بقلم: مجدى الطيب فى البيان الذى أصدره مهرجان برلين السينمائي؛ بمناسبة تكريم الناقد الكبير سمير فريد (1943 – 2017) فى الدورة الـ67 (9 – 19 فبراير 2017)، ومنحه «كاميرا البرلينالي»

samir-farid

بقلم: مجدى الطيب

فى البيان الذى أصدره مهرجان برلين السينمائي؛ بمناسبة تكريم الناقد الكبير سمير فريد (1943 – 2017) فى الدورة الـ67 (9 – 19 فبراير 2017)، ومنحه «كاميرا البرلينالي» التقديرية، كأول ناقد عربي، وأول شخصية مصرية، عربية، وإفريقية، يفوز بها، مذ بدأت عام 1986، لم أتوقف؛ مثل الكثيرين، عند عبارة :«الجائزة التى تذهب إلى شخصيات ومؤسسات ساهمت على نحو متفرد فى فن الفيلم، وكانت قريبة من المهرجان، وبها يعبر المهرجان عن امتنانه لمن أصبحوا من أصدقائه وداعميه»، لكننى توقفت طويلا عند وصف ناقدنا الكبير بجملة لها مغزاها ودلالتها تقول: «آراؤه يؤخذ بها فى جميع أنحاء العالم»!

حقيقة لا يمكن إنكارها أبدا؛ فالناقد الكبير، الذى غيبه الموت فى 4 إبريل الجاري، كان صاحب كلمة مسموعة بالفعل، بل كانت الأنظار تتجه نحو مقعده، فى كل مناسبة يحرص على حضورها، وهى تنتظر منه أن يُدلى بدلوه، وكثيرا ما كانت «المنصة» تُدرك أنه «مطلوبٌ بناء على رغبة الجماهير» فلا تتردد فى تغيير برنامج المناسبة أو الحدث، وتطلب منه الكلمة، لإدراك الجميع أنه سيثرى الجلسة، بحكمته وحنكته وموضوعيته وجرأته فى إبداء رأيه بشجاعة الواثق من نفسه، الثابت على موقفه، المتشبث بمبادئه، واسع الثقافة، الذى يُجاهر بوجهة نظره، مهما كلفه الأمر، بعكس بعض النقاد الذين يتذرعون بالموضوعية، والحيادية، كسبيل للهروب من إعلان مواقفهم، والتعتيم على جهلهم، وانتهازيتهم، ومحدودية اشتباكهم مع الشأن العام!

شاهد عيان على إضراب الفنانين

لم يكف «فريد» عن تسجيل انحيازه الدائم، والقاطع، لقضايا الواقع، وهموم المواطن، ولم تتوقف اهتماماته عند حدود الشأن المصري، والعربي، وإنما تجاوزه إلى القضايا العالمية التى ظلت، فى نظره، وثيقة الصلة بصناعة السينما العربية، وقضايا الأمة العربية، ومن ثم لم يكن غريبا عليه أن يكون سباقا إلى الكتابة عن «الفيلم الأمريكى كابوس السينما العربية» (القاهرة دار الكاتب العربى – وزارة الثقافة 1967 الطبعة الأولى 32 صفحة)، ويتناول «الصراع العربى الصهيونى فى السينما» (القاهرة دار سعاد الصباح 1992 الطبعة الأولى 245 صفحة)، ويتحدث عن «السينما الفلسطينية فى الأرض المحتلة» (القاهرة الهيئة العامة لقصور الثقافة 1997 الطبعة الأولى 168 صفحة)، ويتوقف عند «تاريخ نقابة السينمائيين فى مصر (1987 – 1997)»، (القاهرة الهيئة العامة للكتاب 1998 الطبعة الأولى 239 صفحة)، ويرصد أول تجمع للفنانين فى مصر؛ وهو تجمع المسرحيين عام 1912، ويتتبع تأسيس جمعية أنصار التمثيل عام 1913، التى انبثقت عنها نقابة ممثلى المسرح والسينما فى نوفمبر عام 1943، وبعدها بأسبوعين فقط تتأسس نقابة السينمائيين. وأهمية هذا الكتيب – فى رأيى – تكمن فى اشتماله على الدراسة الوحيدة تقريبا عن الحدث الأهم فى تاريخ الحياة الفنية فى مصر، وهو إضراب الفنانين ضد القانون رقم 103؛ إذ يوثق الناقد، بدقة شاهد العيان، يوميات ووقائع الإضراب منذ احتدامه فى 11 يوليو 1987 وحتى انتهائه فى 6 سبتمبر 1987.

دوره مشهود فى اتحاد نقاد السينما.. ويوسف السباعى أغلق مركز الصور المرئية نكاية فيه!

غير أن منجزه الفريد بحق تمثل فى الدور الكبير الذى قام به فيما يتعلق بتدشين «جمعية نقاد السينما المصريين»؛ ففى أعقاب خروجه الأول من العباسية، وبالتحديد شارع فاروق «الجيش بعد الثورة» حيث يعيش مع عائلته، إلى مهرجان كان عام 1967، وحضوره مائدة مستديرة فى بيروت 1969، كانت المرة الأولى – كما قال – التى يعرف فيها أن ثمة اتحادات لنقاد السينما؛ بعد ما كان يراها للعمال فقط، وعندما عاد إلى مصر بدأ دعوته إلى تكوين اتحاد للنقاد، وقدم بحثا لتأسيس اتحاد النقاد السينمائيين، وتولى الأستاذ أحمد الحضري، بوصفه الأمين العام لمركز الصور المرئية التابع لوزارة الثقافة، توجيه الدعوة لنقاد السينما فى مصر للاجتماع بمقر المركز مساء الأحد 20 ديسمبر 1970 لدراسة الموضوع، ورغم انعقاد الاجتماع، بحضور عدد غير قليل من النقاد يمثلون الاتجاهات والأعمار كافة إلا أن الاجتماع فشل (!) ولم تتسرب مشاعر اليأس إلى نفس سمير فريد، الذى طرح الفكرة مرة أخرى على المجتمعين فى مهرجان دمشق لسينما الشباب (1972)؛ حيث كان عضوا بلجنة تحكيمه، وبالفعل نجح فى انتزاع الاعتراف بالفكرة، وإعلان إنشاء اتحاد نقاد السينما العربية، الذى أسندت إليه مهمة الدعوة إلى تأسيس اتحادات لنقاد السينما فى مختلف الدول العربية. وبناء عليه تم التوقيع، فى 14 يونيو 1972، على محضر تأسيس اتحاد نقاد السينما المصريين، الذى ترأسه أحمد كامل مرسي، واكتفى سمير فريد بعضويته!

حرب البيانات

نجح اتحاد نقاد السينما المصريين، فى فترة وجيزة للغاية، فى أن يلعب دورا فاعلا فى محيط المثقفين، وليس النقاد والسينمائيين فحسب، ما أثار استياء يوسف السباعي، الذى عينه «السادات» وزيرا للثقافة فى مارس 1973، فما كان منه سوى أن أصدر قرارا، بعد شهرين فقط من توليه منصبه، بمنع الجمعيات السينمائية من ممارسة نشاطها من خلال مقر المركز الفنى للصور المرئية، أو اعتباره مقرا لها، وبمجيء عام 1974 اتجه تفكيره – حسب شهادة سمير فريد – إلى إلغاء ترخيص «اتحاد نقاد السينما المصريين»، الذى جرى اتهامه بأنه يضم «شرذمة من التقدميين والشيوعيين» (!)، لكن د. عائشة راتب وزير الشئون الاجتماعية آنذاك رفضت الإلغاء، ورفضت تأسيس جمعية جديدة للنقاد، فما كان من «السباعي» سوى أن اتجه إلى تكوين جمعية جديدة ضم إليها كتاب السيناريو وأطلق عليها «الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما». والطريف أنها عقدت اجتماعها التأسيسى الأول فى نادى الجزيرة!

حدث هذا فى الوقت الذى كان القلق والغضب والتمرد يعتمل فى نفوس أعضاء «اتحاد نقاد السينما المصريين»، ممن آمنوا بشعار رفاق الثورة الطلابية فى فرنسا إبان انتفاضة مايو 1968، «الكاميرا تُطلق 24 طلقة فى الثانية وليس 24 كادرا»، وهنا وقف سمير فريد وراء تحرير، وإصدار، غالبية البيانات الوطنية التى أعلنها الاتحاد، ووصلت إلى ذروتها مع أحداث 18 و19 يناير 1977، التى وصفها «السادات» بأنها «انتفاضة حرامية» لكن اتحاد النقاد أيد الغضبة الشعبية العارمة، ما أغضب النظام، وعجل بحال الاحتقان لكن الصدام بلغ ذروته مع زيارة «السادات» للقدس، فى 19 نوفمبر 1977، وقيام اتحاد النقاد بإصدار بيان ندد فيه بالزيارة، وأعلن رفضه لها، والأمر المؤكد أن الاتحاد لم يكن وحده الذى دفع الثمن، بل دفعه أيضا سمير فريد، الذى شملته «اعتقالات سبتمبر» التى أمر بها «السادات» عام 1980، واستهدفت ما يزيد على 1536 من رموز المعارضة السياسية فى مصر، إلى جانب عدد من الكتاب والصحفيين ورجال الدين، لكن شيئا لم يغير قناعات «فريد»، ولم يترك لأحد الفرصة فى أن يساومه على مبادئه!