بقلم: أحمد شوقي ذات صباح من شهر ابريل فى عام ماض تلقيت اتصالا من الأستاذ سمير فريد. اتصال صار دوريا فى كثير من أيام الثلاثاء والأربعاء فور قراءته للعدد الجديد

94680649_037916350-1

بقلم: أحمد شوقي

ذات صباح من شهر ابريل فى عام ماض تلقيت اتصالا من الأستاذ سمير فريد. اتصال صار دوريا فى كثير من أيام الثلاثاء والأربعاء فور قراءته للعدد الجديد من جريدة القاهرة، ثم قيامه بالاتصال بمن يريد أن يهنئهم على مقال أو يبدى لهم ملاحظة أو يناقش . معهم موضوع يتعلق بما كتبوه. فى جهد وإخلاص حقيقى لفكرة الثقافة كحراك فكرى لا بد وأن ينخرط فيه كل المثقفين بغض النظر عن عمرهم وقيمتهم.

ما حدث فى تلك المكالمة تحديدا هو انه لما يبدأها بندائه الشهير “إزيك يا ناقد”، وإنما رحب بى بلهجته التى لم تخلو أبدا من نبرة مرحة أو ساخرة ربما قائلا “أهلا بالناقد السويدى أحمد شوقي”. ضحكت وسألته عن سبب هذا الوصف، فأجاب “عشان انت كاتب مقال ميكتبوش غير ناقد سويدي”.

المقال المقصود كان تغطية لفعاليات إحدى دورات مهرجان الأقصر للسينما الافريقية، وأشرت فيه لنجاح المهرجان فى الارتباط بالمجتمع المحلى لدرجة أن صاحب أشهر مقاهى المدينة علّق على أحد الحوائط صورته مع المخرج الإثيوبى هايلى جريما وكأنها صورة مع أحد النجوم المعروفين. الأستاذ سألني: هل تعتقد حقا أن صاحب هذا المقهى يعرف أفلام هايلى جريما؟ هل ذهب يوما هو أو من يعملون معه لمشاهدة أحد أفلام المهرجان؟ يحبون المهرجان ويحتفون به بالطبع، فخلال أيامه يقبل عددا ضخما من الضيوف على مقهاهم، من بينهم أمثال جريما ممن يسمعون عنه أنه مخرج عالمي. لكن هل هذا نشر حقيقى للثقافة السينمائية أو ترسيخ لها فى حياتهم اليومية؟

أسئلة سمير فريد أصابت كبد الحقيقة، وجعلتنى أفكر طويلا أن محاولة منح مشهد طريف مثل صورة جريما على حائط المقهى أكبر من قيمته، بتقديم تفسير واستنتاج اجتماعى وثقافى منه هو فعل يشبه آراء المستشرقين الذين يأكلون وجبة مصرية واحدة ثم يكتبون طويلا عن ثقافة الطعام فى مصر. أى أننى كتبت مقالا يكتبه ناقد سويدى يزور الأقصر للمرة الأولى، وليس ناقدا مصريا تعامل مع الأهالى ويعرف دروب تفكيرهم وتصرفهم.

لا أبالغ إن قلت ان هذا الحوار صار يتردد فى ذهنى كل مرة أقدم فيها على كتابة مقال فيه ما يتعلق بالجمهور وعلاقته بالسينما، مرة كى لا أقع فى فخ النظرة السياحية وأتحول ناقدا سويديا يكتب عن المصريين، ومرة حتى لا أسمع ملاحظة ساخرة من الأستاذ الذى لا تفوته شاردة ولا واردة دون أن يقرأها ويقيمها ويضعها فى أرشيفه الأسطوري.

لاحظ الطريقة التى عبر بها سمير فريد عن ملاحظته، بمنتهى الكياسة وخفة الظل، والبعد عن كل أشكال الوصاية الأبوية التى يفرزها البعض بمعدلات هائلة فقط لأن القدر سمح لهم أن يولدوا قبلك بأعوام أو عقود. هذا رجل بلغ قمة ما يمكن أن يصل إليه ناقد سينمائي: تقدير واحترام وتكريم من العالم أجمع، مسيرة عطاء وإنجاز لا يتوقف لأكثر من نصف قرن، أكثر من ستين كتابا وآلاف المقالات التى تؤرخ للسينما الحديثة من وجهة نظر مفكر مصرى تقدمى ينتصر دائما وأبدا للحرية. لكنه أبدا لم يستغل الوضع للتعامل مع الآخرين باستعلاء أو فوقية، فظل دائما يدرك أن من تقديره لهامته أن يقدر الآخرين، وهذا هو أمهر أنواع الأساتذة وأكثرهم تأثيرا فى النفوس.

خسارتنا لسمير فريد ليست مجرد غياب ناقد أو مثقف أو مؤرخ، فما تركه يجعله لا يغيب أبدا. لكن الخسارة هى فقدنا لكل ما يمثله سمير فريد من تفتح ووعى واحترام لقيمة المعرفة والتأريخ، لا فى كونهما أداة للتنمر وإنما مخزون يؤسس نظرة نقدية شاملة للحياة، نظرة نقدية محبة تحلم بعالم ووطن أفضل، نظرة يؤمن صاحبها أن دعم من حوله وإن كانوا يصغرونه سنا وقامة وذخيرة وموهبة، هو فرض عين لبلوغ العالم الذى سعى إليه طيلة عمره، والذى ظل حتى اللحظة الأخيرة يتفاءل بتحققه.

حضرت آخر ثلاث مرات ظهر فيهم علنا: فى مهرجان القاهرة السابق لتوقيع كتابه “سينما الربيع العربي”، فى جمعية نقاد السينما المصريين لمناقشة “أفلام المخرجات فى السينما العربية”، ثم فى مهرجان برلين فبراير الماضى لاستلام كاميرا برليناله التكريمية عن مجمل أعماله. وفى المرات الثلاث لم يتوقف الأستاذ عن التفاؤل بالمستقبل، عن إعلان قناعته بأن الحراك فى مصر لا بد وأن يسفر عن وضع أكثر صحة وإن طال الانتظار.

فى المرات الثلاث لم يتوقف سمير فريد عن سرد ذكرياته باستفاضة وكأنه يودعنا ويمنحنا وصاياه بشكل مبطن على طريقة “الناقد السويدي”. تحدث عن خرقه للقانون خلال زيارته للاتحاد السوفييتى كى يهرب من المراقبة ويشاهد فيلما ممنوعا لأندرى تاركوفسكى وكأنه درس فى ضرورة مخالفة القانون إذا ما كان يقيد الإبداع، روى رفضه دعوة مغرية للتكريم فى السعودية لأن الدولة التى تحرم السينما هى دولة تحتقره وتحتقر ما أفنى حياته من أجله لا تستحق أن يزورها.

حكى إصراره طوال حياته أن يُلقب بالناقد السينمائى وليس بـ “الناقد الفني” التى كانت شائعة قبله والتى يفضل البعض حتى اليوم استخدامها باعتبارها وصفا يزيدهم وقارا. وأبدى ملاحظة حاذقة عن أن أحد أكبر أزمات وزارة الثقافة المصرية هو اسمها نفسه، لأن فيه احتقارا ضمنيا لما تقوم به الوزارة فعلا: إدارة الفنون. وأنه الأجدى أن تُسمى بوزارة الفنون لأن هذا أولا وصف دقيق لعملها، وهو ثانيا إعلاء لقيمة الفن لفظا ومعنى فى مجتمع صار يعاديه، وهو ثالثا يحمى الوزارة من تحميلها مالا طاقة لها به، فتصرفات البشر ولغتهم وطريقة ملابسهم وحركتهم ومأكلهم ومشربهم وكل شيء هى “الثقافة المصرية”، وهو ما يجعل البعض يتساءل عند وقوع فعل مشين “أين وزارة الثقافة؟” فقط لأننا نخجل من أن نسمى عملنا باسمه ونفخر به.

رحيل سمير فريد خسارة فادحة تفتح عيوننا عما نخسره برحيل عقولنا المستنيرة، عن عالم يتصحر شيئا فشيئا حتى وإن كان الأستاذ متفائلا بمستقبله. عالم يفرض علينا أن نستبدل فى كل يوم الذى هو أدنى بالذى هو خير. وعلينا للأسف أن نتصالح ونتعايش ونقبل. فلروحه السلام ولنا من بعده الصبر.