بقلم: محمود الغيطاني لا أنكر أنى لم أدخل دار عرض سينمائى فى حياتى إلا بعدما أنهيت دراستى الجامعية، كما لا أنكر أنى لم أكن أفهم شيئا فى تحليل الفيلم السينمائى

441

بقلم: محمود الغيطاني

لا أنكر أنى لم أدخل دار عرض سينمائى فى حياتى إلا بعدما أنهيت دراستى الجامعية، كما لا أنكر أنى لم أكن أفهم شيئا فى تحليل الفيلم السينمائى الذى كان مستغلقا عليّ من حيث آليات الصناعة والتكوين واللقطات وغيرها من مفردات صناعة السينما، حتى أنى كنت أنظر إلى العديدين من الأصدقاء مندهشا من قدرتهم على التحليل لأى فيلم حينما أراهم يتناقشون فى فيلم ما، لكنى كنت محبا للسينما وإن كنت أراها من خلال الفيديو كاسيت فقط.

أذكر أن حبى للتحليل السينمائى بدأ مع مجلة “اليسار” التى كان يصدرها حزب التجمع الديمقراطى من خلال المقالات الشهرية المهمة التى كان يكتبها الناقد السينمائى أحمد يوسف، ورغم أن رؤيته النقدية للسينما هى رؤية مغرقة تماما فى الأيديولوجية إلا أنها جعلتنى أعشق السينما والنقد السينمائى من خلال ما كتبه من مقالات هى فى رأيى مرجعا أساسيا ومهما لكل من يرغب فى تناول صناعة السينما بالنقد.

لكن منذ وقع فى يدى كتاب “أضواء على سينما يوسف شاهين” للناقد السينمائى الراحل سمير فريد وجدت نفسى أسيرا لما يكتبه هذا الناقد المختلف عن الآخرين؛ حيث يتناول الفيلم السينمائى بالتحليل النقدى بطرقة تتميز بالكثير من العذوبة والثقافة الموسوعية؛ الأمر الذى يجعلك تحب السينما بشكل لا يمكنك الفكاك منه فيما بعد.

فى ذلك الوقت حرصت على تتبع كتابات سمير فريد الذى جعلنى أعشق السينما؛ فقرأت له كتابه المهم “الواقعية الجديدة فى السينما المصرية”، و”مخرجون واتجاهات فى السينما المصرية”، وغيرها الكثير من الكتب التى كنت ألاحظ فيها موسوعية الرجل الثقافية التى كانت تغنيك عن الكثير من الكتب السينمائية بطريقة عرض بسيطة ومثقفة وبعيدة عن الأكاديمية المملة.

كنت أرى الرجل كإله فى النقد السينمائى لا يستطيع غيره من النقاد العرب أن يطاوله فيما يذهب إليه. فى عام 2003م انتهيت من كتابى “السينما النظيفة”، وقدمته إلى سلسلة “آفاق السينما” التى كان يشرف عليها كل من الناقدين أحمد الحضري، ومحمد عبد الفتاح، وأذكر أننى واجهت الكثير من العنت والتعسف من الناقدين فى ذلك الوقت، ورفضا نشر الكتاب بدعوى أن الكتاب 39% من موضوعاته سبق نشرها من قبل؛ والسلسلة لا تُعيد نشر الأعمال المنشورة على حد قولهما، كما صرح محمد عبد الفتاح أنى أكتب النقد بطريقة لم يألفها من قبل؛ ومن ثم رفضا تماما نشر الكتاب فى السلسلة بدعوى- كما قال أحمد الحضرى لي- أن هذا سيجعل كمال رمزى وسمير فريد وغيرهما يستاءان فى حالة نشر الكتاب؛ لأن لديهما أعمالا سبق نشرها ومن ثم فلا بد لهما بالضرورة أن يُعيدا نشرها فى السلسلة إذا ما تم نشر كتابي.

بالطبع كنت أعرف جيدا أن هذا الكلام غير صحيح، كما أن السلسلة فيها الكثير من الكتب التى أُعيد تجميعها من الغلاف للغلاف، لكنى لم أهتم كثيرا بالدخول فى معركة معهما، كما أنى كنت مندهشا من موقف محمد عبد الفتاح غير المبرر الذى أصر على عدم نشر الكتاب لأن طريقتى فى كتابة النقد لا تروق له، أو لم يألفها من قبل، لكنى أصدرت الكتاب فيما بعد عام 2010م، ولعل إصدار الكتاب كان أهم حدث حصل معي؛ لأنى من خلال إصداره تعرفت عن الناقد سمير فريد بشكل مباشر ووثيق.

كان لسمير فريد رأى نقدى سبق أن طرحه فى أحد الحوارات التى أجريت معه فى مجلة “الفن السابع” تحت عنوان: سمير فريد: السينما المصرية تعيش ديكتاتورية النوع الواحد، وهو الحوار الذى أجراه معه كل من نادين شمس، ومحمود الكردوسي، وعصام زكريا، وقد قال فيه الراحل سمير فريد: “إن كل ما يُكتب عن الأفلام من آراء هو نقد، لكن ما هى قيمته، وما مدى عمقه، وهل هو منهجى أم لا”. هنا اختلفت فى كتاب “السينما النظيفة” مع رأى الأستاذ سمير فريد، وذهبت إلى أنه ليس من المنطقى أو المقبول أن يُفتح باب النقد السينمائى هكذا على مصراعيه لكل من أراد الفتوى فى مجال النقد السينمائى سواء كان واعيا لمضمون هذا الفن أو غير واع؛ لأن هذا سيؤدى إلى كارثة نقدية وتضارب الآراء النقدية حول الفيلم الواحد؛ نظرا لاختلاف الثقافات وتباينها؛ ومن ثم سيصدق قول الكثيرين الذين يتهمون نقاد السينما بالكتابة تبعا لأهوائهم وحالاتهم المزاجية، أو تبعا لمصالحهم الشخصية، وأنه فى هذه الحالة- إذا ما فتحنا باب النقد على مصراعيه- سيكون هناك مجموعة من النقاد تُجمع على فنية فيلم ما، وفى المقابل ستكون هناك مجموعة أخرى تُجمع على عدم فنيته، وهناك مجموعة ثالثة ترى أمرا آخر، وبالتالى سيبدأ النقد السينمائى فى الدخول إلى دائرة مفرغة من الهراءات والعبث نتيجة دخول من ليس لهم صلة أو خبرة بهذا المجال إليه. هنا استرسلت فيما كتبته قائلا: بل نحن نرفض تماما قول الناقد سمير فريد برمته حتى لو استرسل فى حديثه ليقول: “لكن ما هى قيمته، وما مدى عمقه، وهل هو منهجى أم لا”؛ لأن هذا يُعد تبريرا وترك الباب منفرجا لبعض هؤلاء الذين يدخلون هذا المجال وهم ليسوا على دراية به اللهم إلا أن الصدفة التاريخية قد وضعتهم فى مجال السينما مما أدى بهم فى نهاية الأمر أن اعتبروا أنفسهم أوصياء على السينما المصرية وخرجوا باصطلاحات جديدة ليس لها معنى سوى فى ءؤوسهم مثل “السينما النظيفة” وغيرها.

فى هذه الفترة لم أكن أعرف سمير فريد سوى كناقد مهم أتعلم منه الكثير وأقرأ له فقط، لكن فى يوم مناقشة الكتاب فى ليلة الخامس والعشرين من يناير 2011م، وفى الوقت الذى كانت فيه القاهرة على حافة الانفجار ويسودها الكثير من الصخب حيث بداية الثورة المصرية على حكم مبارك، فوجئت بما لم أكن أنتظره. كنت قد تهيأت لمناقشة الكتاب فى حزب التجمع مع الناقد الصديق عصام زكريا والناقد محمد رفيع بينما كان يُدير الأمسية الصديق أسامة عرابي، وبينما نستعد للمناقشة دخل الناقد القدير سمير فريد الذى أتى للمشاركة فى هذه الأمسية.

السينما المصرية تعيش ديكتاتورية النوع الواحد

أذكر يومها أنى لم أصدق نفسى بوجود “الأستاذ”، وأنه حرص على التواجد والحضور رغم أننا لم نلتق من قبل أو يحدث بيننا أى اتصال. لم أصدق اهتمامه بناقد شاب لا يعرفه الكثيرون؛ الأمر الذى جعله يكون حريصا على حضور مناقشة كتابه الأول فى النقد السينمائي، وأذكر أنه قال: قرأت عن مناقشة الكتاب الليلة، وأحببت أن أكون حاضرا ومشاركا. حينها تعلمت منه الكثير. تعلمت أنه مهما كنت كبيرا فى المكانة فالاهتمام بالآخرين حتى لو لم أكن أعرفهم بشكل مباشر من الأمور المهمة التى ستترك أثرا يدوم ما حييت.

تعلمت منه أن التواضع فى العلم أهم من العلم ذاته، ورغم أنه كان ذو ثقافة موسوعية فى السينما وغيرها من المجالات، ورغم معرفته أن الكثيرين ممن حوله يحاولون التطاول مع جهلهم،إلا أنه لم يفتعل العداوات مع أى ممن يحاول التثاقف رغم أن هناك الكثيرين منهم لم يحبونه يوما مع إظهارهم عكس ذلك. استمعت فى هذه الليلة لسمير فريد بثقافته الواسعة فى السينما وغيرها، وأثرى النقاش بشكل لم أكن أنتظره من قبل. فى الحقيقة كنت ممتنا كثيرا للرجل الذى لم أكن أعرفه من قبل وباهتمامه الذى رأيته مبالغا فيه بشاب ما زال يخطو خطواته الأولى فى النقد السينمائي. لم يعترض إطلاقا على خلافى معه فى أن كل ما يُكتب من الممكن أن نعتبره نقدا، بل ناقشنى فيه بسعة صدر.

بعد هذا اللقاء بعدة سنوات استيقظت من نومى على صوت الهاتف. كان على الطرف الآخر سمير فريد يخبرنى أنه قد تم اختيارى كعضو لجنة اختيار أفلام فى دورة مهرجان القاهرة السينمائى الدولى 2014م التى ترأسها سمير فريد. سعدت كثيرا باختيار الرجل وثقته فى هو وعصام زكريا رئيس لجنة اختيار الأفلام. لا يمكن إنكار أن العمل مع سمير فريد لا يمكن أن يتكرر مع شخص آخر. فهو يستمع جيدا للآخرين، ولا يمكن أن ينفرد برأى أو قرار إلا إذا استشار جميع من يعملون معه. وهذا ما كان يؤكده دائما بأننا جميعا فريق واحد. وليس من حقه كرئيس للمهرجان أن ينفرد بقراره إلا إذا استشارنا جميعا، وهذا ما كان يفعله معنا بالفعل.

كان الرجل حريصا دائما على الاهتمام بالجميع وتشجيعهم، كما احتضن الكثيرين من النقاد وعمل على دعمهم وتقديم كل ما يمتلكه للاستمرار فى العملية النقدية. كانت السينما والعمل عليها هى همه الأول؛ ومن ثم لم يكن يعنيه سواها؛ وهذا ما جعل دورة مهرجان القاهرة 2014م من أهم وأنجح الدورات السينمائية.

حاول الكثيرون معاداة سمير فريد فى الوقت الذى لم يحاول أن يفتعل أى عداءات مع أى شخص حتى مع من حاولوا معاداته. وكان حريصا دائما على القول: بأنه ما دمت فى وسط ما فلا تحاول معاداة من يعملون فى هذا الوسط؛ لأنك ستظل فيه؛ ومن ثم كان يقابل دائما من يعادونه بوجه مبتسم وترحاب قلما نجده لدى الآخرين. حتى أنه فى دورة 2014م حينما تم تشكيل لجنة مالية من قبل وزارة ثقافة جابر عصفور باعتبار أنه قد تم إهدار المال العام فى هذه الدورة. وبعدما أنهت هذه اللجنة المالية عملها وأثبتت أنه لم يتم إهدار أى شيء فوجئنا بأن جابر عصفور كوزير لم يعلن إبراء الذمة المالية لسمير فريد، بل وطلب منه فى نفس الوقت الاستمرار فى رئاسة المهرجان. هنا طلب فريد من عصفور أن يصدر إبراء الذمة المالية أولا، إلا أن جابر عصفور تنصل من ذلك ورفض؛ الأمر الذى جعل سمير فريد يرفض الاستمرار فى رئاسة مهرجان القاهرة السينمائى الدولي؛ لأنه لا يرضى بتشويه صورته التى تناولتها الصحافة حينما تم تشكيل اللجنة المالية. وحينما أثبتت اللجنة المالية العكس صمت جابر عصفور ورفض إعلان ما أثبتته اللجنة وكأنه يرغب ويصر على تشويه صورة الرجل الذى احترم نفسه وتاريخه واعتذر عن رئاسة المهرجان.

لا يمكن الحديث أو الإحاطة بسمير فريد الإنسان أو الناقد؛ فهو من احتضن كل الجيل النقدى السينمائى ووجهه وسانده ووقف إلى جانبه. وهو من أعطانا الكثير من ثقافته الموسوعية ولم يكن يبخل علينا بأى معلومات أو وثائق أو أفلام من الممكن أن تكون ذات فائدة لنا. أذكر أنه حينما كلفنى بكتاب “غسان عبد الخالق.. سيرة سينمائية” قال لي: أنت أصغرنا عمرا وأنت الوحيد الذى لم تر غسان ولم تكن لديك معه علاقة صداقة أو علاقة مباشرة؛ وبالتالى ستكون كتابتك أنت عنه أكثر موضوعية منا جميعا. وهنا أمدنى الرجل بالكثير جدا من الوثائق المهمة التى كانت بحوزته عن غسان. الكثير مما كتبه غسان بخط يده. والكثير من أعمال غسان. ومعظم ما كتبته الصحافة عنه. أى أن معظم مادة الكتاب حاول توفيرها لى لأكتبه كيفما أرى أنا. ولم يطلب كل هذه الوثائق والمواد منى مرة أخرى، وهى الوثائق التى ما زلت أحتفظ بها حتى اليوم.

سمير فريد قامة نقدية سينمائية وثقافية لا يمكن تعويضها، هذا فضلا عن عجزنا عن تعويضه على المستوى الإنسانى.