معالم هذه المدينة وجولنا بها وعرفنى على أهم مطاعم السمك بها ولا داعى للذكر بأنه لم يفارق عادته فى الكرم الفائض والمحرج، حقا كان إنسانا كريم اليد والنفس واللسان. لم تقتصر علاقتى به على شخصه بل امتدت إلى علاقة عائلية، ابنى تميم كان صغيرا بالعمر، ورغب بزيارة خاله الذى حط رحاله فى القاهرة بعد أن ترك العراق. أعطيته رقم سمير فريد حتى يعرفه على القاهرة التى يحبها لأن خاله كان غريبا عنها وحديث العهد بها. اتصل تميم بعمو سمير وإذا به يحضر فورا ويأخذه معه ويطوف به ومعه فى انحاء القاهرة الواسعة الجميلة والرائعة.

وقبل أن يعود تميم الصغير يهديه سمير تمثال عصفور رقيقا وجميلا جدا لا يزال يحتفظ به حتى الآن مثلما يحتفظ بحب سمير وحب القاهرة. كم هو عسير أن تكتب عن صديق بمناسبة غيابه. أنه نوع من الأسى والألم، إنها لوعة الغياب المريعة. لوعة اقتلاع الاشجار السامقة حولك، تعمق شعورك أنك فى فراغ، شبه وحيد، شبه مذهول. وكأن امتداد العمر هو نوع من النقمة. نوع من العذاب. سمير فريد ستبقى فى أعماقى حيا أسمع صوتك الهادئ، بسمة عينيك، روحك العالية، موهبتك وصدقك فى عملك، أنت من الناس الذين لا يمكن نسيانهم أبدا. أتقدم وعائلتى من الأخت العزيزة أم محمد ومن محمد واخوته، ومن آل سمير فريد وأصدقائه ومن نفسى بأحر التعازى وليصبركم الله على تحمل لوعة الغياب. الشكر الجزيل للأخ الحبيب بدر الدين عرودكى الذى كان صديقا عزيزا ومحاربا باسلا فى كل المعارك التى تم خوضها فى المؤسسة العامة للسينما السورية عندما كنا نعمل معا، ولكل معاركه بعد ذلك فى باريس فى معهد العالم العربي. سيبقى بدر كما كان دائما أخا وصديقا عزيزا. أقول ذلك لشكر نبله إلى لفت نظر الأصدقاء الأعزاء فى مجلة القاهرة الى الاتصال بى لكتابة ما كتبت. وإن لم يكن ما كتبته معبرا وكافيا وهو مجرد ذكريات مبعثرة ممزوجة بالحزن والألم.

المدير العام السابق للمؤسسة العامة للسينما بدمشق