قبل سنوات، وفي وقتٍ ما من أواخر الثمانينيات، حين كنتُ أعيش بلا هدف في القاهرة، في انتظار أن تجدّد لي السفارة الليبية جواز سفري حتى يمكنني الحصول على

000cc41b-800

 

16969020

ترجمة: محمد عبد النبي

 

قبل سنوات، وفي وقتٍ ما من أواخر الثمانينيات، حين كنتُ أعيش بلا هدف في القاهرة، في انتظار أن تجدّد لي السفارة الليبية جواز سفري حتى يمكنني الحصول على تأشيرة إلى مكانٍ مُحترم، أخذتَني إلى لقاءٍ يجتمع فيه ليبيّون آخرون ألقتْ بهم الظروف إلى القاهرة. أذكرُ أننا جلسنا في غرفة واسعة اتساعًا غير معقول، حتى كان على الواحد أن يتزحزح لحافة المقعد ويمدّ ذراعه على الآخر لمجرد أن يصل إلى منضدة القهوة. كانت كل الوجوه الأخرى مألوفة لي، أشخاص قد رأيتهم أو توقعت رؤيتهم في صُحبتك، عدا شخصاً واحداً: سليمان عبد الحميد الديواني.

أتذكر حضوره ولهجته الغريبة التي لا يمكن تحديد موطنها كلّما تحدث، ونادراً ما تحدّث ودائمًا بتهيّب يترك انطباعًا بأنه يستنشقُ الكلمات. كان ليبيًا ولا شك ولكن من أية منطقة، لا أحد يدري. وكلّما طلب منه أحدُهم أن يُعيد ما قاله كان يُذعن ولكن بنبرةٍ أكثر خفوتاً وأقل وضوحاً. فيحطّ الصمتُ عندئذٍ على الغرفة. ولم يكن من المُجدي أن يُطلب منه التكرار مرةً أخرى.

رغم أنكَ لم تود الاعتراف بهذا، فقد كنتَ أنت أيضاً تراقبه بطرف عينك. وبينما جلس بقيتنا متراخين في تلك المقاعد هائلة الحجم ذات المساند المُريحة، جلس هو مستقيماً في وضعٍ غريب، وضعٍ كان أنثوياً وعسكرياً في الوقت ذاته. ساورني إحساس أن اللقاء لم يكن بالنسبة له سوى امتحان. وأذكر أنني أخبرتك بهذا عندما خرج. الآن، وقد دارَ التاريخُ دورته، يبدو إحساسي المبكر هذا منطقيًا تمامًا.

لا أذكرُ أنه مالَ ومَدَّ يدَه ولو مرةً واحدة في الوعاء الكبير الممتليء بالفستق، كما فعلنا جميعًا بين وقتٍ وآخر. وكوبة الشاي الصغيرة المقدمة له ظلّت على حافة المنضدة تبدّد بخارها. بدا كأنه الشيء الوحيد الثابت في الغرفة. كان أكبر منا ببضع سنوات، غير أنه كان من المُعتاد بالطبع في تلك الأيام أن نجد أنفسنا في صُحبة أشخاص يكبروننا بستة أعوام أو حتى عشرة. كان زمان “حَشد القُوى” كما كنتَ تحب أن تقول. وكلما أبديتُ شكوكي تجاه أحدهم، تقول لي: “لا يُمكننا أن نغير بلدنا إلا بوحدتنا.” الآن كل من أعرفهم في سنٍ متقارب، واثقين من كل شيء، وبلا زعيم.

من الواضح أن مُضيفنا، تاه اسمه عن بالي الآن، كان بالكاد يعرف سليمان لأنه كلما قدّم معلومة تافهة عن ضيفه الصامت يكتفي سليمان برسم ابتسامة وديعة. عند نقطةٍ ما غرسَ صديقك حامد إصبعه في إحدى أذنيه وراح يحفر كالباحث عن ماسةٍ ضائعة. نظرتَ أنت إليّ فحاولتُ ألّا أضحك. كان عندك نظرية، لو تذكر، أن حامد يقوم بهذه الحركة عندما يكون على وشك تضخيم الأمور.

قال: “لقد انتهيتُ من قراءة  À la recherche du temps perdu [البحث عن الزمن المفقود].”

وكنا كلنا نعلم أن حامد دائماً ما يُلح على ذكر أعوام الدراسة الأربعة بالولايات المتحدة والتي قضاها دارسًا للأدب الفرنسي، غير أن دليله الوحيد على ذلك كان مضرب البيسبول الذي احتفظ به في غرفته، والمُزين بالحروف الأولى لإحدى الجامعات الأمريكية.

سأله سُليمان: “أي جزء؟”.

فقال حامد: “الرواية بكاملها”، وبدا عليه الرضا لأنه أخيرًا استطاع أن يُلفت انتباه الوافد الجديد.

فسأله سليمان في رفق: “وما رأيك؟”

تظاهر حامد أنه لم يسمع. كرر المضيف له سؤال سليمان. وأجاب حامد ناظراً نحو المضيف، لكن متحدثًا بتلك النبرة الجافة التي يلجأُ إليها الناس حين يوجهون كلامهم لأذني شخصٍ بعينه. بدا محترساً من أن يكشف عن نفسه أكثر من ذلك. كان مثل شخص يهرول نحو حافة هاوية، فشعرنا بالقلق عليه. أتذكر؟ أنت أيضاً قلت إنك قلق عليه.

وأخيرًا قال حامد: “استكشافه للحب الأمومي.”

حتمًا ضحك بعضٌ منا – بدافع الارتياح غالبًا.

عندما حطّ الصمت مجددًا على الغرفة تحدث سليمان بصوتٍ أعلى عمّا قبل وأكثر وضوحاً لحدٍ مدهش.

سأل: “ما الذي تقصده بدقة؟”

لم يكن أمام حامد خيار آخر سوى أن ينظر إليه الآن. قطّب حاجبيه، مفتشًا عن جواب. وأوقفنا جميعًا على أحرّ من الجمر.

“أقصد،” أخذ يتحدث بنبرته المفخّمة تلك، “أننا سنكون مخطئين لو افترضنا أن بروست كان يكتب عن الأم. كان بروست يقصد شيئًا مختلفًا اختلافًا تامًا. شيءٌ غامضٌ ولانهائي.”

“الوطن!”، قالها سليمان بنبرة تتأرجح ما بين السؤال والجواب. استأنف حامد قائلاً: “يعني،”، ولكن عندئذٍ، وكما يحدث كثيرًا في مثل تلك اللقاءات، أحدهم نفدَ صبره وطرح سؤالًا غبيًا عن الساعة الآن وما إذا كان أي شخص يريد أن يذهب إلى المقهى.

ظهر الارتياح على حامد. أومأ نحو سليمان وقال شبه هامس: “سوف نتكلم عن بروست فيما بعد.”، مما جعل سليمان ينسحب قليلًا وقد توردت وجنتاه الشاحبتان. مرّ بيده على رأسه مثل من يمسح عنه قطرات مطر.

 

كانت أحاديثنا لا بدّ وأن ترسو على مُواطننا الغامض. وإذا أسعفتني الذاكرة، فقد لفّقتَ نوعاً من الصلة به وغالباً ما كنتَ تُخبرني بمعلومةٍ جديدة عنه. لكنك مع هذا لم تكتشف من أي مكان بالضبط في بلدنا الحزين تنحدر عائلة الديواني

***

طَبعَ ذلك اللقاء الأول في ذهني صورة سليمان الديواني، وقبل أن تهجرنا أنت وتنتقل إلى لندن، كانت أحاديثنا لا بدّ وأن ترسو على مُواطننا الغامض. وإذا أسعفتني الذاكرة، فقد لفّقتَ نوعاً من الصلة به وغالباً ما كنتَ تُخبرني بمعلومةٍ جديدة عنه. لكنك مع هذا لم تكتشف من أي مكان بالضبط في بلدنا الحزين تنحدر عائلة الديواني. وهو ما كان أمرًا غريبًا حقًا، بما أن تاريخ كل عائلة في ليبيا كان يبدو واضحًا ومكشوفًا تمامًا. وعند نقطةٍ ما لم يكن أمامنا أنا وأنت إلا أن نستنتج أن صمت سليمان حول جذوره يؤكد أسوأ مخاوفنا، أنه من أسرة تلوثها صلة بالدكتاتورية. ومع أننا كنا نضع الكثير من الافتراضات أيامها، فإن استنتاجاتنا كانت ينقصها الاقتناع اللازم لكي نتحرك. لعلّ هذا ما قصدناه عندما كنا نتجرأ على أن ندعو أنفسنا مثقفين.

لن أدعو نفسي بذلك الآن مطلقاً.

فجأة، بينما أكتب لك هذا كله، يشلّني الحياء والحرج. أنا واثق أن تلك الذكريات لا تعني أي شيء لك. وربما تكون حتى نسيتَ أنها قد وقعت من الأساس، ولعلّك تراني ساذجاً لأني أتشبث بتلك الأمور القديمة. لا بدّ أن الحياة سريعة عندك في انجلترا. لكني أؤكد لك أن ما أوشكُ على إخبارك به ليس من توافه الأمور. فقد كان الموقف أشد خطورة حتى مما تخيلتْه عقولنا الفتية النشطة. لو كان لنا ثقة الرجال ربما كنا استطعنا تجنب قدرًا كبيرًا من العَناء.

***

حصلتَ أنت على تأشيرة إلى بريطانيا وأنا لم أحصل عليها؛ سافرتَ وبقيتُ أنا في القاهرة. والصديق الوحيد الذي احتفظتُ به من حلقتنا كان هو حامد، عاشق بروست. في البداية كنتُ كلما ذكّرته بسليمان الديواني، كان يسأل: “مَن؟” ثم يبدأ في الإيماء برأسه. أحسستُ أن حامد يتعجّب مني لأني مازلت أفكر في ذلك الرجل الغريب. لكني في نهاية الأمر نقلتُ إليه عَدوى الهوس المستحوِذ عليّ. وماذا أُسميه غير هذا؟

 

ذات مساء، وبلا أي مناسبة، قال حامد: “أقطع ذراعي اليُمنى إن لم يكن مخابرات.”

قلت له إنه من الغريب فعلاً أن ينطوي سليمان على نفسه طوال كل تلك السنين في المنفى، دون أن يحتاج أبداً لرؤية ليبيين آخرين، وهو ليس بحاجة، كما يبدو، لأي شخص، أمّا الإدعاء بأنه عضو في جهاز المخابرات الليبية فهو شَطحٌ زائد قليلاً.

لم يتصل بي حامد بعد ذلك ببضعة أيام. ثم، وبعناده الذي تذكره عنه، اتصل بي عند طلعة الفجر ذات صباح مُصراً على أن ألتقي به في نادي الجزيرة. ولأنني لستُ عضواً في النادي، كان عليّ أن أدسّ ورقة بخمسين جُنيهاً في راحة حارس البوابة متظاهراً بأنني أصافحه لا أكثر. تبعتُ حامد إلى الكافيتريا الرابضة تحت أشجار الكافور، والمطلة على ملعب الكركيت. لم يكن حامد مخبولًا تمامًا، فهناك، جالسًا بمفرده، وممسكًا بفنجال الشاي من أذنه دون أن يرفعه عن الطبق، كان سليمان. لم تكن عيناي قد وقعتا عليه منذ اللقاء الأول منذ فترةٍ طويلة. مرّتْ أكثر من عشرين سنة ومازال يبدو كما هو. نفس الفخامة المتعالية. ونفس الشَعر – وقد احتفظ بسواده تاماً. من الصعب أن تثق في رجل لا ينال منه التغيّر.

انتظرنا، جالسيْن على القضبان الملتوية لكابينة الدراجات الهوائية، مُختفيين جيدًا. كنت شاردًا، أُحملق في المسافة ما بين قدميّ، حين وكز حامد ذراعي.

قال: “انظر.”

كان هناك رجل جالس الآن مع سليمان. لا مجال للشك؛ كان القنصل الليبي.

همس حامد: “ألم أقل لك؟”

قلت: “وماذا في ذلك؟”، لكنني واصلت مُراقبة الرجلين. لم يجلسا قُبالة أحدهما الآخر، بل جنبًا إلى جنب، وتحادثا بأصوات خفيضة، في مواجهة مَرج الكركيت الخالي.

مكثنا وسط الدراجات الهوائية حتى انصرف القنصل. أرادَ حامد أن يذهب إلى سليمان لكنني منعته. وفي النهاية نهض سليمان واقفًا ثم مضى فتبعناه. دخل إلى بناية قليلة الطوابق في الزمالك. تساءلنا تُرى هل يقيم فيها، وهل هي فكرة جيدة أن يذهب أحدنا إلى البوّاب وينفحه إكرامية ويسأله، بنبرة اعتيادية قدر الإمكان، “هو أستاذ سليمان ساكن هنا؟” ثمّ رأينا أنه من الأفضل ألا نفعل. إلى جانب أننا لم نضطر لذلك، لأننا فيما كنا نقّلب الفكرة، رأينا ذراع سيلمان في كُمّه الأبيض يدفع نافذة ليفحتها في الطابق الثاني. أخرجت دفتري الصغير ودوّنت العنوان.

قال حامد: “ألا بدّ أن تكتب كل شيء دائمًا؟”

***

لسببٍ أو لآخر توقفتُ بعد ذلك عن التفكير في سليمان. وحين تفجّرت الثورة المصرية، لم أسأل نفسي السؤال الذي اعتدتُ أن أطرحه كلما جرت أحداثٌ استثنائية؛ أي: “تُرى ما رأي سليمان الديواني في هذا؟” أعتقد أن ثورة 25 يناير استغرقتني تمامًا مثلنا جميعًا. ولكن حتى في فبراير، حين انفجرت ليبيا أيضًا، لم يرد سليمان على خواطري. على الأقل ليس قبل ذلك الوقت المتقدّم من النهار، حين كنت لا أزال ببيجامة النوم راقداً في الفراش، مُحاطًا بروائحي الخاصة، لا أقرأ أو أستمع إلى الراديو، بل أحدّق فقط في السقف، وسمعتُ طرقًا شديدًا على بابي.

كان حامد. لم يسبق لي أن رأيتُ وجهه مفزعًا لهذا الحد: داكنًا ومحمّرًا كأن الدم قد تجمع بداخله واُحتبس هناك. كانت عيناه أصغر من المعتاد. يتحرك في تخشّب، مرتدياً ذلك المعطف الأسود الطويل الذي جلبه من أمريكا، وقد أغلق أزراره لحد العنق، ذلك المعطف الذي كنا أنا وأنت نغيظه بسببه، ونسميه مازحيْن بالطو أورسون ويلز.

أرجعتُ حالته العصبية المضطربة هذه إلى حقيقة أنه لم ينم جيدًا على مدى أيام. فبينما توقفتُ أنا عن الذهاب إلى المظاهرات أمام السفارة الليبية بعد أسبوع واحد من ثورة 17 فبراير، واصل حامد الذهاب إلى هناك يوميًا. كان يتصل بي من هاتفه المحمول فأسمع في الخلفية الهتاف الشبيه بصهيل الخيول. كان يصبح ميلودراميًا للغاية، ويصيح بي: “أنت لا تحب بلدك”، وسخافات من هذا النوع.

ذهبتُ لأعد قهوة فتبعني إلى داخل المطبخ.

قال فجأة: “مازالت خلايا المخابرات الليبية القديمة تواصل عملها في مصر، مُندّسين بيننا. لقد خططوا لاغتيال أبرز مؤيدي الثورة.”

حاولتُ أن أتبين كيف توصل إلى هذه المعلومات.

فقال: “ليس أمامنا وقت لتستجوبني، لقد قتلوا بالفعل شخصين. لا وقت للنقاش. لا بدّ أن نتحرك؛ لا بدّ أن نُريهم أن بوسعنا نحن أيضًا أن نضرب. خلاص، طفح الكيل.”

أحسستُ بإرهاقٍ وضجر.

سألته من جديد: “ما الذي تقترح عمله؟”

تنهد حامد تنهيدة طويلة وجلس بحركة بطيئة على المقعد المعدني القديم الموضوع في ركن المطبخ. كان يتحرك مثل رجلٍ عجوز. لم يحل أزرار معطفه. وبعد نوبة صمت طويلة تحدث بصوتٍ خفيض للغاية حتى أنني اضطررت أن أميل عليه راكعاً، واضعاً أذني بالقرب من فمه.

بدأ يقول: “لن تصدق هذا، لم يره واحدٌ منا. و… قد كنا منتبهين. نفتش عنه بأعيننا. لكن أحداً لم يره، لا في التجمّعات ولا في المظاهرات، ولا حتى في اللقاءات الخاصة التي لا تنتهي، تلك التي تدفع أكثر الليبيين حياءً للخروج من أركانهم الخفية. هل تصدق هذا؟ ولا مظاهرة واحدة. ولا حتى على سبيل الإدّعاء.”

احتسينا القهوة ودخّنا السجائر صامتيْن. كان الضوء المنصبّ من النافذة الصغيرة في مطبخي صافيًا ومشرقًا، وقد تدفّق إلى الداخل مثل شلّال.

قام حامد واقفًا.

“أنت دوّنتَ عنوانه، أليس كذلك؟”

نظرتُ إليه دون أن أقول شيئًا.

قال: “لستَ مُضطرًا لأن تأتي.”

 

 الصورة لهشام مطر