بقلم: سيد محمود كشف موت الناقد السينمائى «سمير فريد» عن حجم الفراغ الذى يمكن للثقافة المصرية أن تعانيه فى غيابه، فالرجل لم يكن فقط ناقدا سينمائيا شهيرا وإنما كان أكثر

94680649_037916350-1

بقلم: سيد محمود

كشف موت الناقد السينمائى «سمير فريد» عن حجم الفراغ الذى يمكن للثقافة المصرية أن تعانيه فى غيابه، فالرجل لم يكن فقط ناقدا سينمائيا شهيرا وإنما كان أكثر من ذلك بكثير.. هو مؤسسة بكل ما تعنيه هذه الكلمة سواء على صعيد العطاء المهنى الممتد لأكثر من خمسين عاما أو على صعيد علاقاته الدولية والعربية فى المجال السينمائى أو حتى فى القضاء الثقافى العام، وقد قدر لى أن ألتقى به وأتعرف عليه بشكل مباشر قبل حوالى 12 عاما بعد سنوات كنت أحتفظ فيها بمقعد القارئ والتلميذ وخلال تلك السنوات وربما قبلها بقليل كتبت عنه عدة مقالات كان كريما فيها بكل المعانى.

لم يبخل بنصيحة أو بأى أنواع العطاء التى يحتاجها تلميذ بنى الجانب الأكبر من معرفته بالسينما واتجاهاتها على ما كان يكتبه هو والناقد العزيز الكبير رءوف توفيق فى مجلة «صباح الخير» فبفضلها تكونت ذائقتى  الجمالية فى هذا المجال وظل لهما القول الفصل فيما ينبغى أن أعرفه أو أراه، غير أن الأقدار المهنية قدرت لى التواصل مع الأستاذ «سمير فريد» وحده ربما لأن تركيبته الشخصية جعلته أكثر حرصا على تنمية علاقاته مع الأجيال الأصغر والتواصل معها بشكل حميم، والمؤكد أن النقد السينمائى فى الصحافة المصرية عرف مساهمات كانت تدور كلها فى إطار النقد الانطباعى الذى يفتقر إلى الرؤية والمنهج حتى جاء الراحل وأعطى لتعبير الناقد السينمائى وزنا، لم يكن قائما قبل احترافه لهذا المجال ويعرف المتابعون لكتاباته أنه وخلاف آخرين عاصروا تجربته وبدأوا معه ظل دوما حريصا على أن يمارس دوره كصحفى على استعداد لكتابة الخبر والتحقيق والحوار إلى جانب مقالات الرأى ومراجعات الأفلام، إذ لم يتعال أبدا على الممارسة الصحفية أو ينظر إليها تلك النظرة التى ورط فيها البعض بالتقليل من أهمية ما يمكن أن تقدمه الصحافة بين خدمة للقارئ الذى له الحق دائما فى أن يعرف أكثر. وتشهد مقالاته سيما مقالات «المصرى اليوم» على حس عميق بالخبر وكانت نادرا ما تخلو من الحس العالى بأهميته كمعطى أولى فى أى تجربة صحفية، وبالإضافة إلى هذا الجانب يظل للراحل فضل من نوع آخر يرتبط بقدرته الفائقة على دعم أجيال من الموهوبين فى الكتابة وصناعة السينما فى كل تجلياتها المختلفة، لكن لم تكن هذه القدرة محكمة بنظرة أبوية تسلطية تقوم على احتكار المعرفة أو الوصاية وإنما ترتبط برغبته فى الانفتاح على الأجيال الأصغر ودعم تجاربها وحريتها فى الاختيار والممارسة المغايرة لتجربة الجيل الذى كان أحد أفراد طليعته المميزة، لكنه بخلاف الكثير من هؤلاء لم تكن أفكاره تنطوى على التسلط، فقد ناضل كثيرا ودفع ثمن رؤاه القائمة على نبذ الاستبداد فى أشكاله المختلفة، ومن يرجع لمقالاته بإمكانه أن يكشف فيها عن الإيمان المبكر بأهمية مراجعة التجربة الناصرية والإيمان بالفصل التام بين ما كان يمثله نموذج الرئيس «جمال عبدالناصر» كزعيم وطنى حر وبين الإرث الثقيل لتجربته السياسية المحملة بولع بصورة «المستبد العادل»، غير أن هذه المراجعة لم تحمل أبدا تقديرا لما فعله زمن الانفتاح الاقتصادى وقيم الثورة المضادة التى أشاعها نظام الرئيس «السادات» لذلك مثل سمير فريد نموذجا واضحا ليس فقط للمثقف العضوى بالمعنى الجرامشى فيما يتعلق بالالتزام وإنما للمثقف القادر دوما على المراجعة والنقد الذاتى باعتبارها درجة من درجات «الاجتهاد» الذى لم يكن لصاحبه أو يخطئ أو يصيب، وهى قيمة أخرى كانت تشيع فى كتابات الراحل والتى تخلص فيها من صورة «المثقف الرسولى» «حامل الرسالة» لأنه كان يؤمن بالدور أكثر من إيمانه بالرسالة، لذلك ظل دوما من المتحمسين لنشاطات المجتمع المدنى والمطالبين دوما بمراجعة دور الدولة فى الثقافة طالما أصرت على أن تمارس دورا توجيهيا وإرشاديا واعيا إلى دور الرعاية وليس دور الإرشاد.

وعلى قلة الحوارات التى جمعتنا معا فقد دعوته مرارا  لكتابة سيرته الذاتية وكلى ثقة أنها سيرة رجل «عاش» بكل ما تعنيه كلمة «العيش» من معنى حتى بدلالاته الشعبية، عاش بالأناقة التى تلزم رجل كان ندا للنجوم يعرف أن لديه أصابع من نور تعطى الضوء الكفيل بإطلاق أى موهبة.

وكأى قاض نزيه ظلت أحكامه النقدية مرجعا فى كل الأزمات وخاض معاركه دفاعا عن قيمة جمالية وانحياز لقيمة وليس لمصلحة ويكفى هنا أن ذكر رهانه المبكر على مخرجى الواقعية الجديدة «عاطف الطيب ومحمد خان وداود عبدالسيد» والذين اتهموا بأنهم مخرجو أفلام «الصراصير» دافع «فريد» على أفلامهم بطريقة انتصر لها التاريخ، حيث أصبحت الآن من علامات السينما المصرية وأحسب أن هذا الانحياز هو ما يؤكد أن «سمير فريد» «الأنيق» فى سلوكه ولغته كان تقدميا طالما كانت هذه الكلمة تنطوى على انحياز للمستقبل ظل يلازمه حتى بلغ دار العودة.