بقلم: أحمد نبيل رحل سمير فريد، فهل من سبيل إلى تقبل الأمر شخصيًا سوى فى إطار أنه خطوة على طريق تفهم معنى اليُتم؟ أمد الله فى عمر والدَيّ ومتعهما بالصحة.

441

بقلم: أحمد نبيل

رحل سمير فريد، فهل من سبيل إلى تقبل الأمر شخصيًا سوى فى إطار أنه خطوة على طريق تفهم معنى اليُتم؟

أمد الله فى عمر والدَيّ ومتعهما بالصحة. أصبح لدى قدرة أكبر على تفهم معنى الأبوة بعد أن أصبحت أبًا منذ أكثر من ثلاث سنوات. أتفهم الآن الكثير من مواقفهما وأصبح لدى تفسيرات للعديد من ذكريات الطفولة التى ظلت مبهمة لسنوات. لا يوجد تعريفًا جامعًا مانعًا على حد علمي. أقرب ما قرأت عن العلاقة العادلة الصحية بين الأهل والأبناء هى ما كتب جبران خليل جبران فى كتابه النبي، والذى تُرجم مطلعه إلى العربية فى إحدى الترجمات ليكون “أولادكم ليسوا أولادا لكم، إنهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها”.

قابلت الأستاذ سمير فريد لأول مرة فى عام 2008، فى نادى السيارات بوسط البلد فى القاهرة. قدمنى له المايسترو شريف محيى الدين لأول مرة لأبدأ العمل معه كمنسق لبرنامج السينما فى إدارة مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية. كان محيى الدين هو مدير مركز الفنون فى هذا الوقت بينما كان فريد هو مستشار المكتبة لشئون السينما والقائم على برنامج العروض السينمائية الشهرية ومطبوعات السينما منذ افتتاح المكتبة عام 2002. فى هذه الليلة، قام الأستاذ بتسجيل رقم تليفوني، وأخبرنى أنه لا يرد على أرقامًا لا يعرفها عادة. يومها شعرت بقشعريرة. فهمت أنه منذ ذلك اليوم سوف يكون لدى القدرة ببساطة على التواصل بشكل مباشر مع الأستاذ. كان فى ذهنى عناوين عشرات الكتب ومئات المقالات التى طالعتها وكانت مذيلة بنفس الاسم الذى كنت أسجله فى تليفونى فى تلك اللحظة. ولكن لم يكن فى ذهنى هذا الكم الهائل من المشاعر الذى ترجمه جسدى إلى دموع منهمرة على مدار أيام مع رحيله. دموع اختلطت بتراب مقابر الإمام الشافعى وأنا أودعه مع العشرات من الباكين المحبين يوم الثلاثاء الماضي.

إن كم المعرفة السينمائية المهول الذى حصلت عليه بشكل مباشر منه، عبر عملنا المشترك فى مكتبة الإسكندرية أو عن طريق قراءة كتبه ومقالاته ومشاهدة حواراته الحية والمسجلة، لا يفوقه سوى كم المعرفة الإنسانية العميقة التى انتقلت إليّ عبر مواقفه الشخصية النبيلة معى ومع آخرين. كان صديقًا وأبًا فى آن. عايشت معه ترجمة فعلية لنص جبران. كما نهلت دروسًا فى فن الحوار والفضول للمعرفة والقدرة على التواصل مع من هم أصغر سنًا وأقل إدراكًا. تمنيت فى لحظة أن أستطيع ترجمة علاقته بى إلى علاقتى مع ولديّ. مازجًا بين الحب غير المحدود الذى شملنى أبى الحقيقى على مدار طفولتى ومراهقتي، بحب المعرفة والقدرة على استقراء الواقع الذى علمنى إياها أبى الثانى سمير فريد.

بعد أن وارَى التراب جسده، وبعد الدعاء، أقبلت أصافح ولده حسن. بصوت متهدج قلت له ان والده كان والدًا لي. فبادرنى بأن هذا هو وما قاله بالفعل والده عنى قبل ذلك.

أثناء حوارى مع الصديق كريم حنفى بعد الدفن، أخبرنى أنه كان يشعر دومًا أن الأستاذ سوف يكون موجودًا دائمًا. حتى أثناء المراحل المتأخرة من المرض، لم يستطع خيال كريم أن يُمهد لغياب الرجل. كان سمير فريد بالنسبة لكريم ولى وللعشرات من صناع الأفلام ومحبى السينما، بمثابة “الظهر”. وجوده سند، بغير حتى أن يفعل شيئًا. كنا مطمئنين فقط لأنه موجود.

هذا رثائى لمن عددته أبًا ثانيًا لى على مدار سنوات عمره التسع الأخيرة. أما حصر الفراغ الذى سوف يتركه على المستوى الثقافى والسينمائي، وذكر ما كتب وحقق من كتب ودراسات ومقالات، فأتركه لكتابة لاحقة لى ربما ولمن هم أكثر تخصصًا منى من الكتاب والمؤرخين الكبار من أصدقاء الأستاذ وغيرهم. أما أنا فأكتفى بحدادى على والدى الذى لم ينجبني، إلى حين.