بقلم: خالد عزت قرب النهاية بقليل، وبعد سنوات من النسيان سقطت يدى على الصندوق وأنا أنحنى داخل خزانة ملابسى أبحث عن شىء تافه ضاع منى فى زحمة الأيام، لكننى

441

 

بقلم: خالد عزت

قرب النهاية بقليل، وبعد سنوات من النسيان سقطت يدى على الصندوق وأنا أنحنى داخل خزانة ملابسى أبحث عن شىء تافه ضاع منى فى زحمة الأيام، لكننى تعثرتُ فجأة بشىء آخر من مخلفات الماضى كان مختبئا فى ظلمة وفوضى الخزانة تحت ركام من الملابس والأشياء الأخرى.​

الصندوق كان يخصّ حذاء إشترته لى أمى من محلات”زلط” للأحذية بميدان العتبة قبيل بدء العام الدراسى بأيام قليلة. على ما أذكر، كانت قد اشترتْ لى أيضا فى نفس اليوم: طقما من الملابس الداخلية، وحقيبة مدرسية جديدة، بالإضافة إلى بلوفر صوف كاروة سمبوكسة، وقميصين من ملابس الأهرام . أمَّا هى فلم تشتر لنفسها شيئا سوى زجاجة عطر دقيقة الحجم لحقيبة يدها من ماركة “ياسمين الشبراويشى” تقريبا، كنا عند منعطف النهاية لسنوات السبعينات، حيث كنت وقتها أمر برهبة العبور إلى السنة الأولى من المرحلة الإعدادية، وبالتالى هجر مدرستى الأليفة إلى عالم جديد لا أعرف عنه شيئا، ومن ثمَّ كانت أمى تحاول استرضائى طوال الوقت كى أقبل الذهاب إلى المدرسة الجديدة التى اختارتها لى رغما عنى.

فى نهاية اليوم، وبعد طول لف ودوران بين المحلات، دلفنا إلى “امريكين عمادالدين”ونحن نلهث ونتخبط فى حمولتنا الثقيلة من المشتريات المدرسية.​

وبكرم مفرط غير معتاد، طلبتْ لى وجبتى المفضلة من الحلوى:طبق كبير ولذيذ من”الكيشون التروبكال”، بينما اكتفت هى باحتساء فنجال من القهوة السادة مشفوعة بسيجارة فلوريدا، ومن حولنا تناثرت فوق المقاعدالمجاورة أشيائى الجديدة، وبينها صندوقى العزيز، الذى كان يرقد بداخله حذاء أسود مقاس38 بنعل كِرِب ومقدمة فولاذية مستديرة حتى يتحمل لعب الكرة العنيف فى حوش المدرسة والشوارع الخلفية المحيطة بها.​

لكنه، وبعد شهور قليلة من ارتدائى له لم يتحمل رعونتى، ونزقى، فقمتُ بدفنه بيديَّ فى سلة القمامة المجاورة لباب الشقة، بعدإصابته بجروح وندوب مميتة.وفى اليوم التالى جاء الزبال وحمله مع النفايات الأخرى الى مصيره الغامض، حيث لم أعرف عنه شيئا بعد ذلك. أمَّا الصندوق فقد آل فى البداية إلى أمى التى لم تواتها الشجاعة أن تتخلى عنه بإلقائه فى سلة المهملات، ومن ثمَّ فقد أخذته ووضعته على التسريحة فى حجرة نومها.​ وعلى غير عادة صناعة الصناديق الكرتونية فى تلك الفترة كان لصندوق حذائى مظهر أنيق لافت للنظر بالنسبة لأقرانه من الصناديق الأخرى المتقشفة بشكل مزر، فقد كان مصنوعا من الكرتون المقوَّى المطلى بلون أخضر نضر، وقد زُخرفت جوانبه بنقوش منمنمة لاسم الفابريكة الشهيرة.

بقى الصندوق مكانه على حافة التسريحة حتى بعد رحيل أمى، وبذلك يكون قد عاش عمرا مديدا متجاوزا كل الأعوام التى قضتها أمى فى الدنيا، وايضا حياة الحذاء ذاته الذى قضى نحبه بعد شهور قليلة من خروجه الى العالم على يد صانع مجهول. واحتفظت أمى فى حياتها داخله بأشيائها الصغيرة التى لم يطاوعها قلبها على فراقها، حتى بعد أن صار وجودها بلا معنى، ولم تعد صالحة للاستعمال اليومى: ”فردة واحدة للساق اليمنى من جورب نصفى من النايلون . أصابع روج متآكلة الشمع تنتمى إلى موضات عفا عليها الزمن. مشط من العاج أسنانه محطمة، أربعة كعوب تذاكر دخول سينما قصر النيل حفلة التاسعة مساءً لحضور فيلم ”دقة قلب”. مجموعة من رولات الشَعْر متهتكة السلك. عشرات من القصاصات المقتطعة من جريدة الأخبار لأشعار أغانى “أم كلثوم“ المنشورة فى صفحة ابو نظارة. بطاقات القطارات التى اقلتنا ذهابا وإيابا اثناء عطلات الصيف مشبوكة الى بعضها البعض- وفقا لتتابعها الزمنى- بمشبك غسيل من الخشب. صفحة مقتطعة من كراسة الموسيقى الخاصة بواجباتى المدرسية وقد كَتبتْ عليها أمى فى لهوجة بخط غير عابئ بحدود الصفحة مراحل إعداد صينية ”الكوسة بالبشاميل”. لم أعرف حينها لماذا كان على أمى أن تحتفظ بكل هذه الأشياء المضحكة، كما لو كانت كنوزا ثمينة، إلاّ بعد أن كبرت وعرفتُ اننى ورثت عنها شغفها القديم الذى لازمها منذ طفولتها: هواية اقتناء الأشياء التافهة التى لايأبه بها أحدٌ .

بعد موتها آلت التركة لى، الصندوق العجيب بكل كنوزه الزائلة، ولزمن طويل ظل يتنقل معى كظلى من بيت الى بيت دون أن أعره اهتماما. أحمله حائرا من الشرفة الى المطبخ الى الشوفينيرة إلى الكومودينو الى خزانة ملابسى، دون أن أدرى ما الذى يتوَّجب علىَّ أن أفعل به، أو حتى أفكر لحظة بمعاودة النظر داخله لكى أسترجع- ربما- بعضا من ذكريات الماضى، كما كانت تفعل أمى بين الحين والآخر، مستعيدة لحظات هشة وعابرة فى حياتها، لكنها كافية لإطلاق ضحكاتها أو دموعها وهى جالسة امام الصندوق تعبث بمحتوياته وتدخن سيجارتها المفضلة. بيد أنى هذه المرَّة حملتُ الصندوق كاشفا الغطاء بعد سنوات من الغياب، متأملا الأشياء القديمة المغبرَّة والتى كانت ترقد هادئة فى سلام راضية بنسياننا لها. وشعرت بظل ابتسامة يتمدد الىَّ وأنا أعاود رؤية فردة الجورب اليمنى المتبقية، ولاحت لى ذكرى اختفاء الفردة اليسرى من خزانة ملابس أمى، عندما ظللنا ليومين متتالين نقلب عليها البيت رأسا على عقب فى جنون هذيانى عسانا أن نجدها مختبئة هنا أوهناك، لكننا لم نعثر لها على أثر.وهكذا تحدد مصير الفردة اليمنى المنسية بأن تبقى أسيرة وحدتهاالنهائية فى قاع الصندوق دائما ما كانت الأشياء التى نحبها تضيع منا، وعندما يأتى ذكرها بغتة نوارب أبواب الأسى ليدلف إلينا قليل من الحزن على فقدنا أشياء لن تعوَّض ابدا.​

لكن أين اختبأت الفردة اليسرى من جورب أمى النايلون؟. ​

رأيتُ صفحة كراسة الموسيقى وقد اصفر لونها بفعل القِدِم، ومررت بعينيَّ على قائمة المقادير التى أملتها جارتنا على أمى عبر اتصال تليفونى جرى بينهما منذ زمن طويل، واعدتٌ قراءتها لنفسى سطرا وراء سطر، حتى توقفت فى ذيل القائمة عند جملة كتبتها أمى وراء الجارة فى نهاية المحادثة وهى تحذرها قائلة: ”خل بالك يا لولا ما ترجيش البيض جامد بالمضرب”!! . هكذا كتبت أمى بكل اخلاص نصائح جارتها الطيبة طبق الأصل كما خرجت من بين شفتيها، حتى لا تسقط من ذاكرتها عفوا تفصيلة دقيقة وهى واقفة فى المطبخ تدور حائرة بين الحلل وشعلة البوتجاز الموقدة والتطلع بين لفتة وأخرى إلى الصفحة. حركت برفق السطح وقد إزداد فضولى فى التوغل الى القاع، جارفا الى جنب أوراق أخرى منسية، فانفرط امامى سيل من الصور العائلية كأوراق الكوتشينة، ومن اسفلها ظهر لى كتاب “سمير فريد”- العالم من عين الكاميرا- بغلافه المهترئ والذى تعود طبعته الأولى إلى نهاية الستينات من القرن الماضى.​

كان الكتاب هو الشئ الوحيد الذى ينتمى إلى عالمى الضيق من بين زحمة الأشياء الأخرى التى رحلت عنها صاحبتها، مثلما كان الكتاب نفسه ينتمى إلى عالم قديم من الأحلام الثورية التى لم يعد لها مكان على أرض الواقع فى الألفية الثالثة. أخرجتُ الكتاب بحرص وأنا أفكر فى أن كل ما اجتمع مصادفة داخل صندوق حذائى هو ما أصبحت عليه الآن.

فبإمكان الأشياء التافهة أن تقرر بشكل حاسم ما سيكون عليه المرء فى صيرورة حياته: كأن يكون شاعرأوقاتلا لاحبائه، فالاحتمالات جميعها تكتنف الفسحات الضيقة الكائنة بين الأشياء المرئية، والتى لا يمكن الاحساس بثقل وجودها الخفى ّ عَبَرْ النظر.

ولكن كيف انفلت الكتاب من ربقة رفوف المكتبة متسللا  خلسة الى ظلمة الصندوق؟ ​كنت قد نسيته وسقط اسمه من قائمة ذاكرتى للكتب التى حررهاالناقد خلال حياته المهنية. وفى الحقيقة كان هذا الكتاب الذى أقبض عليه الآن هو الكتاب الثانى لى فى سلسلة قراءاتى المبكرة عن فن السينما. امَّاالكتاب الأوَّل فكان “فن الفيلم” للناقد أرنست لندجرن -طبعة وزارة التربية والتعليم الإقليم الجنوبى “هكذا كتب على الغلاف”- والذى قمت باقتناصه خلسة من مكتبة المدرسة بعد أن فٌتنتُ بين صفحاته برؤية صورة لوجه مُكبر مأخوذة عن فيلم “المدرعة بوتِمكين”، هذا ما كان يعنينى: ”صورة الوجه“، حيث كنت وقتها شغوفا بتعلم مبادئ التصوير الفوتوغرافي، بعدما سمحت لى أمى باستخدام كاميرتها الخاصة ”لايكا”التى كانت تعمل بفيلم حساس مكوَّن من16صورة. ​

أمَّا كتاب “سمير فريد”فقد حزتُ عليه- دون قصدـ بعد صفقة عقدتها مع أحد بائعى الكتب المستعملة بسور الأزبكية، وبموجبها حصلتُ على غنيمة هائلة من كتب: “المغامرون الخمسة للناشئين/مجلد ضخم من مجلدات تان تان/عدد واحد من أعداد السلسلة العلمية”كل شىء عن؟”يدور حول الثعابين والأفاعى/العددالأول من مجلة ميكى جيب الذى فاتنى شراؤه عند صدوره”، لكن عندما عدتُ الى البيت وألقيت نظرة خاطفة على الكتاب اصابتنى صدمة مروِّعة وشعرت بالخديعة، فقد حسبته فى البداية يدور حول مبادئ فن التصوير الفوتوغرافى بعدما قرأت لفظة”كاميرا” تتصدر عنوان الغلاف، لكنه لم يكن كذلك، والمصيبة الكبرى انه لم يحتو بين طياته على أية صور لممثلات عاريات من اللواتى كنت أحب مطالعة صورهن بمجلة الكواكب، فقط كانت هناك صورة واحدة سيئة الطباعة بالأبيض والأسود لفتاة صغيرة الِسنْ تظهر سُرِتها البائسةمن خلال فتق مصطنع فى قميصها، وقد خلا الكتاب مما يجذبنى اليه، فألقيت به غاضبا وأنا اشعر بالخيبة لاندفاعى فى إهدار مصروفى الصغير فى شراء ما لا يفيد من الكتب.​

أستطيع أن أكتب الآن متلعثما فى بضع كلمات هى كل ما تبقى لى، وأنا أقتفى تلك الآثار الغامضة التى سممت حياتى ودفعتنى الى السقوط فى الشَرَك بعد إحكام سجنى داخل قوقعة من الصور والكلمات​.

لقد صيرتنى فى النهاية كتابات “سمير فريد”النقدية عن السينما-التى شغفت بها منذ ذلك الوقت- الى كتابة النقد السينمائى وأنا فى السادسة عشر من عمري، متأثرا بطريقته الشاعرية فى الكتابة- والتى عجزت عن التحرر منها حتى الآن-والمرصعة بأفكار سارتر الوجودية، وتقنياته الأسلوبية فى قراءة الأفلام وفك شفراتها عبر جملة من الاستعارات الثقافية المنفتحة على التراث الأدبى والفنى والفلسفى.

إنهاالطريقة الإنسانية الوحيدة ليس فقط لفهم العالم الغامض، وترويضه، عبر دفعه الى متاهة من الاستعارات اللُغوية فى محاولة تأويله وهدهدته، بل ايضا الطريقة المؤكدة لتهذيبه من الرعب الوحشى الكامن داخله، أن تراه مٌتَخيَّلا كشريط سينمائى يجرى دون توقف، لكنه فى ذات الوقت، يستعصى على الإصلاح وتدارك الأخطاء بعد إنتهاءمرحلة التصويرأو بالأحرى الحياة. ​

لقدأرقنى طويلا الصراع بين” المبدع /الناقد “بداخلى، فكلاهما يسيران فى اتجاهين متعارضين الى حدالتنافر، لكنهما متلازمان كعاطفتى الحب والكراهية. واذا كان المبدع- أيَّا كانت مادة عمله- يقوم بتشييد عوالم موازية ومحاكية للعالم بحثا عن المعنى فيما وراء الأصل المتشظى، مستندا الى شروط جمالية اكثر تنظيماوعدالة فى اهدافها بأن يصيغ من الفوضى شكلا، ضمن صيرورة متصلة بالسؤال البدئى:”لماذا نموت؟”، فشاغله الأساسى هو الخلود والدوام لعوالمه المختلقة.​

على العكس من ذلك، فإن عمل الناقد وشغله الشاغل هو”الهدم”، أن يقوض ما صنعه المبدع فى لحظة إنفعاله العاطفى اللاوعى، وهوسه الجنونى بالاصطناع، ليعيد كل شىء الى سيرته الأولى التى كان عليها فى البدء، ليصل الى الفكرة التى انطلق منها كل شىء، بأن يذيب “الشكل” الى عناصره الأولى .

وكما ان العالم لا يمكن أن يعاش هكذا غفلا من المعنى، كالخراء، كذلك الأفلام والأعمال الفنية والأدبية، لا تدوم حياتها دون تبرير لوجودها فى الزمن: ”لا تدوم حياة كائن إلاّ ما تدومه فكرة”، مثلما يردد خورخى بورخيس فى قصصه.   والسؤال الفلسفى الخالد :”لماذا أنا موجود هنا؟” من الممكن أن ينسحب ايضا على الأعمال الفنية التى تظل تطارد “الناقد” وتسائله بذات السؤال الملِّح عبر فعل التلقى الجمالى المتغير من حقبة الى أخرى، بحثاعن المعنى من وراء خروجها إلى عالم الوضوح والتقنية بدلا من بقائها فى عالم المادة المظلمة “الكاووس”حيث التشوش والاختلاط الكامل، والوجود الغفل الأعمىالذى لا يفقه أسباب وجوده، وحيث يجد ”الناقد” نفسه مجبرا على الإجابة عن ذات السؤال الذى يواجهه به العمل الفنى : ”ما الهدف من صنعى وسجنى داخل إطار أو كتاب أو عبر آلاف الأمتار من شرائط السلولويد ..؟”. ​

عندما اصدر سمير فريد كتابه ”العالم من عين الكاميرا” كان يبلغ من العمر آنذاك 24 عاما، بينما لم تكد حصيلتى اللغوية​ قد جاوزت حينذاك خمس كلمات بالعدد .

كان الكتاب يتناول عبر منهجه فى النقدالتطبيقى أهم الأفلام التى عرضت عام 1968، إنه العام المحدد لإسدال الستار الفعلى على حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية بكل أفكارها وشعاراتها البراقة، “عام نهاية الأحلام” بتعبير برناردو بيرتولوتشى فى فيلمه الحالمون. عندما أحتل الطلبة فى احداث مايو شوارع باريس، لتتصاعد الاحتجاجات بعد ذلك، وتتواصل امام مشهد سحق الدبابات السوفييتية لتمرد”براغ” فى21 اغسطس من نفس العام. ​

فكل شىء كان يشرف على نهايته مثلما كان الناقد الشاب ايضا يشرف على مفارقة الشعارات والاحلام التى آمن بها وهو يقف عند مفترق طرق يواجه تحولات بلده بعد هزيمة حزيران والتى كانت تتويجا لفشل الحكم العسكرى لمصر فى مساره المضاد لحركة التاريخ.

لقد كانت حقبة مستعرة فى كل شىء، وبتعبير اخر: اكثر الحقب فى أدبيات تاريخ الثقافة صخبا وعجيجا باللغو الايديولوجى الذى كان يؤججه فى ذلك الوقت الصراع بين النظرية الماركسية والرأسمالية، وبين النظم الشمولية والليبرالية، والذى وصل الى ذروته بإعلان الحرب الباردة، والذى انعكس بدوره جماليا- وبشكل عصابى- على كل الفنون المقدمة فى تلك الفترة، وايضا النظريات النقدية المطروحة آنذاك فى السجال الثقافى الدائر حول مفهوم: الفن للفن، والفن والمجتمع، واشكاليات المثقف العضوى تجاه مجتمعه ودوره فى تثوير تلك المجتمعات النامية، ثم مسئوليته الأخلاقية تجاه النوع الإنسانى بكامله والذى لا يزال مهددا فى الحاضر بتكرار مأساتى هيروشيما وناجازاكى، بالإضافة إلى الانشغال بفضح اشكال وممارسات الهيمنة الاستعمارية والاستغلال الاقتصادى للمجتمعات الفقيرة. سنوات من الغليان مزدحمة بحروب السيمولوجيين وتناظرالعلامات المتطايرة فى كل اتجاه/ الصراع الحاد بين سينما النثر وسينما الشعر/انتشار الجماعات اليسارية والفوضوية المتطرفة واختلاط المفاهيم بين ما هو ثورى وما هو إرهابى.

 

لقد كانت حقبة مستعرة فى كل شىء، وبتعبير اخر: اكثر الحقب فى أدبيات تاريخ الثقافة صخبا وعجيجا باللغو الايديولوجى الذى كان يؤججه فى ذلك الوقت الصراع بين النظرية الماركسية والرأسمالية، وبين النظم الشمولية والليبرالية، والذى وصل الى ذروته بإعلان الحرب الباردة، والذى انعكس بدوره جماليا-وبشكل عصابى-على كل الفنون المقدمة فى تلك الفترة، وايضا النظريات النقدية المطروحة انذاك فى السجال الثقافى الدائر حول مفهوم: الفن للفن، والفن والمجتمع، وإشكاليات المثقف العضوى تجاه مجتمعه ودوره فى تثوير تلك المجتمعات النامية، ثم مسئوليته الأخلاقية تجاه النوع الإنسانى بكامله والذى لا يزال مهددا فى الحاضر بتكرار مأساتى هيروشيما وناجازاكى، بالإضافة الى الانشغال بفضح اشكال وممارسات الهيمنة الاستعمارية والاستغلال الاقتصادى للمجتمعات الفقيرة .سنوات من الغليان مزدحمة بحروب السيمولوجيين وتناظرالعلامات المتطايرة فى كل اتجاه/ الصراع الحاد بين سينما النثر وسينما الشعر/انتشارالجماعات اليسارية والفوضوية المتطرفة واختلاط المفاهيم بين ما هو ثورى وما هو إرهابى / صعود التجمعات النسوية المنادية بحق الإجهاض/ازدهار سينما المؤلف المتأثرة بكتابات المنظرالسينمائي”الكسندر استروك “ ونظريته “الكاميرا- قلم” / شيوع سينما الاغتراب والعصيان ضد الرأسمالية ومفهوم التشيؤ ووضعية الانسان المعاصر فى المجتمعات الصناعية الحديثة/ اختلاط منشورات الغضب السياسى ضد حرب فيتنام بمقولات سارتر وكامو الوجودية بالشعارات المنادية بالحرية الجنسية وأفكار هربرت ماركيوز/ظهور تيار ما يسمى بالسينما الثورية /اجتياح حمى موسيقى الروك اندرول العالم/ تنامى ظاهرة التجمعات الطابوية والمشاعية المنشقة عن مجتمعاتها المدنية .

تلك كانت المشهدية البانورامية التى كان عليها العالم خلال عقدى الخمسينات والستينات، والتى تقوت عليها الكتاب فى افكاره وتردد صداها عبر تيمات الافلام التى عكف سمير فريد على تحليلها.

أما عن الموضوعات التى كانت مطروحة فى تلك المرحلة فتتلخص فى خلق وايجاد صورة مجتمع جديد وحديث تقوم فية الثقافة بالدور الديناميكى الفعال فى معطيات وجوده وتثويره. ولم يكن هذا الوعى الاستراتيجى غائبا عن إدراك الناقد الشاب -ومعظم جيله- خلال تحليلاته النقدية للأفلام،  والتى كانت مشحونة بكل الإرهاصات السياسية والجمالية التى يتفجر بها العالم آنذاك، بالإضافة الى السعى نحو إيجاد تيار سينمائى جديد من داخل نطاق السينما المصرية كأحد الأهداف المهمة من وراء نشر الثقافة السينمائية بين قطاعات مهمشة اجتماعيا، من أجل خلق إدراكات ذوقية جديدة تناسب تطلعات المجتمع الاشتراكى الجديد.