بقلم: صلاح هاشم علمت فقط فى التو بخبر وفاة الصديق الناقد السينمائى الكبير سمير فريد، خسارة كبيرة لثقافة السينما فى مصر والعالم، على درب التنوير .الله يرحمه، البنّاء الكبير، حزنت

441

بقلم: صلاح هاشم

علمت فقط فى التو بخبر وفاة الصديق الناقد السينمائى الكبير سمير فريد، خسارة كبيرة لثقافة السينما فى مصر والعالم، على درب التنوير .الله يرحمه، البنّاء الكبير، حزنت جدا..وبكيت.. لموته، ولسوف أفتقد دوما طيبته وإنسانيته، فكره وثقافته، ومصريته العميقة، وكنت أنتظر أن ألقاه قريبا جدا فى مهرجان “ كان “ السينمائى السبعين، لندخن سويا سيجارة فى شرفة المكتب الصحفى للمهرجان، ونحن نطل على البحر، ونتحدث عن حال بلدنا مصر، ونسافر مع أفلام المهرجان إلى “ هند“ أخرى أو “يوتوبيا“ جديدة، لم نكتشف سحرها بعد، فيما وراء التلال ..

كان سمير فريد عندما التقى به فى المهرجان، ومنذ أن بدأت عام 1982 أغطى المهرجان وقائعه وأفلامه لمجلة “ الوطن العربى “ الاسبوعية فى باريس – كان يمثل بالنسبة لى مصر كلها، بأرضها وسماها، وعيالها وشمسها، اى كل ما هو جميل وأصيل، ويفتقده مواطن فرنسى من قلعة الكبش، يعيش فى الخارج، وهو يحمل أطفال موطنه الأصلى حى السيدة زينب فوق جبهته،ويروح يطوف بهم العالم، ولا يستقر ابدا فى مكان..

سمير فريد سفيرا لحضارة السلوك الكبرى

كان سمير فريد سفيرا  لـ “ حضارة السلوك الكبرى” –السينما كما أحب أن أسميها  – فى بلدى مصر، ومحافظا على تراثنا السينمائى المصرى العريق، بأرشيفه السينمائى الشخصى الضخم، بل وأكثر المؤرخين المصريين – بعد الأستاذ أحمد الحضرى -معرفة ووعيا بأدق تفاصيل “ المشروع السينمائى المصري” – عملية زرع السينما كفن وافد فى مصر– مثلها مثل الرواية، وعلى اعتبار أن – لو دققنا فقط طويلا – أن السينما المصرية هى أعظم سينما فى العالم بلا جدال- وقد كان لها تأثيراتها الكبرى كـ” مدرسة للحياة «على» الوعى الجمعى المصرى “ COLLECTIVE CONSCIOUSNESS تاريخه وذاكرته، وقد كان سمير فريد “ ضميرا “ لذلك الوعى، بقيمة السينما المصرية العظيمة فى حياتنا.ولذا كنت عندما التقى سمير فريد فى المهرجان وأعانقه، كنت أشعر وكأنى أعانق أهلى وأصحابى فى مصر، وكل تراث السينما المصرية – بالأبيض والأسود – التى صنعتنا.

حوار مع السينما المصرية

إن القيمة الكبرى لسمير فريد تكمن فى أنه كرس حياته كلها للتوثيق لذلك المشروع السينمائى المصرى الكبير، تاريخه ووقائعه، أفلامه ومخرجيه وذاكرته، وهو الذى خلق لذلك التراث السينمائى المصرى العظيم “مرجعيته “، بمقالاته وتقييماته وكتبه، أكثر من أى ناقد آخر– وحقق له أيضا “حضوره القوي” فى المهرجانات السينمائية العالمية، مثل “كان“ و “فينيسيا“ و برلين“ للتعريف بإضافاته من جهة.

والتذكير من جهة اخرى بأنه ما زال قادرا على العطاء، فى أعمال السينمائيين المصريين الجدد من الشباب، كامتدادات لذلك التراث السينمائى المصرى الرائع وتقاليده، على الرغم من كل الظروف الصعبة، وفى جميع المجالات،التى تعيشها حاليا مصر بلدنا ..

ومن أمتع كتب ذلك التراث السينمائى المصرى العريق من تأليف سمير فريد، أحب أن أذكر هنا بكتابه “حوار مع السينما المصرية“ الصادر منذ أكثر من عشرين عاما عن مهرجان القاهرة السينمائى الدولى الذى يوثق للسينما المصرية وتاريخها، والذى يتصدر مجموعة كتب سمير فريد فى مكتبتي، ولا أمل من قراءاته،أو العودة إليه عند الضرورة وأعتبره “كنزا“ من كنوز التراث السينمائى المصري..

إذ يضم الكتاب مجموعة من الحوارات الرائعة المهمة : مع نيازى مصطفى وأحمد كامل مرسى وهنرى بركات من جيل الأربعينات، ومع صلاح أبو سيف وكمال الشيخ ويوسف شاهين وتوفيق صالح من جيل الخمسينات، ومع شادى عبد السلام وحسين كمال وسعيد مرزوق ومحمد راضى من جيل الستينات، ومع ممدوح شكرى وعلى بدرخان من جيل السبعينات..كما يضم حوارا مع مدير التصوير المصرى العالمى الكبير عبد العزيز فهمي- مصور “ المومياء “ لشادى عبد السلام و “درب المهابيل “ لتوفيق صالح وزوجتى والكلب “ لسعيد مرزوق، وحوارا مع – نجمة لعصرها ولكل العصور كما يكتب سمير فريد- سعاد حسنى.

ويكتب سمير فريد فى مقدمة الكتاب: “هذا الكتاب هو احتفالى الذى أقيمه لنفسى بعيد ميلادى الخمسين، وقد دعوت اليه خمس عشرة شخصية من السينمائيين المصريين الذين تحاورت معهم عبر 25 سنة بالضبط، وهؤلاء المخرجون الـ 13 من الأعلام الذين لا خلاف على أهمية دورهم، ولكن هذا لا يعنى أنه لا يوجد غيرهم ممن لا خلاف على اهمية دورهم أيضا، ذلك لأن عندما نتحدث عن السينما المصرية فنحن نتحدث عن سينما كبيرة من سينمات العالم ذات تاريخ عريق ونحو 3 آلاف فيلم سينمائي“.

وتتحق بالفعل عند قراءته، ما كان يصبو ويطمح إليه سمير فريد، حين يضيف فى مقدمة الكتاب:

“ما أتمناه أن يكون هذا الكتاب مرجعا من مراجع دراسة هؤلاء المخرجين، ودراسة مراحل تاريخ تطور السينما المصرية فى ذات الوقت.. لقد اخترت الحوارات التى يمكن ان تفيد القارئ فى القاء المزيد من الأضواء على هذه الشخصيات، والتى يمكن أن تجعل من الكتاب تاريخا للسينما فى مصر من خلالهم.

وربما يتساءل القارئ ولماذا التركيز على المخرجين وأين الحوارات مع النجوم من الممثلين والممثلات؟

هناك سببان لذلك : أما الأول فهو اننى جئت الى عالم الصحافة الفنية، ووجدت ان 99 فى المئة من الحوارات مع نجوم التمثيل، و 1 فى المئة مع نجوم الاخراج..

واما السبب الثانى فهو اننى لا أطيق “سلوكيات النجوم“ واحساسهم عند اجراء الحوارات معهم انهم يخدمون الصحف ويروجون للصحيفة ويحسنون اليها. النجمة الوحيدة التى عرفتها ولاحظت انها لا تسلك هذه السلوكيات هى نجمة النجوم سعاد حسني”.

هذا الكتاب المهم “حوار مع السينما المصرية“ لـ«سمير فريد» تكمن قيمته، ليس فقط فى التوثيق لمراحل تاريخ تطور السينما المصرية العظيمة التى صنعتنا، بل فى قدرة كاتبه او بالاحرى مخرجه، قدرته على أن يصنع من خلال كتابه فيلما حيا، ويجعله يحتشد بتلك الشخصيات المصرية البديعة، لكبار المخرجين المصريين،بحكاياتها وبذكرياتها وشهاداتها ودعاباتها وقفشاتها ويجعلها، حين تتكلم هكذا وبهذا الحس الفكاهى المصرى الأصيل وتتحرك فى كتابه.

تطرق هكذا باب الخلود- تحيا سينما مصر – ضد الفناء والعدم.