بقلم: عمرو عبد الرحمن   على الرغم من أنى غير مشتغل بالسينما ولا يتجاوز اهتمامى بها عتبة التذوق، فقد أسعدنى الزمان بالتعرف على الراحل سمير فريد عن قرب نتيجة ملابسات

samir-farid

بقلم: عمرو عبد الرحمن

 

على الرغم من أنى غير مشتغل بالسينما ولا يتجاوز اهتمامى بها عتبة التذوق، فقد أسعدنى الزمان بالتعرف على الراحل سمير فريد عن قرب نتيجة ملابسات شخصية مختلفة… ولا أملك ما أقوله فى رحيله إلا أن من لم يسعده الحظ مثلى فى التعرف على هذا الرجل فقد فاته التعرف على جيل كامل من المثقفين المصريين الذين دشنوا إسهامهم فى مرحلة مابعد نكسة ١٩٦٧… هو فعلًا “جيل” كامل بحد ذاته سواء بمعرفته الموسوعية المذهلة وأخلاقه الدمثة التى جمعت ما بين استعفاف الأعيان والأرستقراطية وتواضع ودماثة من عاش زمن التحرر الوطنى وأحلامه اليسارية مختلفة التلاوين.

ولكنه زاد على كل ذلك انفتاحًا مذهلًا على الأجيال التالية عليه سواء المشتغلين بالسينما أو أوجه العمل العام المختلفة وغيرها… بل وانفتاحًا حتى على مراهقين يكبرهم فى السن بستة عقود على الأقل… انفتاح ندّى حقيقى وليس أبويًا مصطنعًا كان يجعل كل لقاء معه متعة حقيقية… وكذلك طوّر تشككًا ونفورًا عميقين تجاه ما وسم عقائد حقبته التكوينية من إطلاقيات وميل استبدادى سواء كانت تلك العقائد اشتراكية أو قومية أو إسلامية… أتذكره عندما كان يقول أن حزب البعث الاشتراكى ومن لف فى مداره هم آباء كل استبداد لاحق حتى التيارات الشمولية التى تحاربهم اليوم فى سوريا.

تعاملت معه على المستوى العملى مرة واحدة… فى عام ٢٠٠٦ كنّا نعدّ فى مجلة البوصلة ملفًا خاصًا عن “المرأة والديمقراطية”… كنت فى منتصف العشرينات وقتها وفتحت أمامه الفكرة فى مناسبة اجتماعية ما فكان هو المبادر لطلب الكتابة فى العدد وليس العكس وشدد أن هذا سيكون بمثابة “شرف كبير له” بالنص… وبالفعل بعد حوالى أسبوع عاد إلينا بورقة عن صورة المرأة فى سينما الواقعية الاشتراكية والواقعية الجديدة كانت من ألطف وأدقّ مواد العدد… وتركنا بعدها فى الحقيقة فى حالة من الإكبار لهذا الرجل الذى كان التعامل معه على هذا القدر من السلاسة والمتعة.

مع رحيله، ورحيل الكثيرين غيره، تفقد مصر مكونًا من مكونات تراثها الديمقراطى والتحررى الذى لم يتح لجيل يناير ٢٠١١ التعرف عليه عن قرب خلال زمن مبارك الطويل الكئود الممل أو خلال زمن يناير العاصف الدرامى الذى لم يترك فرصة لالتقاط الأنفاس… وواجب كل من يعد نفسه منتميًا لهذا الميراث هو أن يتولى بنفسه، أو بشكل جماعي، مهمة ربط حاضر هذا النضال الديمقراطى بماضيه إذ أن الزمن لم يسعف الأستاذ سمير وغيره للقيام بهذه المهمة.

 

باحث سياسي