بقلم: هالة لطفى أعتقد أن أسطورة سمیر فرید التى تجعل سیرته بهذا الغنى تكمن فى انحیازه للسینمائیین خاصة هؤلاء الذین یحاولون التمرد على السینما التجاریة وعلى القیم الاجتماعیة الجامدة والرجعیة..

samir-farid

بقلم: هالة لطفى

أعتقد أن أسطورة سمیر فرید التى تجعل سیرته بهذا الغنى تكمن فى انحیازه للسینمائیین خاصة هؤلاء الذین یحاولون التمرد على السینما التجاریة وعلى القیم الاجتماعیة الجامدة والرجعیة.. دافع عنهم بقلمه ووضع إطارا نقدیا لما یصنعون وكان جسرا بینهم وبین الجمهور وأخیرا بینهم وبین المهرجانات والعالم الواسع.

أعتقد أیضا أنه آمن بأن السینما یمكنها أن تغیر الوعى وأن الفن یمكنه أن یغیر العالم للأفضل ولهذا ورغم تشاومه المقیم من الوضع العام كرس سمیر فرید حیاته للحلم وساعد الكثیر من الحالمین على مواصلة المحاولة رغم كل شيء.

كان سمیر فرید متمردا عظیما.. وكان یكن احتقارا عمیقا للبیروقراطیة والكهنوت ورجال الدولة، فى كل مرة قبل ان یتولى منصبا او یدیر مهرجانا كان ینتهى باستقالة ونفور شدید من البیروقراطیة الفاسدة وطبعا فى المقابل وبسبب نجاحه الصادح فى كل مهمة تولاها كانت البیروقراطیة تنهشه بكل انواع التهم الجاهزة لانه ببساطة یكشف احجامهم الضئیلة امام قامته الكبیرة ویبین كیف یستطیع ان یخلق حركة ثقافیة حقیقیة وهو ما یخیف الموظفین الذین یعتبرون المهرجانات احتفالات للتسلیة لا طریقة لنشر الوعى والثقافة.

سنة 1996 تولى مسئولیة ادارة نشاط مكتبة القاهرة الكبرى من عروض وندوات على هامش مهرجان القاهرة السینمائى بمناسبة احتفالات العالم بمئویة السینما، استكتب اهم المؤرخین العرب واصدر یومیا كتابا ضخما یحكى تاریخ السینما فى بلد عربى مختلف، كانت الكتب توزع مجانا وبأعداد ضخمة على المهتمین وكانت العروض والندوات تقام من الساعة السادسة مساء للساعة 12 مساء ویحضرها اهم سینمائیى مصر والعالم العربى وفیها یسأل سمیر فرید اسئلة كبرى تشى بعمق انشغاله الثقافى والإنساني.. فى احدى الندوات عرض فیلم «الزواج الممنوع فى الأرض المقدسة» للمخرج الفلسطینى میشیل خلیفى وبحضوره طبعا، وطرح سؤالا كبیرا عن المقاطعة التى نمارسها على عرب 48 بداعى الوطنیة والعداء لإسرائیل رغم انه فى الحقیقة حصار مزدوج وعقاب اعمى لانه یصب فى مصلحة اسرائیل ویمنعنا من فهم الأوضاع القائمة على التمییز والعنصریة ضد عرب الداخل.. وطبعا قامت علیه القاعة كلها وشتمه الحضور من نقاد وجمهور وصحفیین واتهموه بالتطبیع وظلت النقاشات حتى الساعة الواحدة صباحا عندما اضطر موظفو المكتبة لطردنا طردا… هذا نموذج لمحاولات سمیر فرید طرح اسئلة كبیرة وخلق نقاش یستمر شهورا ویفتح الوعى على افكار غیر تلك التى یلقنوننا ایاها فى وسائل الإعلام الرسمیة – والوحیدة وقتها.

علاقة سمیر فرید بالأجیال المتعاقبة من المخرجین فى مصر لیست علاقة ناقد بمخرجین لكنها علاقة من الدعم والصداقة والتقدیر والنصح والمساعدات المباشرة لتحویل المشاریع على الورق الى افلام.. معروف ان سمیر فرید كان صدیقا مقربا لتوفیق صالح ویوسف شاهین وشادى عبد السلام ومن یقرأ مراسلاته معهم یدرك كیف انه بحكم صداقته بهم كان یقرأ سیناریوهات الأفلام ویتوسط لدى الممثلین لانه كان وقتها صدیقا لمعظمهم ومستشارا لعدد من اهم نجوم مصر كسعاد حسنى مثلا.. وفى فترة الثمانینات كان هو صاحب القلم الذى قدم واحتفى بسینما الواقعیة الجدیدة وبحكم منصبه اللاحق كمستشار لشركة المنتج حسین القلا كان وراء انتاج عدد من اهم افلامها لمخرجین مثل محمد خان وداود عبد السید وخیرى بشارة.

سمیر فرید كان هو المسئول عن كل مسودات مشاریع صنادیق دعم السینما التى خرجت من وزارة الثقافة والتى تنصلت من اغلبها لاحقا.. ورغم انه ادرك مبكرا ان الدولة تعادى الثقافة والفنون الا انه لم ییأس ابدا ولم یتوقف عن تلبیة الدعوة فى كل مرة لصیاغة تعدیلات وقوانین للدفاع عن السینمائیین الشباب ضد الدولة وضد كیانات الإنتاج المحتكرة ولا اعتقد ان ناقدا غیر سمیر فرید كان یعرف جمیع المخرجین الشباب بالاسم وشاهد وكتب عن افلامهم.

كان بینه وبین المخرجین الشباب قبل الكبار خطا مفتوحا.. اظنه آمن بالشباب فجعلهم یؤمنون بأنفسهم.. كان یرى افلامهم الجدیدة واذا تحمس لها یفعل كل ما فى وسعه للمساعدة.. فمثلا هو من اخذ نسخة من فیلم ابراهیم بطوط «عین شمس» للناقد المغربى نور الدین صایل الذى كان وقتها مدیرا للمركز السینمائى المغربى لیساهموا فى عملیات ما بعد الإنتاج وبعدها اخذ نسخة الفلم معه الى مهرجان كان ووزعها على مبرمجى المهرجانات والنقاد وكان فخورا جدا عندما حصل الفیلم على الجائزة الكبرى من مهرجان تاورمینا الإیطالى وظل یكتب لصالح بطوط فى معركته ضد الرقابة وقتها.

سمیر فرید كان الناقد الوحید الذى یدعوه المخرجون المصریون على اختلافهم لمشاهدة افلامهم قبل انتهاء المونتاج وكانت ملاحظاته دائما محل تقدیر بسبب ذوقه الاستثنائى كسینمائي.

كان یقرأ الأفلام بطریقة تضیف الكثیر من المعانى التى ربما لا یدركها المخرج الا بعد ان یصیغها الأستاذ فى كلمات وبحكم ثقافته الكبیرة وذوقه المتطور والحداثى جدا ربما اكثر من سینمائیین شباب كثیرین كان یستطیع ان یعطى نصائح تغیر شكل الفیلم كله وكأنه یمارس نوعا من الإبداع الموازى على الفیلم.

فى افلام جيلنا ستجد اسم سمیر فرید دائما اول اسم فى الشكر الخاص بدءا من ابراهیم البطوط واحمد عبد الله وكریم حنفى وتامر السعید وصولا لمحمد حماد وغیرهم من شباب السینمائیین اللى كانت لدیهم علاقة خاصة جدا مع الأستاذ.

بشكل شخصى ومنذ عرفته عام ١٩٩٦ شملنى سمیر فرید بدعمه وبمحبته على كل المستویات وبشكل لا یمكن احصاؤه.. لكن یكفى ان اذكر انه قرر تخصیص مساحته الیومیة فى جریدة المصرى الیوم لمدة خمسة ایام متواصلة للكتابة عن فیلمى «الخروج للنهار» فى الأسبوع الوحید الذى عرض فیه فى السینمات وعندما كلمته لأشكره – وكم كان یخجله المدیح والشكر – اصر على التأكید ان هذا هو واجبه نحو هذا النوع من الأفلام، وكان تأكیده – الجاد جدا رغم ما كان بالمكالمة من مزاح – بمثابة بیان اخیر – لم اكن احتاجه لاننى اعرفه جیدا – عن مدى التزامه بدعم السینما الجدیدة وغیر الجماهیریة فى مصر وبث الطمأنینة فى نفوس صناعها المساكین البائسین المهزومین والذین كان سمیر فرید هو نصیرهم الأكبر.

مهما كتب عن سمیر فرید لا احد یمكنه فهم هذه العلاقة من الإخلاص المتبادل والأبوة والصداقة والدعم ولا اعتقد ان ناقدا آخر یمكن ان یبنى علاقة مثلها مع اجیال من السینمائیین على مدى خمسین عاما.