بقلم: محمد سمير دائما أجد مشكلة فى كتابة المرثيات أو قراءتها، أكره الرثاء لأنه مهما عظمت كلماته ستعجز تلك الكلمات عن وصف معنى الفقد.. تعرف معنى الفقد عندما يرحل

94680649_037916350-1

 

بقلم: محمد سمير

دائما أجد مشكلة فى كتابة المرثيات أو قراءتها، أكره الرثاء لأنه مهما عظمت كلماته ستعجز تلك الكلمات عن وصف معنى الفقد.. تعرف معنى الفقد عندما يرحل شخص ليترك رحيله فراغا بداخلك لا يمكن أن يملأه أحدُ سواه والآن أعرف هذا المعنى جيدا.. علاقتى بسمير فريد علاقة شخصية جدا وبسيطة جدا

كنا نلتقى بالصدفة بجوار منزله فتتحول المصادفة إلى حوار طويل يمتد أحيانا لساعات.. كان دائما كريما فى وقته.. كان يأتى لمقر شركتى ليشاهد أحد الأفلام التى أنتجها أحد الزملاء أو أحد الأفلام التى عملت عليها كمونتير.

كنت دوما كمونتير انبهر بذكاء ملحوظاته وبساطتها.. كان دقيقا وكانت علاقته بالأفلام علاقة فنية مثلها مثل الكاتب والمخرج.. بعد مشاهدة سمير فريد كان الفيلم يتحرك خطوة للأمام كان شريكا روحيا وعمليا لكل من وثق فيه.. كان دائما هناك نسخة من الفيلم ما قبل سمير فريد ونسخة ما بعد سمير فريد.

عندما تحولت للإنتاج بدأت أحضر المهرجانات بشكل دائم كان هو مرشدى الأول والأخير فى دروب المهرجانات الكبيرة مثل كان وبرلين وكان دائما شديد الكرم فى تقديمى كمنتج شاب للصحفيين ومديرى المهرجانات كان لسبب ما لديه ثقة فيما نحاول القيام به كجيل شاب إيمانه الصادق بالشباب لم يكن مجرد كلام أو شعارات بل كان يسخر بالفعل وقته وعلاقاته وقلمه لدعم السينما الشابة كان يقضى ليالى بطولها معنا نتناقش فى مشروع أحدنا.

تعمقت علاقتى به عندما اختارنى للعمل معه كمدير لمهرجان القاهرة فى دورة ٢٠١٤.. كما قلت كان مؤمنا بالشباب فقد اختارنى كمدير فنى وجوزيف فهيم الناقد الشاب كمدير للبرامج.. وفى بدايات العمل كان البعض يهاجمه لاختيار شباب صغير للعمل على مهرجان عريق.. وكان رده عظيما وبسيطا: ألم نقم بثورة لإتاحة فرص للشباب وعندما نأتى بالشباب تعترضون، فماذا تريدون؟

طبعا هذه كانت واحدة من المحاولات العديدة لمهاجمة سمير فريد وكان دائما يقابلها بذكاء وحكمة ويصنع من أفظعها نكت ونوادر عن البائسين من حوله الذين يعيشون على فشل الآخرين.. كنا نضحك كثيرا عندما يتهمه البعض بالمحاباة لاختيار ابنه لإدارة المهرجان وذلك لتشابه الأسماء بينى وبين ابنه الأستاذ محمد سمير.. كان يواجه كل هذه المعارك – الصغيرة منها والكبيرة – بثبات وذكاء وكنت اشهد كل يوم كيف أن القامات العظيمة يتسلقها دائما الصغار.

العمل مع سمير فريد عن قرب لأكثر من عام كان بلا مبالغة مرحلة فارقة فى علاقتى بالسينما كصناعة وفن.. كان لديه رؤية عظيمة عن معنى وأهمية المهرجانات السينمائية وكان يحترم ويجل صناع الأفلام بشكل استثنائي، وانتهت دورة ٢٠١٤ وهى تحمل اسم «دورة سمير فريد» وكان قد بدأ بالفعل- بسبب رؤيته واخلاصه – فى وضع المهرجان على الساحة العالمية من جديد واستعادة ثقة صناع الأفلام محليا وعالميا فى المهرجان.

خطواته الواثقة الهادئة تجعلك عندما تقابله يتغير ايقاعك، وكأن العالم اصبح ابطأ وأدق الساعات التى كنا نقضيها معه كان لها زمنها الخاص، لم تكن ساعات ودقائق، كانت مجرد زمن كم من المرات دونت من كلماته أفكار وأسماء، فى كل مرة نتحدث كانت آفاقا تتفتح كان مثقفا بحق، ثقافة غير محدودة بالفن السينمائي ثقافة غير محدودة بمكان أو زمان ثقافة لا تخاف أحد ولكن تخيف الكثيرين.

أستاذ سمير

أنا وبقية الشلة، كنت تسمينا ”العصابة”، هم يعرفون أنفسهم.. نعدك أننا سنكمل الدرب سويا غير عابئين بأى شىء  سوى حبنا وإيماننا بالسينما.. داعمين لأحدنا الآخر وأنت مثلنا الأعلى فى ذلك كما عشت للسينما ولإعلاء قيمة الثقافة وكنت لنا ولغيرنا سندا، عاهدنا أنفسنا أن لا شىء أهم من ترك إرث ثقافى.. فى احلك اللحظات وأصعب الظروف، تبقى السينما لنا نورا ومخرجا.. أرثيك كما لم أرثى أحدا من قبل، أبكيك كما لم أبكى أحدا من قبل.. الآن فقط أعرف معنى الموت الذى كنت أتعامل معه طيلة حياتى ببرودة شديدة كمجرد حقيقة لا مفر منها.. الآن فقط أفهم المعنى العاطفى للموت.

أستاذ سمير.. حتى فى رحيلك تعلمنى شيئا جديدا