بقلم: ضياء حسني رحل «سمير فريد» الناقد السينمائي، ليعلن عن نهاية حقبة، وجدت معه وانتهت برحيله، تلك الحقبة التى وجدت مع «سمير فريد»، صنعها بموهبته وذكائه، والتى جعل فيها النقد

samir-farid

بقلم: ضياء حسني

رحل «سمير فريد» الناقد السينمائي، ليعلن عن نهاية حقبة، وجدت معه وانتهت برحيله، تلك الحقبة التى وجدت مع «سمير فريد»، صنعها بموهبته وذكائه، والتى جعل فيها النقد السينمائى فى مرتبة يتخطى فيها كونه ركن فى باب من أبواب الصحافة، يأتى فى الأهمية بعد ابواب الحوادث والرياضة، حيث كان باب السينما «والذى يضم النقد السينمائى بين ثناياه»، هو أول الأبواب التى يتم التضحية بها فى حالة وجود إعلانات أو أحداث مهمة. لقد كان «سمير فريد» واحدا من فريق من النقاد الذين جعلوا من النقد السينمائى مهنة مختلفة عن الكتابة فى الفن، أو أخبار النجوم، تلك النخبة التى لمعت فى الستينات مع أسماء مثل سامى السلامونى، ومصطفى درويش، وأحمد رافت بهجت، وفتحى فرج، وعلى أبو شادى وغيرهم، لتلحق بهم أسماء بعد ذلك مثل أمير العمري، ومحمد كامل القليوبي. ولكن «سمير فريد» كان مختلفا فى كونه منذ البداية أدرك أهمية كون أن الناقد يرتبط بصناعة وصانعيها بقدر ارتباط هؤلاء بكتابات الناقد، فوقف دائما وراء التجارب التى كان يرى أنها واعدة، بالرغم من كونها فى البدايات وبعيدة عن القوة الأكثر تأثيرا فى صناعة السينما، فدعم سيد عيسى وسعيد مرزوق فى بداياتهما، ووقف وراء شادى عبد السلام وفيلمه المومياء، بل ولآخر لحظة كان جزءا من دعم سينما يوسف شاهين بالرغم من عدم جماهيريته عند الجمهور العادي، واتهام أفلامه بأنها غير مفهومة. بالطبع فعل الكثير من النقاد السابق ذكرهم نفس الشيء، ولكن «سمير فريد» كان أكثر تأثيرا، لعله لأنه كان الوحيد الذى يكتب النقد السينمائى فى جريدة يومية، لكن الأهم قوة تأثيره كونه بشخصه كان مؤسسة وليس مجرد فردا. فقد عمل «سمير فريد» منذ البداية على الاحتفاظ بكل ورقة تكتب على السينما، ليقوم بأرشفتها، فى بلد تهمل أرشيفها، فما بالك بالسينما، حتى أنه كتب كتاب جمع فيه الرسائل المتبادلة بينه وبين المخرج توفيق صالح عندما كان منفيا خارج مصر، فحتى الرسائل الشخصية كان يحتفظ بها. كما أنه اهتم بكل نشاط يدعم هذا الفن فى كل المجالات. فدعم جمعية الفيلم فى أزمتها الأولى، وشارك فى إنشاء جمعية نقاد السينما المصريين، وكان منذ البدايات حتى النهاية من رواد المهرجانات الثلاث الكبرى «فينيسيا – كان-برلين» وناقل لأهم الأحداث السينمائية التى تدور من خلالهما للقارئ المصرى والعربي. وكان يحلم بإنشاء مهرجانات مصرية للسينما، فبدأ بمهرجان راس البر للسينما المصرية، الذى لم ينعقد الا مرة واحدة، وكان صاحب فكرة المهرجان القومى للسينما المصرية، وعمل فى مهرجان القاهرة السينمائي، حتى رأسه إحدى دوراته.

وعندما تغيرت الأوضاع السياسية والاقتصادية فى مصر بعد فترة الانفتاح، هاجر الكثير من النقاد البلاد، أو عملوا فى السينما، أو ذهبوا للتليفزيون، أو اهتموا بالبحث السينمائى وكتابة تاريخ السينما، ومنهم من تولى مناصب إدارية فى الدولة، الا «سمير فريد» الذى ظل يكتب النقد ويصدر الكتب، فان مهنة النقد السينمائى والكتابة السينمائية، كان يرى أنها الأهم والأكثر تأثيرا.

وفى فترة من الفترات كان يسيطر على أوساط الكتابة السينمائية والمناصب الثقافية التى تخص السينما، أربعة من النقاد الكبار، على رأسهم «سمير فريد»، هو من ساندهم ودعمهم، ليصبحوا أصحاب المنح والمنع، وتولوا المناصب، فلقد أصبح «سمير فريد» عقلا مفكرا، للكثير من الكيانات، داخل وخارج مصر فى المنطقة العربية، واصبحت لديه المصداقية التى يعتد بها، واصبح اللجوء اليه هو وسيلة للخروج من المأزق، وهذا ينطبق على مهرجانات عربية عريقة، وعلى المبتدئين الجدد فى مجال النقد السينمائى، أو المخرجين الجدد. فقد دعم «سمير فريد» الكثير من النقاد الجدد والسينمائيين الشباب، بالرغم من أن هذا الدعم قد أثار فى الكثير من الأحيان الاعتراضات حول كونه غير موضوعي، الا أننا بصدد أمر يعتمد على الذائقة والتقدير الشخصي، ولسنا أمام أحد فروع العلوم الطبيعية.

عمل «سمير فريد» مستشارا لدى شركات إنتاج سينمائي، على أمل أن يساهم فى رقى ما يقدم فى السينما، وقد قيل انه قد أكمل المونتاج النهائى لأحد الأفلام بعد أن اختلف المخرج مع الشركة المنتجة، وكأننا أمام هوليوود فى مجدها التى كانت تقوم شركاتها بمونتاج أفلامها النهائي. ولكنه لم يستمر، قد يكون ذلك لأنه لم يكن يتجمل العمل لدى أحد، أو لأن السينما تدهورت للحد الذى لم تعد تحتاج فيه مستشارا مثل «سمير فريد».

هذا هو الراحل «سمير فريد» الناقد المؤسسة صنع العديد من الأشخاص والأشياء، ولم يصنعه أحد. كان مثقفا تواقا للفن والثقافة فسعى لرموز ثقافية كبرى منذ نعومة أظافره، وسعوا اليه كشخص مثقف واعد منذ بداياته. أعاد فى الفترة الأخيرة ترتيب أفكاره وانتماءاته، وكانت أراءه، تثير الكثير من الجدل، وتفتح المجال للاشتباك معه عبر الصحف، ولكنه كان -دائما – رائقا فى جدله وردوده، ومع ذلك ظل دائما مع حرية الفكر والفن، وراغبا فى التغيير، ووضح ذلك مع تأييده لثورة 25 يناير واحتفائه بالسينما التى غبرت عنها.

عند الكتابة عنه لا نستطيع اختصاره فى عدد الكتب التى اصدرها، ولا عدد المقالات التى نشرها، ولا عدد المهرجانات التى قام بزيارتها، فهذا يتبع مع ناقد نابه، وليس مع الشخص الأكثر تأثيرا فى وسط النقد والكتابة السينمائية فى الثلاثين عاما الماضية، فوداعا «سمير فريد» وليترك للتاريخ تقيم تجربتك ونموذجك الذى بدأ معك وانتهى برحيلك.