بقلم: خالد عبد العزيز مدخل أُمسك بالهاتف المحمول، أفتح سجل الأسماء، يُطالعنى اسمه “سمير فريد“. وقبل أن أضغط على زر الاتصال.. أتذكر أنه لم يعد. الفقد مؤلم، يكسو النفس بمسحة

441

بقلم: خالد عبد العزيز

مدخل

أُمسك بالهاتف المحمول، أفتح سجل الأسماء، يُطالعنى اسمه “سمير فريد“. وقبل أن أضغط على زر الاتصال.. أتذكر أنه لم يعد.

الفقد مؤلم، يكسو النفس بمسحة شفيفة من السواد، تزداد ثقلها مع مرور الزمن، ولا يبقى سوى سلسال الذكريات المتدفق يكاد يكون هو الوحيد الذى يجابه تلك الكتلة الصماء السوداء المُسماه مجازا بالحزن.

مشهد (1) نهار / داخلي.. فى المكتب

“ ازيك يا فنان ؟ “

بصوته الهادئ الممزوج بالفرح كان يقابلنى دوما بتلك الجملة المشوبة بأبوية وترحيب لا يُضاهى، وابتسامته التى كان يستقبلنى بها، لتكن هى المُفتتح والإشارة لجولات من الحديث لا تنتهي، دروب مُمتعة من الفن والشغف والحكايات والذكريات التى تحويها ذاكرته. علاقته بجيل الشباب من الكتاب والنقاد علاقة شديدة الخصوصية، الجانب الإنسانى فيها يكاد يطغى على الجانب الإبداعى والنقدي، الكل يكن له ليس فقط التقدير لمكانته بل الأهم هو الإحساس بأن هناك من يُدعمهم ويقف خلفهم، الإحساس بأنك لست وحدك.

مشهد (2) ليل / خارجي.. فى أحد كافيهات الزمالك.

«ليه يا أستاذ سمير متكتبش الحكايات اللى عندك عن الوسط الفنى والصحفي.. خسارة لازم تدونها ؟».

رد يومها بعد أن سكت لدقائق «تعرف لما أقعد مع نفسى محسش بأهميتها، لكن لما أحكيها أعرف قد ايه هى مهمة».

مخزون الحكايات لدى صاحب “الواقعية الجديدة فى السينما المصرية“ مُبهر، ما ان يشعر بحميمية المُحيطين من حوله، حتى يبدأ سرده الإنسانى البالغ الرقة، حديثه الممزوج بالحكم والأقاويل التاريخية، يُشى بثقافة عميقة موسوعية  لا تقتصر على السينما والفنون فقط. يكفى عموده اليومى فى جريدة “المصرى اليوم“ بعنوان “صوت وصورة“ – ومن قبله بالتأكيد صفحة السينما بالجمهورية – ذلك المقال الذى ظل الأستاذ يكتبه لسنوات ليس عن السينما وأحوالها فحسب، بل تطرقت دوما للسياسة والتاريخ وغيرها، كما قال فى أحدى المرات “ العمود أسمه صوت وصورة.. الناس فاكرين أنه عن السينما بس، لكنه مساحة أكتب فيها عن السياسة أيضا وغيرها“.

مشهد (3) نهار / داخلي.. فى المكتب

أقف بجواره أمام المكتب، يقول «شاهدت أكثر من خمسة آلاف فيلم.. لذا أتمكن من قراءة الوجه وتعبيراته بسهولة» تعلمت مشاهدة وتذوق السينما عبر كتاباته، مقالاته وكتبه علامات أسترشد بها، مرجع يُمكن الاعتماد عليه، رأيه مُلهم، ويفتح آفاقا مُختلفة للتذوق. تعلمت الكتابة عن السينما من خلاله، السلاسة والبساطة والعمق فى نفس الوقت، يُمكنك بسهولة معرفة من الكاتب من فرط تفرده. كان الداعم الأكبر لكتابتي، لا أنسى فرحته فور أن تلقى نسخته من مجموعتى القصصية بعد صدورها، بعدها بفترة أخبرنى بمودة ومحبة لا توصف أنه قرأ الكتاب وينوى الكتابة عنه، لا أنسى صوته الودود وهو يُخبرنى برأيه الذى يحوى من الدعم أضعاف ما يوازى من الإطراء.. أعظم تقدير تلقيته ولن أتلقى مثله أبدا كانت كلماته التى أشعرتنى بالخجل وأدمعت عيني، يومها شعرت أننى أصبحتُ كاتبا.. لا أبالغ إن قلت اننى قبل تلك الكلمات لم أكن شيئا.

مشهد ( 4 ) ليل / خارجي.. فى الأوبرا

“ فاكر يا أستاذ سمير فيلم ظلال أجدادنا المنسيين للمخرج “ سيرجى براجانوف“ ؟

يرد بعفوية “ آآآآآآآآه.. فيلم بالغ العذوبة والجمال “.

أنطلقت بعدها كعادتى فى لقائتنا السؤال عن الأفلام العالمية التى يُقدرها ويُحبها، عند ذكر اسم كل فيلم كان وجهه يتهلل ويفرح أكثر وأكثر. لم أقابل أحدا يعشق السينما مثلما عشقها صاحب “ أدباء السينما والعالم “. فهذا الكتاب الذى تتبع فيه أهم الروايات والأعمال الأدبية التى حولت للسينما، يضج بولع حقيقى للسينما والأدب على التوازي.

فى آخر مكالمة هاتفية سألته عن آخر الأفلام التى شاهدها، أتانى رده بصوت حزين بأن حالته الصحية تمنعه من الذهاب إلى السينما وفقا لنصائح الأطباء بالابتعاد عن الزحام.. تألمت من كلماته لإدراكى التام أنه يُفضل مشاهدة الأفلام فى السينما وليس على الشاشات الصغيرة فى المنزل، يُحبذ أن تكون المشاهدات الأولى فى قاعات العرض.

مشهد ( 5 ) ليل / داخلي.. فى المجلس الأعلى للثقافة

أثناء التحضيرات النهائية للدورة السادسة والثلاثين لمهرجان القاهرة السينمائى الدولي، وخلال يوم عمل طويل امتد لبعد منتصف الليل، شعرتُ فجأة بالإجهاد ووضعت يدى على رأسي، لأجلس بعدها أمامه مرهقا. بعد أن القيت بجسدى المُنهك على المِقعد.

نظر إلى بحنو قائلا “طول ما أنت تعبان عمرك ما هتعرف تشتغل.. هدئ أعصابك وأنت هتعرف تفكر“.

هدوء الأعصاب والتفانى فى آداء العمل، صفتان أساسيتان أقتنصتهما منه. أعتى المشاكل التى كانت تواجه فريق العمل كان يواجهها بحنكة شديدة وبهدوء يُحسد عليه.

الشغف.. تلك المفردة التى تُلخص – من وجهة نظرى – علاقة الأستاذ بالنقد والكتابة، كتابته موسومة بذلك التوق والرغبة فى لكتشاف العالم، فكما قال المخرج الروسى أندريه تاركوفسكى “الاكتشاف الفنى يحدث فى كل مرة باعتباره صورة جديدة وفريدة للعالم“، كتابته لا تطرح الأسئلة فقط ليُعمل القارئ عقله، بل تبحث أيضا عن إجابة وافية لها. تأثرت بشدة بمقاله عن فيلم “ زوجة رجل مهم “للراحل“محمد خان“، قد تختلف مع رأيه، لكن تحليله العميق ورؤيته قد لا يدفعانك لتغيير رأيك بقدر الإعجاب والتأمل والتعلم.

مشهد ( 6 ) نهار / داخلى فى مستشفى السلام.. اللقاء الأخير

يجلس على الفراش، يبدو عليه التعب وإجهاد المرض بادٍ على وجهه، لكنه لم يخف ألق عينيه الشغوفة والمُحبة، ألمس يده مُسلما برفق، خشية أن أؤلمه، يُرحب بي، أنظر إليه طويلا، قبل أن أطلب منه ألا يرهق نفسه بالحديث، يُبادر هو بالسؤال عن بعض الأمور المتعلقة بعمل ما، أُخبره بأنى سأنجره فورا. يشكرنى بود، وأنا اُسلم عليه قبل خروجي، يبدو أنه لاحظ تعبيرات وجهى التى بدأت فى التغُير من أثر رؤيته فى هذه الحالة التى لم أره عليها من قبل، يقول بصوت مُتعب “هتعدى إن شاء الله .. ادعولى“.

اتجهت نحو السلم، وقفت أمامه مبهوتا، ثم بدأت خطواتى البطيئة ترتقيه نزولا، وكلماته ترن فى أذنى “هتعدى هتعدى“ لم أُدرك أنها ستكون آخر كلمات أسمعها منه.. وأن تلك الرؤية ستكون التجلى الأخير.

أستاذ سمير فريد سأفتقدك كثيرا.