بقلم: د. أمـل الجمل فى واحدة من تلك الليالى السود التى كانت تشتاق للنهار ولا يأتى أبدا، وقت اشتداد أزمة فيلم “آخر أيام المدينة” للمخرج تامر السعيد، والإصرار المتعنت من

samir-farid

بقلم: د. أمـل الجمل

فى واحدة من تلك الليالى السود التى كانت تشتاق للنهار ولا يأتى أبدا، وقت اشتداد أزمة فيلم “آخر أيام المدينة” للمخرج تامر السعيد، والإصرار المتعنت من المسئولين على منع عرض الفيلم داخل أى قسم من أقسام المهرجان القاهرى نوفمبر 2016، فى تلك الليلة بينما كنت أتحدث مع المخرجة ذات البصيرة القوية هالة لطفى فجأة هلت علينا نسمات عطرة من سيرة سمير فريد، كان فى القلب والخاطر، الأزمات تستدعى الناس الجميلة صاحبة المواقف الصلبة، الكاشفة عن الثقافة الحقيقية. ليلتها عرفت أن المرض اشتد عليه، وأن زوجته والصديقة العزيزة منى غويبة تسانده وتدعمه بقوتها وروحها المرحة. حماس هالة وخوفها عليه والإشادة بدوره على أبناء جيلها وأجيال سابقة فتح باب فى قلبى لم يغلق للآن، وأظنه لن يفعل أبدا. المديح لم يمنعنا من ذكر مآخذ أو انتقادات لكن هالة ختمت حديثها معي: “يا أمل الحاجات الحلوة الكثيرة اللى عملها سمير ممكن تغفر له أى أخطاء تانية.. عاوزة تعرفى دور سمير فريد على جيل رأفت الميهى ومحمد خان وخيرى بشارة وعاطف الطيب وأبناء الواقعية الجديدة اقرى كتاب رسائل توفيق صالح إليه…”

كلمات هالة السابقة استدعت من ذاكرتى محادثة تليفونية طويلة لى قبلها بأسبوعين مع المونتير والباحث المدقق والمهموم بالسينما د. مجدى عبد الرحمن عندما أخدنا الحديث لترميم “المومياء” ووقتها ظل يُؤكد بإحساس يملؤه الامتنان بأن الفضل الأول يرجع لسمير فريد فى الوصول إلى مؤسسة مارتن سكورسيزى وفتح باب التواصل معها مما أدى للموافقة على الترميم.

كانت المحادثتان مثل “الخلاط” الذى يقلب أفكارى ومشاعرى رأسا على عقب، ثم يعيد الكرة مرات ومرات. شعرت بالارتباك. لكنى بدأت أُعيد تأمل مشوار الأستاذ. ولن أُنكر أننى منذ أفقت من صدمة خبر وفاته شعرت بالتناقض الكبير فى داخلي، كأنى غير قادرة على فهم نفسي، فكيف يكون سمير فريد من أكثر النقاد الذين اختلفت معهم فى الرأي، سواء فى تقييمه لبعض الأفلام، أو بسبب المبالغة أحيانا فى مديح بعض صُناعها، لدرجة أنى كتبت أحيانا بشكل يُغضبه، ولدرجة أننا كنا أحيانا نكتب ونرد على آراء بعض دون أن يذكر أى منا اسم الآخر؟ ثم كيف فى نفس الوقت أحمل له كل هذا الحب الكبير وأكن له كل هذا التقدير؟ ولماذا إذا كنا نختلف سويا – فى بعض أو كثير من آرائنا – فى السنوات الأخيرة، وإذا كنت أراه يجامل أحيانا فلماذا كان عموده “صوت وصورة” بالمصرى اليوم هو أول شيء أبحث عنه لقراءته؟

أحيانا فى محاولة لفض الاشتباك وغموض التناقض بداخلى أقول لنفسي؛ ان علاقتى بأستاذ سمير فريد كان فيها شيء – أو ربما أشياء – من علاقة الأبناء بالآباء؛ فيها الحب والاحساس بالفضل والامتنان له، لكن فى نفس الوقت فيها تمرد ومشاكسة وأحيانا غضب خصوصا عندما تتقاطع او تختلف وجهات النظر، مثل علاقة بنت مع أبيها، رغم أنها تحبه جدا ومعجبة جدا بجوانب كثيرة فى شخصيته لكنها تتمرد عليه، وتُعارضه، ولا تتورع أحيانا فى لحظة غضب من آرائه أن تنتقده علنا!

لكن، ورغم ذلك، لا أستطيع أن أُنكر، ولا أنسى أفضال الأستاذ عليَّ، فكلما أُعيد تأمل مشواره سأجدنى حتما أعترف بفضله على السينما المصرية والمكتبة النقدية، وبفضله عليَّ أنا أيضا ليس فقط لأنه كتب فى مقاله “صوت وصورة” بصحيفة “المصرى اليوم” يمتدح بعض كتبى أكثر من مرة ويدافع عنها، أو لأنه كان من أوائل الكتاب الذين كتبوا عنى فى بداية مشوارى النقدى وتحديدا عندما كتبت أنا تحليل لفيلمى “يوم الاثنين” و”غير خدوني” للمخرج تامر السعيد فكتب الأستاذ سمير مقالا بعنوان “الأجيال وصُناع السينما” واعتبر تحليلى للفيلمين وقتها بمثابة “البداية الحقيقية لنقد السينما المستقلة لناقدة تنتمى إلى نفس الجيل” وهو أمر منحنى قدرا من الثقة والاعتزاز لأتابع ما بدأت، وأيضا كان بمثابة صك الاعتراف بى كناقدة بين الآخرين، وهو ما أثر على شكل وطبيعة تعامل الوسط النقدى معى بعدها.

صحيح أننى لا أنسى ولا أُنكر أن أساتذة كبار وزملاء آخرين كتبوا مقالات امتدحوا فيها كتبى ودراساتي، لكن تأثير منهجية سمير فريد امتد إلى طموحى الكبير، وأسلوبى فى العمل البحثى من خلال مقالاته وكتبه وآرائه وأحاديثه عن غياب الأرشيف السينمائى وافتقاد قواميس علمية عن الأفلام العربية، فرغم أننا فى بعض الأوقات كانت وجهات نظرنا تختلف أو تتقاطع، وربما كانت آرائى تُغضبه فى أوقات أخرى مثلما كانت بعض آرائه تغضبنى أحيانا، لكن الأكيد أن أسلوبه فى الكتابة والتوثيق والتأريخ والتعامل مع الفيلم والقضايا السينمائية لعب دورا مهما فى تشكيل أسلوبى البحثي، وفى أهمية أن أحرص على تكوين أرشيفى الخاص، وعلى توثيق المعلومات، وعلى توظيفها فى مكانها الصحيح بالدراسة والمقال، وكان حلمى ولا يزال أن تتسم كتاباتى بدقة ومصداقية وموضوعية التأريخ. ولن أخجل أن أعترف أننى ذات يوم كنت أحلم بأن أكون النسخة الأنثوية من “سمير فريد” فى النقد وتدقيق، وتوثيق المعلومة، والتأريخ للسينما المصرية وعمل أرشيف لها؟ لكن للأسف لم أنجح فى مواصلة ذلك، بينما الأستاذ كان نفسه أطول، وأكثر دأبا وحماسا وإخلاصا لشغفه وعشقه الأول.

مع الأستاذ سمير فريد لم أشعر، ولو لمرة واحدة، بالغيرة التى تنتاب أبناء المهنة الواحدة، فقد كان يسعد بظهور نقاد جدد جادين على الساحة النقدية، ويفرح بهم عندما يراهم يجوبون المهرجانات السينمائية الدولية، فلا يخشى منافستهم له كما يفعل البعض، ولكنه يأخذ بأيديهم، ويشجع الباحثين وكأنه يبنى مؤسسة لا يرى جدرانها وهيكلها أحد غيره هو، كأنه يبنى بهؤلاء حلمه، أو يتوسم فيهم أنهم سيُكملون مشروعه الذى بدأه واستمر قرابة الخمسين عاما. كان يتأمل الكتابات من حوله، وتلتقط عينه وحاسته النقدية والثقافية وخبرته تلك الموهبة، ويدعمها ويساندها إذا لجأت إليه أو إذا أتاحت الفرصة لقاءهما، ويشيد بها على عموده الصحفي، فلن أنسى أبدا أننى قبل أن يكتب مقاله الأول عنى بحوالى خمس أو ست سنين، وقبل أن أفكر فى أن أكون ناقدة سينمائية، وقبل حتى ما أدرس النقد، كنت وقتها لا أزال أعمل على إعداد برامج للتليفزيون وكنت أفكر فى العمل على كتاب “الإنتاج المشترك فى السينما المصرية” واتصلت بسمير فريد – بناء على اقتراح من أستاذ محمد عبد الفتاح ربنا يُمد فى عمره بالصحة – وحكيت لأستاذ سمير عن الفكرة لعله يساعدنى باقتراحات أو مراجع، والمؤكد وقتها أنه لم يكن يعرف من أمل الجمل هذه، وربما لم يسمع عنها، لكنه فرح جدا بموضوع البحث وشجعنى قائلا: “خلصيه وأنا أنشره لك فورا فى مكتبة الاسكندرية”.. وبعدها بيومين اتصل بى وقرر أن يُقيم ندوة بمكتبة الاسكندرية كى أحاضر فيها عن أحد هذه الأفلام – “الصقر” – وكانت تجربة شيقة ممتعة لن أنساها. ثم حدد لى موعدا لأقابله وفوجئت به يقدم لى حقيبة مليئة بأوراق وكراسات مجلدة عن ندوات أقيمت عن الإنتاج المشترك فى باريس إلى جانب الكتب التى يعتقد أنها ستُفيدنى فى بحثي، فعل هذا – هو فقط والأستاذ محمد عبد الفتاح – بينما ساومونى آخرون على ما لديهم من معلومات.

سمير فريد لما كنت أسأله عن كتاب أحتاج إليه بشكل مُلح فى أى بحث أو فى مرحلة الدكتوراه كان يُصور لى نسخة من مكتبته ويجلده ويُرسل به إلي، هذا بخلاف الكتب التى أهداها لى فى أكثر من مناسبة، وغير كتبه اللى أرسلها إلى بالإيميل عندما أخبرته أننى لم أجدها فى المكتبات.

لن أنسى أبدا عندما التقيته فى مطار القاهرة نهاية أغسطس 2015 وابتسامته كم كانت جميلة مبهجة عندما علم أنى مسافرة لأحضر مهرجان فينيسيا للمرة الأولى، وقتها قال لى كأنى ابنته التى يفتخر بها “تعالى أبوسك” وضحكنا أنا ومنى زوجته الرائعة، وشعرت إنى كالطائر بجناحين من الفرح بعد أن كنت أشعر بالرهبة أنى أسافر لوحدى فى تجربة أعتمد فيها على نفسى كليا، لكن استقباله وفرحه جعلنى أنسى القلق والتوتر وأفرح جدا، جعلانى أشعر أنهما الاثنين سيكونان لى سندا فى الغربة.

سمير فريد – مثلما ساند بكل قوته جيل الواقعية الجديدة – لم يكتف بالكتابة عن الأجيال الشابة والواعدة والمتميزة، لكنه كان يساندها بالبحوث والمراجع، وبخبراته، كان يمنحنا من مكتبته وأرشيفه، وهو أمر نادر الحدوث وهو فى ذلك يُذكرنى أيضا بشخصية الرائعة د. نهاد صليحة.

الأستاذ والقامة الكبيرة سمير فريد – ورغم أى ملاحظات واختلافات فى الآراء معه – كان وما زال بالنسبة لى جبلا شامخ من الصعب على نقاد جيلى أو أجيال أخرى أن يصلوا لما حققه وأنجزه هو. صعب جدا. فمن الصعب – إلى جانب منجزه النقدى – أن تجد ناقدا مثله يمتلك تلك السماحة، وهذه الروح والرغبة والطاقة فى أن يُعطي، ويظل يُعطي، ويساعد ويدعم السينمائيين وشباب النقاد، سمير فريد كان عنده قدرة على العمل الجماعى دون أن يتخلى عن تلك الروح الحلوة المرحة، كان يستطيع أن يجمع الناس من حوله فى مشروع مهم، ويُقدرهم ماديا ومعنويا وأدبيا، دون أن يمارس عليهم السلطة.

حزينة أنا لفقدانه، لأنى لم أجلس معه كفاية، ولم أنهل من حكايته وخبراته وكرمه أكثر وأكثر، حزينة لأنى لم أنجح فى الإسراع بتحقيق الحلم الكبير الذى وعدته به، والسلوى الوحيدة التى تصبرنى أحيانا وتخفف من وطأة الإحساس بالذنب أنى كتبت له من فترة أعترف له بأفضاله على بشكل شخصى منذ كنت أدرس بكلية الإعلام جامعة القاهرة، منذ قراءة كتابه “الصراع العربى الصهيونى فى السينما” رغم أنى وقتها ولا كان فى بالى ولا فى خيالى إنى سأكتب نقد سينمائى فى أى يوم من الأيام..

لن أنسى عندما أرسلت له رسالة من فترة قصيرة أخبره؛ “نفسى أعمل عنك كتابا يكون جزءا أساسيا منه حوارات معك، وأعدك سيكون كتابا مختلفا، متميزا، ويليق بك”… فكان رده “يسعدنى ويشرفني:”… لما وصلنى الرد منه شعرت كأنى لمست السماء بيدي.. وظللت أقول لنفسي؛ “معقولة الأستاذ وهذا الجبل الكبير بكل تاريخه يقول لى أنا “يسعدنى ويشرفني”؟!

الآن اعترف بالحقيقة أن الأستاذ سمير أثر فيَّ وفى أجيال، وفضله علينا كبير وممتد، الآن أقول إن حظى سيء، بل شديد السوء لأن واحدا من أهم وأجمل أحلامي، واحدا من أهم وأجمل الكتب التى كان نفسى أعمل عليها – على شكل مشاغبات تقول الكثير عن رحلته ومشواره وفى نفس الوقت تدرس تجربته النقدية ومشروعه الضخم – للأسف أُجهضت لأن سمير فريد الأستاذ والمعلم والصديق سافر وأخد معه الحلم الجميل.