يهتم المؤرخ الدكتور خالد زيادة سفير لبنان بالقاهرة  بحقل غير مطروق فى الحضارة الإسلامية، وهو الاشتغال على مفهوم المدينة، لكن ليس بمفهوم العمران والتخطيط، وانما الحياة اليومية المعيشية للمدينة الإسلامية،

2015-635664573106350911-635

يهتم المؤرخ الدكتور خالد زيادة سفير لبنان بالقاهرة  بحقل غير مطروق فى الحضارة الإسلامية، وهو الاشتغال على مفهوم المدينة، لكن ليس بمفهوم العمران والتخطيط، وانما الحياة اليومية المعيشية للمدينة الإسلامية، وكيفية ادارة الحياة اليومية فيها، كما اهتم فى كتابه الكاتب والسلطان بنشأة مفهوم المثقف فى الدولة الإسلامية

عمل زيادة على تحقيق عدد من المؤلفات والرسائل التي يتصل بعضها بموضوع أطروحته التي ناقشها في جامعة السوربون – باريس عام 1980، وكانت بعنوان : ” المؤثرات الفرنسية على العثمانيين في القرن الثامن عشر”. وقد صدرت عن دار الطليعة – بيروت عام 1981 بعنوان “اكتشاف التقدم الأوروبي”. وكانت هذه الأطروحة بداية إهتمامه بالعلاقات الإسلامية والعربية من جهة وبأوروبا والغرب من جهة أخرى. وقد سعى خلالها إلى رصد المؤثرات الأوربية المبكرة على العثمانيين منذ مطلع القرن الثامن عشر بعد أن أدركت السلطنة تفوق الأوروبيين في القوة العسكرية، فأخذ السلاطين العثمانيون يجرون إصلاحات تستهدف العلوم العسكرية بالدرجة الأولى، إلا أن محاولات الاصلاح اصطدمت بالقوى المحافظة وخصوصاً قوات الانكشارية ومؤسسة العلماء. وقد حدث في تلك الفترة تبدل في موقف العثمانيين المسلمين تجاه الأوروبيين المسيحيين، وبعد أن كان هذا الموقف يتسم بالتجاهل والاحتقار تحول إلى الاعجاب التدريجي بما أحرزته أوروبا من تقدم في العلوم والتقنيات والعمران والإدارة.

وقد حفز هذا التبدل خالد زيادة على البحث عن جذور موقف المسلمين من أوروبا. وكتب في هذا المجال مؤلفه : “تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا”، الذي يعود فيه إلى القرن التاسع الميلادي حيث نعثر في بعض المؤلفات التاريخية والجغرافية على ذكر بقاع في أوروبا، واضطرد الأمر بمرور الحقبات وصولاً إلى الحرب الصليبية ومن بعدها إلى المراحل الحديثة والمعاصرة.

وفي جميع ما كتبه هناك نوع من الابتكار، فهو أول من كتب بالعربية عن التجربة العثمانية المبكرة في الاصلاح، وأول من بحث في المؤسسات والأجهزة العلمية كسبيل للتعرف على ظهور المثقف العربي، وأول من حاول رصد أصول النظرة الإسلامية إلى أوروبا. وفي الكتاب الذي نشره مؤخراً بعنوان لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب، يصيغ فهماً جديداً لأصول الدولة العربية ويرى أن الأنظمة الأحادية التي حكمت العديد من الدول العربية خلال نصف القرن الماضي، إنما قامت في نفس البلدان التي شهدت تحكّم أمراء المماليك على حكم هذه البلدان لجهة ضعف القوى المحلية هي من نوع الأسباب التي سهلت إنقضاض العسكر على السلطة.

ولد في طرابلس-لبنان 1952، وحصل على إجازة بالفلسفة من الجامعة اللبنانية سنة 1977، والدكتوراه من جامعة السوربون الثالثة- باريس 1980 . يشغل منذ 2007 منصب سفير لبنان في جمهورية مصر العربية، والمندوب الدائم في جامعة الدول العربية.

حوار: أحمد ليثى

يتصور الجمهور أن فكرة تدخل الدولة لتنظيم الحياة فى المدينة هى فكرة غربية، وهو ما لا يتفق معه كتابك “الخسيس والنفيس”، فكتابك يؤكد أن الحضارة الإسلامية عرفت دور الدولة فى شكل مبكر جدا، كما ارتبطت فكرة المدينة بالخط الفاصل بين الجهل والعلم، وكأن المدينة هى معنى متقدم عن فكرة البداوة؟

بدأت هذا الكتاب أوائل الثمانينات وكتبته على دفعات زمنية طويلة، وهو مشروع كتاب عن المدينة الإسلامية، جمعت مادة الكتاب عندما كنت فى باريس أثناء تحضيرى للدكتوراة، وتوفرت لى مراجع لم تكن متداولة، خاصة المراجع الخاصة بالحسبة، وهو الموضوع الذى يعاد طرحه الآن، بين الحركات الإسلامية، لكن الفكرة الأساسية فى الكتاب كانت الكلام عن المدينة كمجتمع بشرى إنسانى، وليس العمران والتخطيط، الذى تناوله بعض المستشرقين الكبار، عندما كان للاستشراق هيمنة كليفى بورفنسال، لكن كان اهتمامى ينصب على رصد حضور المدينة المميز فى الحضارة الإسلامية، وعادة ما يقال – وهذا صحيح فى رأيى – أن الإسلام دين المدن، وكتابات الفقهاء تركز على هذا الموضوع، باعتبار أن فكرة الجماعة هى فكرة إسلامية بإمتياز، وهو ما كان يتجسد فى المدينة، كما كانت كل مدارس الفقه والجدل الفكرى تقوم فى المدينة بطبيعة الحال، مهما يكن من أمر، خلال تجميعى لهذه المادة على وقتٍ طويل، تنبهت إلى أمور عديدة، كالرقابة فى المدينة مثلا وهى فكرة أساسية فى الكتاب، وفكرة العلاقة بين الدولة والمدينة، بالاضافة إلى أنى ذكرت شيئًا معروفًا وان لم يكن متدوال، وهو ان الدولة التقليدية، اسلامية كانت أم غير إسلامية، كانت دولة محدودة الوظائف، فالوظيفتين الأساسيتين للدولة الإسلامية أو غير الإسلامية فى دول ما قبل الحداثة كانتا، جمع الضرائب والأمن، والمسألتين مرتبطتين ببعضهما إلى حد كبير، فأنت تجنى الضريبة من أجل تكوين الجيش وحماية السكان، سواء كان ألامن الداخلى أو الخارجى، لكن بالعودة إلى ابن خلدون أو غيره، نجد أن حماية الدولة لم تكن أبدا مرتبطة بحدودها، ولكن بالنطاق التى تمتد إليه.

الشىء الجديد الذى حاولتُ أن أقوله أن هناك كيانين أو فكرتين متكاملتين ومتعارضتين فى الوقت نفسه تتجليان فى العلاقة بين المدينة والدولة بإعتبار أن المدينة هى كيان قائم بذاته، والدولة هى كيان افتراضى، مفهومى، تتجسد فى مؤسسات وسياسات معينة، أما المدينة فهى المُعاش، هى الحياة اليومية، والتجارة والعمل والعائلات والحارات، كما اجتهد الفقهاء المسلمون فى الكلام عن ركائز المدينة، كسؤال كيف نطلق كلمة المدينة، فعلماء الاجتماع فى العصر الحديث يتكلمون عن العدد والمساحة والوظائف التى تقوم فيها المدينة، وبنفس القياس، كان الفقهاء المسلمون يتكلمون عن المسجد الجامع باعتباره ركيزة أساسية ثم السوق، ثم عناصر جغرافية مثل النهر باعتباره سبب الحياة، والحارات والحمامات باعتباره إشارة حضارية، والخانات، لكن المسجد لم يكن فقط مكان للصلاة لكنه كان تعبيرًا عن الجماعة والسلطة الدينية.

فى قراءاتى اللاحقة، عندما اشتغلت على وثائق المحاكم الشرعية فى مدينة طرابلس، وغصت إلى حد ما فى هذه الوثائق، تنبهت إلى أن هناك سلطتين فى المدينة، شبه مستقلتين، سلطة الوالى أو الحاكم، وهناك الحاكم الشرعى، ونلاحظ أن لهما نفس المصطلح، الحاكم، فأحدهم يحكم بالشريعة، والآخر يحكم بالسياسة، وللعلم كلمة السياسة كانت موجودة، فحين نعود إلى المقريزى نجد أن هذا التمييز موجود أيضًا، فكرة السياسة  ليس من فعل ساس يسوس، لكنه يأخذها من مصدر مغولى، من كلمة الياسة، تحولت إلى سياسة، وكلمة الياسة هى اللوح الذى كتب عليه المغول تعاليمهم وفنون الحكم، بكل الأحوال، التجربة المملوكية التى عاش بها المقريزى كمؤرخ كبير تبين هذا الافتراق بين حكم المماليك باعتبارهم كانوا يجوبون الضرائب ويملكون السلاح ويقومون بمهمات الحماية فى الداخل والخارج، وبين الحاكم الشرعى، وقد ذكرت فى بعض ما كتبت، كيف أن العلماء فى الزمن المملوكى اكتسبوا مقدارًا كبيرًا من الأهمية، وكانوا لهم سلطة حقيقية، ومن يريد الاستزادة فى هذه النقطة عليه العودة إلى ما كتبه المستشرق إيرام لابيدوس، فقد فصّل هذه العلاقة بين العلماء المماليك وغيرهم، لكن الحصيلة أن فكرة الدولة الحديثة المعاصرة شيئًا مختلفًا تماما عن الدولة التقليدية.

هل عناصر الاختلاف بين الدولة الحديثة والتقليدية سببها وجود مؤسسات بالمعنى الحديث وأدوات سلطة تختلف عن تلك التى كانت موجودة فى الدولة التقليدية؟

طبعًا، اذا تكلمنا عن الدولة المملكوية أو العثمانية، فى الفضاء الاسلامى، نجد أنه كانت هناك مؤسسات، فالجيش مؤسسة، لكنها مؤسسة غير نظامية، المؤسسة الكبرى هى الادارة، التى تقوم على الكتّاب الذين يحررون الرسائل ويسجلون الامور المالية، لكن الفارق الأساسى بين الدولة الحديثة والتقليدية، هو أن الدولة الحديثة أصبحت نوعًا من الراعى، تهتم بالتعليم والصحة العامة وتراقب المجتمع وتشرف على الوزارات، لكن تلك التقليدية، لم تكن تشق الطرقات، ولا تبنى مؤسسات تعليمية، ولا تهتم بشؤون الصحة العامة.

لكن كتاب حضرتك به اشارات للاهتمام  بالصحة العامة من قبل الدولة التقليدية فى مسألة المراقبة على الحمامات وأوضاع المرضى؟

حتى فى حالة بناء المستشفيات، فهى تأتى من نظام الوقف، فحين بنى السلطان قلاوون البيمارستان فى القاهرة – وهو مازال موجودًا، بناه ليس باعتبار ان الدولة هى التى تنشأ هذه المستشفيات ضمن سياسة صحية عامة، وانما  أنشأه باعتباره عمل خيرى، كما يبنى مسجد، أو تخصيص أوقاف لدفع مرتبات القرّاء والمؤذنين، وهذا فارق أساسى، فليس هناك شيئ يلزمه ببناء هذا الصرح، انما الخيرية هى التى أملت عليه هذا.

أليس هناك مفارقة فى أن الواقع الآن يبدو فيه الاهتمام بالصحة هو عمل خيرى أكثر منه عمل دولة؟

هذا مجال آخر، لكن كل دولنا الآن هى دول حديثة، بمعنى أن المواطن يمكن أن يطالب الدولة إن كان بالتعليم أو الصحة أو انشاء المؤسسات، او الرعاية او ضبط الأمن، ومن الضرورى تبيان هذا الفارق بين الدولة التقليدية والدولة الحديثة، لأنه على هذا الفارق تتوقف أمور كثيرة فى فهمنا لمجتمعاتنا، وكيفية ادارتها، ويتعلق الأمر بمفهوم الدولة الاسلامية اليوم، فإذا رجعنا إلى التاريخ نجد أن هناك حدود لفكرة الدولة فى الاسلام، هناك كيان، وهو يقوم بمهمات محددة ولكن لا يشبه الدولة الحديثة فى مسألة الرعاية، واقامة السياسات وادارة الشأن العام، لم يكن حصريا بأيدى الوالى والسلطان، هذا يعطينا الانطباع – وهو ما حاولت أن أظهره – بأن هناك هذه العلاقة بين المدينة باعتبارها كيان قائم بذاته وبين الدولة، والمدينة بهذا المعنى كان لها شىء من الاستقلال، وكانت شؤونها منوطة بالقضاة والفقهاء، فالحاكم الشرعى هو الذى يدير عامة الناس.

“الحاكم السياسى والحاكم الشرعى”

ألم يحدث أى تناقض بين الحاكم الشرعى والحاكم السياسى؟

أولًا، ما نقترحه الآن بهذا التمييزهى فكرة يمكن الإشتغال عليها، لم يحدث فحص لهذه المسألة أوالبحث فيها، لكن حسب عملى الذى قمت به، بالاضطلاع على المراجع العامة التى من الممكن أن تتوفر للكثيرين، أو عملى الذى قمت فيه بالاشتغال على المحاكم الشرعية، يتبين ان هناك نوعًا من الاستقلال بين الوظيفتين، فالحدود كانت واضحة بسبب تراكم التجارب عبر التاريخ، لكن هذا لا يعنى أنه لم يكن هناك تناقضات، فى فترات التحولات والتغيرات، وهو ما ذكرته فى كتابى، الكاتب والسلطان، نجد أن هناك صعودًا لدور العلماء، باعتبار انه يتم اللجوء اليهم فى هذه اللحظات، وفى التاريخ المصرى نجد ان هناك لحظتين أو أكثر تم فيها اللجوء الى العلماء، الأولى فترة الانتقال من الدولة الايوبية الى الدولة المملوكية، أصبح العلماء فى هذه الفترة مراجع كبرى للتحكيم فى مسألة خلافات السلطة، ومن هنا برز أسم الفقيه الكبير العز بن عبد السلام باعتبار أنه كان حكمًا فى تلك اللحظة، واللحظة الثانية، هى التى دخل فيها بونابارت إلى مصر لأن العلماء، كانوا ممثلين للمجتمع الأهلى والمجتمع المحلى، لكن هذا اللحظات لم تكن تطول.

الناحية ألأخرى، أنه تبين لى، وهو ما كتبته فى إحدى أبحاثى فى السجلات الشرعية، كيف أن فى لحظة من اللحظات، فى نهاية القرن 17، وبداية القرن 18، وجدنا العديد من القضايا المتعلقة باستعادة حقوق الأهالى التى وضع الإنكشاريون يدهم عليها، وهى لحظة حصل بها تحول أيضًا ، ذلك ان القضاة أصبح لهم سلطة على الولاة، وعملوا على استعادة الحقوق التى تمت بوضع اليد، وهو طريق غير شرعى، وهذه التناقضات كان لابد أن تكون موجودة، لكن كان هناك مجالات من التخصص، يشبه ما نسميه فصل السلطات إذا جاز هذا التعبير، وهذا يحتاج إلى دراسات اكثر تعمقًا، وما حاولت أن أقدمه فى كتابى الخسيس والنفيس هو محاولة أولى لشق طريق فى هذا المجال.

لفت نظرى أنك كنت حريصًا فى مقدمة الكتاب وخاتمته على التأكيد أن الجماعات الأصولية فى الوقت الحالى تركز فى مسؤولية الدولة على دور واحد للمحتسب دون بقية أدواره الآخرى، كما أن مصر عاشت فى العشرين سنة الأخيرة نقاش طويل حول الحسبة ودور الدولة، ومن المهم أن نتكلم عن الحسبة ووظئيفة المحتسب؟

آشرت إلى هذا الموضوع، لأن من يقرأ الكتاب، يتنبه إلى الحدود الدقيقة لسلطة المحتسب، والتى لا يتجاوزها، وهو بالدرجة الأولى لا يقوم بتطبيق الحدود المنصوص عليها فى النص القرآنى، هو ينصح، ويراقب، ويعزر، أو بمعنى آخر يؤدب المخالفين بطريقة من الطرق، لكن هناك حدود وهو لا يتجسس، وانما يراقب الحياة العامة ضمن المفاهيم الاخلاقية، والمتعلقة بسلامة أحكام السوق، ولهذا السبب بعض كتب الحسبة تسمى أحكام السوق، يمعنى أنه يراقب الغش والمفسدين، ويمنع الآذى من الطرقات، ويراقب المساجد، بمعنى أنه يمنع دخول النساء، والاطفال، لكن الحسبة ليست قانون لاقامة الحدود، الذى يقيم الحدود هو القاضى، يحدد نوع الجرم ونوع العقوبة، ولهذا السبب، المحتسب كان جهاز له اعوان، لكن فى النهاية هذه حدود الحسبة، بينما اليوم هناك نوعا من اطلاق مفهوم الحسبة، يرى أن فكرة السلطة تقوم على الاحتساب، – وهذا يعد توسيعًا للمفهوم – يقوم على اعتبار ان السلطة كما تفهمها الحركات الأصولية، هى فى الأساس سلطة لمراقبة الناس، وإقامة الحدود ومنعهم من التصرف، هذه كلها مفاهيم بها شىء من التطرف.

لم يكن لدينا فى الحضارة الإسلامية مفهوم المثقف إلا منذ وقت قريب، ما ظروف ظهور هذا المفهوم، وهل كان المثقف مرتبطًا بالسلطة فى أغلب الأحوال أم منفصل عنها؟

خصصت كتاب بعنوان الكاتب والسلطان وله عنوان فرعى حرفة الفقهاء، وهو محاولة فى فهم كيفية تطور مفهوم المثقف، ومتى نشأ المفهوم، والهدف منه كان الاستقلال عن كل مفاهيم المثقف التى أخذناها من أوروبا، فى الفترة التى كتبت فيها هذا الكتاب، كان هناك الكثير من الكلام عن دور المثقف، والمثقف العضوى، وكل هذا الكلام المفهوم مصادره، من خلال اشتغالى على هذا الموضوع من خلال مصادر معروفة ولكن ليست شائعة الاستخدام، كتب تراجم العلماء، عبر فترات وقرون عديدة، مثل الجبرتى والسخاوى، كانوا يعتقدون انهم يكتبون التاريخ، لكنهم كانوا يكتبون التاريخ من خلال الشخصيات، وعادة ما كانت هذه الشخصيات تنتمى إلى العلماء.

الجانب الآخر، معرفة تاريخ السلطة والدولة فى الاسلام، خاصة فى الحقب المتأخرة التى اشتغلت عليها، كالدولة العثمانية، تبين لى أن هناك شخص آخر يتعاطى فى مادة المعرفة، هو الكاتب، كاتب السلطان، ومفهوم الكاتب قديم، فالفراعنة يعرفون هذا الكاتب، وكل دولة لديها هذا الجهاز، وهناك كتابات كثيرة عن هؤلاء الكتاب، الجاحظ كتب عنهم، خاصة أنهم كانوا أشخاص يتحدرون من بيئات ثقافية مختلفة عن بيئات العلماء، ففى البدايات أيام الأمويين والعباسيين كانوا من الفرس، وأتوا معهم بكل الثقافة الفارسية، فأفكار مثل مرايا الامراء وغير ذلك جاءت من هناك، فكان هناك شخصيتين شبه مستقلتين، ان كان فى مصادرهم المعرفية أو وظائفهم، العلماء كانوا يديرون شأن من التدريس إلى اقامة الفرائض والقضاء، أما الكتاب فكانوا يكونون جهاز الدولة، والضرائب والمالية والمراسلات مع الدول الآخرى، ما يهمنى أن هؤلاء كانوا يمثلون إلى حد ما سلطة معرفية، خاصة العلماء، كلمة مثقف هى كلمة حديثة لا يمكن استخدامها فى هذا المجال، لكن الشخصيتين، الفقيه العالم، والكاتب الديوانى إذا جاز هذا التعبير، لعبا أدوار فى مراحل متعدد، خاصة فى فترة التحولات، والفترة التى كنت أهتم بها هى فترة التحديث، فى الدولة العثمانية، ومن الطبيعى أن يكون للعلماء مقام وهيبة ونفوذ، كونهم الضامنين لشرعية الدولة، ومصدر تطبيق الشريعة، وكان للكتاب نفوذ عملى، فى جهاز الدولة، يديرون جهاز الدولة كاملًا، وأرى أن الجهاز الادارى للدولة العثمانية هو أكثر جهاز متطور فى التاريخ قبل الدولة الحديثة، اذا رجعنا إلى وثائق الدولة العثمانية، سنرى أن هناك جهازا متطورا، يحصى فى كل منطقة عدد الأشخاص والأشجار وكل شىء، كان جهازا فعالا، والهدف الاساسى كان جباية الضرائب، كان جهاز الكتاب ابتداء من مطلع القرن الثامن عشر، وبداية التفكير بالتحديث فى العالم الاسلامى، وليس القرن التاسع عشر كما هو شائع، بدأ الكتب يلعبون دور مهم فى التشجيع على التحديث، فنلاحظ أن العلماء وقفوا موقفًا حذرًا من التحديث، بينما الكتاب كانوا مندفعين فى تشجيع السلاطين على التحديث.

لدينا فرقًا يجب أن نؤكد عليه بين وظيفة الكاتب ووظيفة العالم الشرعى؟

الكاتب كان جزء من جهاز الدولة، أما جهاز العلماء كان جهازًا متوسعًا جدا، وكان هناك نظامًا مدرسيًا، بدأ أيام السلاجقة، فالمدرسة النظامية بدأت أيام السلاجقة، والتأثير السلجوقى فى الدولة العثمانية كبير، جهاز العلماء كان مؤسسة، نظام مدرسى ينتقل من مرحلة إلى آخرى، فى كل مرحلة، تأخذ اجازة تخولك للانتقال للمرحلة التى تليها، ومن هذا الجهاز يأتى القضاة والخطباء، وكل أفراد الجهاز الدينى، وللعلم كان هناك فرقًا بين النظام الدينى فى الدولة العثمانية والنظام الدينى فى مصر، التى أبدت نوعًا من الرفض لمثل هذا النظام.

ذلك على الرغم من طول المدة التى قضاها العثمانيون فى مصر؟

الهيمنة العثمانية على مصر لم تكن شديدة الوطأة

هل كان النموذج المملوكى له هيمنة أقوى؟

نعم، فكان هناك انحسارًا لسلطة الوالى فى القرن 18 لصالح المماليك، لكن العلماء كانوا جهاز ضخم، وكان يخرج منهم القضاة، وحينما تتكلم عن القضاة، أنت تتكم عن إمبراطورية، كانوا هم المعينون من اسطنبول، لم يكونوا قضاة محليين، القضاة المحليين جاؤوا بعد ذلك فى نهاية القرن 19، لكن القاضى فى القاهرة وفى اليمن وفى غيرهما كان معينًا من اسطنبول، هؤلاء هم حراس الشريعة، أما الكتاب هم الذى يخدمون الدولة مباشرة، هم جهاز مهمته الأساسية ادارة الشؤون المالية، باعتبار الشىء الأساسى فى الدولة هو جباية الضرائب، كما هناك مؤسسة لم نتكلم عنها وهى المؤسسة العسكرية، وهى غير نظامية، تقوم على نظام معقد، وفى النهاية وقف الكتاب الى جانب التحديث بينما وقف العلماء فى مواجهة التحديث، ولا يخفى أن بعض العلماء كانوا مؤيدين، لكن الجهاز ككل، كان رافضًا للتحديث.

هل هذا يشبه إلى حد كبير التنويريين فى أوروبا، كونهم كانوا دولتيين بشكل ما، أى انهم كانوا مع فكرة الدولة؟

فكرة الكاتب المستقل لم تكن موجودة فى أغلب الأوقات، ربما نجد فى التاريخ الإسلامى عدد قليل منهم، كالجاحظ والتوحيدى، وهى حالات فريدة وليست نماذج، أى ليست تعبيرًا عن سياق كامل، لكن يحدث الانشقاق عادة من دعوات ذات طابع مذهبى، فنجد فى التاريخ أن هناك نوعًا من المنشقين لهم صفة المعرفة،  كل الافكار الحديثة تنتنمى إلى العصر الحديث، لا يمكن أن نطلقها على فترات تاريخية سابقة، وهذا يحدث لدى بعض الباحثين، واعتقد انه يجب التحلى ببعض الدقة فى فهم روح الزمن الذى نتكلم عنه، ما أريد أن أخلص إليه أن الكتاب الذين اندفعوا فى التحديث كانوا أول ضحايا هذا التحديث، فعندما تبنت الدولة العثمانية مؤسسات حديثة نظامية، كان هناك مؤسستين ضحايا هذا التحديث، الأولى هى العسكر، أى الجيش غير النظامى الإنكشارى، والمماليك فى مصر، لأن فكرة التحديث عند كل السلاطين كانت تبدأ فى الجيش، ولذلك إزاحة المماليك كانت خطوة فى غاية الأهمية بالنسبة لمحمد على، لكن انشاء مدارس نظامية كمدرسة الحقوق، ومؤسسة الجيش النظامى أزاح جهاز الكتاب كجسم مغلق، ففى مصر كانت لغة الكتاب لم تكن اللغة الشائعة، لكن كان لهم لغة تسمى “القيرمة” ومحمد على هو الذى ألغى جسم الكتاب وهذه اللغة، كما أن نظام التوارث كان موجودًا لدى العلماء والمؤسسات العسكرية، فابن العالم يصبح عالم، وكذلك، كل هذا النظام أزيح لصالح المدارس النظامية، ونحن نعرف فى حالة مصر، أن أبناء المصريين هم الذين أرسلوا إلى أوروبا ثم عادوا ليديروا هذه المؤسسات.

فى يدايات القرن 19 كان محمد على يقود مع رفاعة الطهطاوى تجربة تحديث قوية فى مصر، بينما لم نلمس قوة هذه التجربة فى دول أخرى كسوريا ولبنان، هل يرجع ذلك فى رأيك لوجود دولة مركزية قوية يمكنها أن تدفع تجربة التحديث فى مصر؟

هذا سؤال مهم جدًا، لكن لى رأى آخر، ارتبط تحديث التعليم فى مصر بالدولة فى عهد محمد على، والمؤسسات التعليمية أصبحت أكثر فى عهد اسماعيل، افتتح مدارس كثيرة، وعلى مبارك كان ناظر المعارف، ولهذا السبب ما نسميهم المتنورين، الذين ذهبوا إلى أوروبا، تعلموا ورجعوا، والذين تعلموا فى هذه المدارس، كانوا مرتبطين بالدولة، فرفاعة الطهطاوى كان رجل دولة، وهذا لا يعيبه ولا يقلل من شأنه، التجربة المصرية مهمة، لأن التحديث كان منشأه الدولة، أى العاهل الذى يبنى المؤسسات ويشرف على السدود والترع والمصانع والمدارس، وبالتالى هؤلاء الأشخاص الذين يعملون بالمعرفة والتربية، مرتبطين بالتجربة، لكن فى لبنان وسوريا، الوضع كان مختلف تمام الإختلاف، ومعرفة هذا الاختلاف مهم لنفهم الوضع الراهن، فلم يكن هناك دولة قوية، كانت الدولة العثمانية حتى 1830 – 1840 هى المسيطرة وهى التى ترسل الوالى إلى ولايات الشام، ثم جاء المصريون، وكانت تجربتهم فى الشام لمدة قصيرة، لكن المصريون مع ابراهيم باشا، اتوا بفكرة التحديث، لكن حين وصل المصريون إلى الشام كانت فكرة التحديث قد توطدت لدى السلطة العثمانية، فقبل خروج المصريون من الشام عام 1839 أعلن خط الكلخانة الذى ينص على الإصلاحات، خاصة إصلاحات فى بنية العلاقة بين الحاكم والرعية، فظهرت فكرة المساواة بين المواطنين مثلا، وحين رجع العثمانيون إلى سوريا ولبنان، حملوا شىء من هذه التحديثات تحديثات طفيفة ولكن موجودة، لكن الشىء الآخر هو افتتاح المدارس فى الشام، ان كانت الارسالية، وان كانت الأهلية، ومنذ منتصف القرن 19، نجد أن هناك مدارس أنشئت ليس لأن الارساليين هم الذين أنشأوها، وهذه المدارس كان لها تأثير كبير فى انتشار الأفكار الحديثة، لهذا السبب، الذين كانوا على صلة بالارساليين مثل بطرس البستانى، هم الذين برزوا باعتبارهم يعبرون عن الأفكار الحديثة، اذن هذه الأفكار لم تأت عن طريق الدولة ولا عن طريق العاهل، وانما أتت عن طريق الانفتاح والمدارس، كما نجد ان هناك اتساع فى هذه الفئة فى لبنان خصوصًا، والشىء الملفت أن سنة 1840 كان هناك امارة متعاونة مع المصريين فى لبنان للامير بشير الشهابى، وكان لديه كتاب أيضا، وادارة صغيرة، أحد كبار هذه الادارة، نصيف اليازجى، عندما ترك عمله الادارى، تحول إلى التعليم، ودوره فى مسألة اللغة العربية والقواميس واستعادة الفصحى دور كبير، وكان جزء من تجربة التحديث، لهذا السبب يمكن القول أن تجربة النهضة فى مصر كانت ذات طابع عملى مؤسساتى، وفى لبنان ذات طابع فردى وفكرى، وتصاعدت فى مرحلة سبعينات القرن 19، ونحن نعرف أن عدد كبير من اللبنانيين جاؤوا الى مصر، لكن عندما نقول بعض التفسيرات بشأنه، أن الذين جاؤوا، لو فحصنا أصولهم لوجدنا انهم خريجين الجامعة الامريكية، أو المدارس التبشيرية أو المدارس الاهلية، والمصريين كان لديهم أفكار التنوير الفرنسية، ولهذا فالجواب على سؤال الدور الذى لعبه الشوام وخاصة اللبنانيين، هو أنهم حملوا معهم فكرة المبادرة الخاصة، كما أنشأوا صحف ومسرح، وكان المجال يسمح بذلك، واذا كنت أريد أن اتكلم عن المثقف، نستطيع القول، ان فكرة المثقف بدأت فى تلك الفترة، ليس لهجرة الشوام إلى مصر، لكن لأسباب أخرى أهمها هى التطورات التى حدثت فى العقد الثامن من القرن 19، فعام 1876 صعد إلى السلطنة عبدالحميد الثانى، وأعلن الدستور، ثم ألغاه بعد أشهر، وبعد سنتين أو ثلاث احتل الانجليز مصر، واحتل الفرنسيون تونس، وهنا ندخل فى مرحلة جديدة، فكرة الدستور التى أعلنها عبدالحميد، لم تكن بدافع من المثقفين، لكن من داخل جسم الادارة، الغاء الدستور شكل حدث كبير فى تلك الفترة، لأن هذا الالغاء هو الذى أنشأ ما يمكن أن نسميه السياسة، لأن هناك أشخاص متعلمين، وكتاب فى صحف، كونوا فكرة جديدة، أن يحق لهذا المثقف ان يهتم بالشأن العام، فبعد إلغاء الدستور، بدأت المطالبة بعودة الدستور، وكانت شؤون الدولة من اختصاص العاهل، ولا احد يتدخل فى ذلك، ونشأ حزب هو تركيا الفتاة، وكان به مصريون ولبنانيون وغيرهم، وهنا التحول، فالشأن العام فى نظر هؤلاء المتعلمين لم يكن من اختصاص العاهل وانما من اختصاص الأشخاص الأحرار، ولذلك يمكننى القول بفكرة جديدة الآن، وهى ان السياسة نشأت فى العقد الثامن من القرن 19، واصبح شعار عودة الدستور مطلبا عامًا.

ما الذى يحتاجه المثقف ليلعب دوره، وما هو دوره تحديدا فى العصر الحالى؟

بفترة القرن 19 كان اندفاع الحكام للتحديث، ان كان السلطان فى الدولة العثمانية أو الوالى فى مصر، أو الباى فى تونس، وان كان القيصر فى روسيا، كانت هناك فكرة أخذ التحديث عن أوروبا، لماذا يريد أن يأخذ التحديث عن أوروبا، لانه رأى أن هذه التنظيمات العسكرية خصوصا، أمنت لاوروبا الانتصارات، فهو يريد هذه القوة، ومحمد على مثل بطرس الأكبر فى روسيا، مثل أحمد الثالث فى اسطنبوا، كانوا يريدون التحديث العسكرى وليس شيئا آخر، لكن من البديهى ان التحديث العسكرى يريد أمور أخرى، فتحتاج لمدرسة هندسة، ومدفعية وترسل طلاب ثم تريد ادارة، فالحاكم لديه اسباب، لكن ليس لاتساع عقله وليس لايمانه بالحداثة، الفكرة الاساسية هى استعادة القوة والوقوف فى وجه الهزائم وتحقيق الطموحات، يفترض جيش قوى، والجيش القوى يفترض اقتصاد قوى، والاقتصاد القوى يفترض خبرة فى بناء السدود، وهو ما حدث فى مصر بالضبط، واذا رجعنا الى ذلك الزمن، نجد أنه يستحيل بناء كل هذه الامور بدون الدولة التى تملك المال والسلطة والارادة، لكن التحديث فى لبنان لم يكن مرتبطا بالدولة انما بالعناصر الفكرية، وهنا علينا ان نطرح السؤال الذى ربما أجاوب عليه لاحقا، هل التحديث يأتى من المؤسسات أم من الأفكار، تكلمت عن ولادة المثقف فى نهاية القرن 19، ففى تلك الفترة تحديدا، كان يمكن القول ان التحديث لم يكن دور الدولة فقط وانما دوراً للمثقفين أيضا، ورأيى، ان المثقف لعب دور حقيقى بهذه الفترة، عادة لا نعطيه الاهمية، فحتى منتصف القرن العشرين، اذا عدنا إلى المحيط العربى وخاصة المصرى، نجد أن الذين امنوا بفكرة التحرر أصبحوا فاعلين اجتماعيين، وكانت المسألة الدستورية ونظام الحكم تلعب عندهم دورا رئيسيا، ولهذا نجد ان الحقوقيون لعبوا دورا اساسى، فقبل ثورة 19، كان كل الزعماء خريجين مدرسة الحقوق، ورغم انهم أقلية لكن لعبوا دور رئيسى فى صياغة الدستور، كما لعبوا دور مهم فى صياغة الفكرة الوطنية، كما نعرف دور المثقفين غير الحقوقيين، ويمكننا ان نسميهم تنويريين، طه حسين وسلامة موسى والعقاد، ورئيف خورى فى لبنان وآخرين، لعبوا دور فى تقديم فكرة الحرية والوطنية وغيرها من الافكار لجمهور عريض كان يستمع اليهم ويتأثر بهم، وكان لهم نفوذ كبير، فطه حسين لم يكن استاذا جامعيا فقط والعقاد لم يكن جامعيا أصلا، اذا قفزنا للوقت الراهن، دائما ما يرتبط بذهننا دور المثقف، ما أقوله أننا لسنا فى زمن المثقف التنويرى، فالافاكر التنويرية ليست هى الافكار المنتشرة الآن، النقطة الآخرى هى عن دور المثقف، لكن ننسى دائما الوظيفة، دور المثقف هو ان يقوم بوظيفته، استاذ الجامعة يجب أن يكون استاذا جامعيا، والطبيب طبيبا، وهكذا، دائما لا نطالب المثقف بوظيفته لكننا نطالبه بلعب وظيفة ودور آخر، يجب علينا أن نعود إلى دور الوظيفة، ما نحتاجه اليوم أستاذ جامعى حقيقى، اذن علينا اعادة الاعتبار للوظيفة، كما يجب علينا ان نضع مسافة بين المثقفين الحقيقيين وبين القيادات الثورية، فمثقفى الثورة الفرنسية لم يكونوا هم قياداتها، بل كثير منهم ماتوا قبل قيامها.

هل تدين توقف تجربة التحرر الوطنى فى الثلاثينيات؟

بكل تأكيد، توقف هذا المسار كان خطأ بالغ، فكان هناك نمو للحركات السياسية والاقتصاد الوطنى، فضلًا عن تجارب الأنظمة، لكن بعد ذلك أصبحت فكرة التحديث تقتصر على الاقتصاد، ولم نستطع الدخول إلى عصر الحداثة، وما حدث فى العالم العربى منذ خمس سنوات، كان نتيجة فشلنا فى الدخول إلى عصر الحداثة، فنحن أخفقنا فى كل شىء، وهذا الانجاز الذى تم منذ خمس سنوات كان نتيجة هذا الإخفاق.

هل تتحمل الحركات الاسلامية جزء من فشل النهضة العربية؟

بكل تأكيد، الحركات الإسلامية ولدت فى عصر الهيمنة الغربية، الاخوان المسلمين تنظيم يقترب فى شكله من التنظيمات الفاشية، تنظيم تحول إلى عصبة، وكل طقوسهم ليس اسلامية، فانت لا تحتاج إلى غرفة مظلمة لتعلن ولائك للإسلام.