بقلم: أسامة عبد الفتاح فى منتصف ثمانينات القرن الماضي، كنت مراهقا يعشق السينما ويرنو إلى العاملين تحت أضوائها حين كنت أزور زميل الدراسة، محمد سمير فريد، فى بيته بالزمالك، وأطلب

94680649_037916350-1

بقلم: أسامة عبد الفتاح

فى منتصف ثمانينات القرن الماضي، كنت مراهقا يعشق السينما ويرنو إلى العاملين تحت أضوائها حين كنت أزور زميل الدراسة، محمد سمير فريد، فى بيته بالزمالك، وأطلب منه أن يرينى خلسة غرفة مكتب والده الناقد السينمائى الكبير، الذى كنت أعرفه بحكم قراءتى لما يكتب، وعلاقة الود والزمالة التى كانت تربطه بوالدى رحمه الله.

قبل الأعداد الكبيرة جدا للكتب والدوريات السينمائية وشرائط الأفلام «فيديو وقتها، لم يكن هناك سواه»، أذهلتنى قدرته على الأرشفة والتوثيق، حيث كان يحتفظ بأرشيف مرتب أبجديا لكل ما كان يُكتب فى أو عن السينما، داخل وخارج مصر، فى ملفات أنيقة متشابهة، كما كان يمتلك أرشيفا مرتبا أبجديا لصور الأفلام، بحيث يكون هناك مظروف لكل فيلم فيه عدد من صوره الفوتوغرافية.. ولما كان كل ذلك الترتيب يدويا، لأن تلك الفترة لم تكن قد عرفت بعد الإنترنت وغيرها من أوجه التكنولوجيا، فقد أدركت حجم المجهود المبذول لتكوين مكتبة كهذه، وأدركت أيضا أننى إزاء كنز معرفى لا بد أن يكتب مالكه كما كتب سمير فريد، ولا بد أن يتميز كما تميز.

منذ ذلك التاريخ، ظل فريد بالنسبة لى “موجودا”، كبيرا، داعما ومساعدا ومرجعا، مثل المعرفة بالمكتبات، غير قابلة للغياب، لذلك كانت صدمة رحيله، الثلاثاء الماضي، كبيرة وقاسية – وإن لم تقدر على الحضور الطاغى – وكان الحزن عاما ومريرا وعظيما إلى درجة أدهشت من لم يعرفوه على حقيقته، وجعلتهم يلمحون إلى أن ردود الأفعال على رحيله مبالغ فيها، وأحدهم تساءل فى استنكار: هل كان ملاكا لا يخطئ؟

والإجابة عندي: لا طبعا، لم يكن سمير فريد ملاكا، وكانت به – مثل كل البشر – عيوب كثيرة أعتبر نفسى من أكثر الناس معرفة بها، وكنت أيضا من أكثر الناس اختلافا معه، بل ان خلافاتنا وصلت إلى صفحات الجرائد فى مقالات مباشرة وعنيفة، ولكن ذلك لا يمنع أبدا أن فريد شخص عظيم وخسارتنا فيه فادحة.. ولا أقصد هنا الصحافة ولا النقد ولا حتى السينما، بل ان رحيله خسارة للإنتليجنسيا العربية، للعقل الجمعى العربى كله كمؤرخ ورائد للتوثيق، وكمثقف تقدمى مستنير ومنير،  وكصوت عاقل مختلف يحتكم إلى الوقائع والمعلومات ولا ينجرف وراء الشعارات الإنشائية والحنجورية، وكرأى حر طليق يغرد خارج السرب ولا يعرف ترديد أهازيج الرياء والزيف وراء أى جوقة، والأهم من هذا كله: خسارتنا فيه فادحة كرمز حقيقى للتسامح يطبق روحه السمحة على خصومه قبل أصدقائه، ويدعو دائما للسلام، ويترفع عن الصغائر، ويتصرف طوال الوقت ككبير، ومن اختلفوا معه مثلى يعرفون ذلك جيدا.

مؤرخ ورائد للتوثيق ومثقف تقدمى مستنير وصوت عاقل مختلف يحتكم إلى الوقائع والمعلومات ولا ينجرف وراء الشعارات الإنشائية ورأى حر طليق يغرد خارج السرب

لم يتوقف منجزه عند حدود النقد السينمائي، الذى حوله إلى مهنة مرموقة يتطلع إليها شباب الوطن العربي، ولا عند نشر الثقافة السينمائية، حيث شارك فى تأسيس وإصدار العديد من الدوريات السينمائية، فضلا عن أكثر من 50 كتابا تحمل اسمه، ولم يتوقف كذلك عند دعم الجمعيات السينمائية المصرية والعربية، التى شارك فى تأسيس العديد منها، بل ساهم أيضا بفاعلية فى تأسيس وإدارة العديد من المهرجانات السينمائية المصرية والعربية. ولا بد هنا من التوقف عند رئاسته الدورة الـ36 من مهرجان القاهرة السينمائى الدولى عام 2014، والتى أراها تتويجا لمشواره الطويل بنجاحها الواضح والملموس للجميع.

ولأن فريد يدرك أن السينما يجب أن تصل إلى جمهورها باعتبارها ذاكرة البشر والشعوب، فقد كان لا بد أن يتغلب على مشكلة القاعات الفارغة التى تعانيها جميع المهرجانات السينمائية فى مصر، وقد نجح فى ذلك إلى حد كبير، ورأى كل من تابع العروض التزاحم والإقبال الشديد على معظمها إلى درجة التدافع والمشادات بين الجمهور وأفراد أمن قاعات دار الأوبرا المصرية التى احتضنت جميع البرامج والأنشطة.

ورغم أننى كنت من الذين استاءوا بعض الشيء من صعوبة دخولهم الكثير من العروض وعدم تمكنهم من الحصول على أماكن لائقة للمشاهدة، إلا أننى كنت فى نفس الوقت فى غاية السعادة لوصول السينما إلى مستحقيها، ونجاح المهرجان فى توصيل أفلامه، ليس فقط إلى النقاد والصحفيين، ولكن أيضا إلى السينمائيين والكثير من المشاهدين العاديين.. وقد أعلن فريد – فى كلمته خلال حفل الختام – أن عدد رواد القاعات وصل إلى 21 ألف شخص، كما بلغ إجمالى مبيعات معرض المطبوعات الثقافية الذى أقامه المهرجان فى مركز الهناجر إلى 100 ألف جنيه.

وفيما يخص نشر الثقافة السينمائية، من الإنصاف القول إن المهرجان نجح فى ذلك وقتها بامتياز، فقد أصدر 12 كتابا مجانيا لعدد من النقاد والصحفيين الجادين، فضلا عن نشراته اليومية ومعرض مئوية المخرج الكبير هنرى بركات ومعرض المطبوعات الثقافية الذى ضم مئات العناوين والأفيشات ونسخ الأفلام.. كما أُقيمت على هامش المهرجان حلقة بحثية عن هموم مهرجانات السينما فى العالم العربى أصدرت ورقة عن كل منها فى كتيب منفصل.

دورة يصفها الكثيرون بأنها من ضمن الأفضل فى تاريخ مهرجان القاهرة السينمائي، وكانت بمثابة “الدرس الأخير” من الأستاذ، وآن الأوان لكى نتعلم الدرس ونستفيد منه، فهذا هو التكريم الحقيقى لمن يرحلون بأجسادهم ويتركون “علما يُنتفع به”، ويأتى فى رأيى قبل منح الدروع وإطلاق الأسماء على الشوارع والمنشآت.