هو أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وله عدد من المؤلفات منها: : “النبوة…من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ”، “عن الإمامة والسياسة، والخطاب التاريخي في علم العقائد”، و”لعبة الحداثة

%d8%b9%d9%84%d9%8a-%d9%85%d8%a8%d8%b1%d9%88%d9%83-750x422

 

هو أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وله عدد من المؤلفات منها: : “النبوة…من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ”، “عن الإمامة والسياسة، والخطاب التاريخي في علم العقائد”، و”لعبة الحداثة بين الجنرال والباشا”، و”ما وراء تأسيس الأصول…مساهمة في نزع أقنعة التقديس”.

تعرض على مبروك منذ أشهر قليلة إلى منع ترقيته إلى درجة أستاذ، ولا يعرف مبروك لهذا أية أسباب، وفى رايه أنه ليس هناك أية معايير يتم الرجوع إليها عند منح الترقيات، كما يعد واحدًا من القائمين على خلخلة وهدم الخطاب الدينى السائد، الذى – فى رأيه – هو السبب فيما وصلنا إليه، وكيف أن مشروع النهضة التنويرى فى النصف الأول من القرن العشرين، قد تأزم، وأدى تأزمه إلى ما نشهده حاليًا، فكان لنا معه هذا الحوار:

ما الذى حدث للعقل المصرى الذى كان على أعتاب نهضة فى النصف الأول من القرن العشرون، كيف حصلت الردة؟

اولًا، أفضل إستخدام مصطلح العقل العربى وليس العقل المصرى، لأننى عندما أتكلم عن العقل المصرى، فكأنى أتكلم عن شىء معزول عن محيطه، لكن العقل المصرى تشكل فى المحيط العربى الإسلامى وأثر فيه، وبالطبع فإن مصر كانت حاضرة فى المشهد بإعتبارها محطة النهضة الأولى التى بدأ منها هذا مشروع النهضة، وللجواب على سؤال ماذا حدث لهذا العقل، أظن أننا لا ينبغى ألا نعوّل على شىء من الخارج طرأ على العقل، وأنه المسؤول عن الإنحراف، أنا من أنصار الفريق الذى يقول أن هناك مشكلة منذ البداية، فطريقة تفكير العقل العربى فى الحداثة كانت تنطوى على مشكلة كبرى، تتبدى فى محاولة الجمع والتوفيق بين التراث والحداثة، لأن تلك المحاولة خلقت نظرة للحداثة، ونظرة للتراث، ما يزالان هم المسؤولان عن تأزم مشروع النهضة، وأرى أن هناك جذرًا عميقًا لهذا التأزم، وهو أنه جرى النظر للحداثة عبر التمييز داخلها بين مكوّن برّانى يمكن قبوله، وبين مكوّن جوانى لا ينبغى الإقتراب منه أو التعاطى معه، المكون البرانى يتعلق بالمنتجات التقنية التى أنتجتها الحداثة، المنتجات القابلة للتعيين فى شكل أنظمة سياسية، ومنتجات صناعية وتكنولوجية، وهذا هو الجانب المقبول من الحداثة، أما المكوّن الذى أنتج الحداثة نفسها، لم يتم إعطاؤه الأهمية الكافية، فالعقل هو الذى أنتج الحداثة، نعم هناك حركة تاريخية، لكن تلك الحركة بها نشاط عقلى مهم، بها إنقلابات عقلية، وهكذا، العقل الذى يفكر تفكيرًا علميًا نقديًا، جرى التعامل معه على أنه شىء يمكن التغاضى عنه وعدم الإقتراب منه، وبالتالى ترتبت عليه نظرة للتراث، فنجد أننا أستغنينا عن الممارسات التراثية فى سبيل الممارسات الحداثية، وأستغنينا عن المبدأ التأسيسى للحداثة فى سبيل المبدأ التأسيسى للتراث، وأصبحت هناك مجاورة بين هذين المكوّنين، وبالتالى عندما أسعى لتركيب المكون التأسيسى التراثى مع المكون البرانى الحداثى، ساجد أن هناك تناقضًا كبيرًا بين هذين المكونين، لأن المكون التأسيسى التراثى المأخوذ أساسًا من الأشعرية قائم بمنتهى البساطة على إلغاء الفعالية الإنسانية، بينما المكوّن الحداثى قائم بشكل أساسى على إستخدام هذه الفعالية إلى حدها الأقصى، وهكذا، فإنك تسعى إلى تركيب مكوّنين متناقضين، والمطلوب منهما التعايش بشكل دائم، وأظن أن الإنفجارات المتوالية فى العالم العربى تنشأ من هذه التركيبة، القائمة على المجاورة، فعندما تجمع بين مكونين على مبدأ التجاور، فإن هذا يعنى أنك أمام مكونين مستقلين لا يستطيع أحدهما التأثير فى الآخر، وعندما تتجاور المفاهيم على هذا النحو، فهى لا تملك إلا أن ترتطم ببعضها، الأمر الذى يؤدى إلى هذا التأزم الذى نعيشه فى عالمنا العربى.

المسألة متعلقة بجوهر مشروع النهضة، وكيف أن هذا المشروع متأزم من داخله بسبب هذه التركيبة التى أشرت إليها.

إذن أزمتنا أزمة عقلية وليست سياسية؟

طبعًا، الأزمة السياسية مجرد مظهر لأزمة عقلية أعمق، أزمة متعلقة بنظام التفكير والصيغة التى يقوم عليها المشروع، فالصيغة التى أسست مشروع النهضة صيغة قلقة، وهذا القلق يعبر عن نفسه دائمًا، فى شكل الانفجارات التى نراها.

كيف تمددت الأشعرية تحت خطاب الإسلام السياسى؟

أشرت إلى أن المفهوم الأكثر مركزية فى الإسلام السياسى هو الحاكمية، وبالطبع فإن هناك مفاهيم أساسية هى التى كونت هذا المفهوم، ذلك أنه ليست هناك مفاهيم تنشأ فى الفراغ، فكل الظواهر والمفاهيم يجب أن تكون لها أصول أولى قد يتصور البعض أن ليس هناك علاقة بين تلك الأصول وبين المفهوم الذى نتعامل معه، المفهوم الأشعرى متعلق بإلغاء الفاعلية الإنسانية، أو نظرية الفاعل الأوحد، بما تحيل إليه هذه النظرية من أن الإنسان مجرد أداة، وبالرجوع إلى منظّر الإسلام السياسى سيد قطب، وتفهم كيف فسر مفهوم الحاكمية، سنجد أنه فسر الحاكمية على أنها العبودية المطلقة أيضًا، وبما يترتب على هذه العبودية من أن الإنسان ليس أمامه ما يفعله إلا التلقى، هذه النقلة من الإنسان الفاعل إلى الإنسان المتلقى هى الأساس النظرى التى تقوم عليه نظرية التلقى والتى هى جوهر الحاكمية، ألا يقترب هذا التصور للإنسان من نظرية الإنسان الأداة، وعندما ندرك أن تلك النظرية تنشأ أساسًا من نظرية الكسب الأشعرى، التى تقوم على التمييز فى الفعل بين نسبتين، فعل ينسب إلى الإنسان نسبة مجازية، بينما يُنسب على الحقيقة إلى فاعل آخر غيره، هذه النظرة للإنسان على أنه كاسب للفعل، لا يصدر عنه، ألا تؤسس لنظرية الإنسان الأداة، وإذا كانت نظرية الحاكمية قائمة على مفهوم التلقى بشكل أساسى، إذن علينا ان نتصور أن الأساس الفلسفى التى تقوم عليه نظرية الحاكمية بإعتبارها جوهر الإسلام السياسى هى الفكرة الأشعرية فى الكسب، بكل ما يلازم هذه الفكرة، من تأكيد أن الإنسان ما هو إلا أداة، وبما أنه مجرد أداة، فهو مجرد متلقى، وبالتالى فهو غير فاعل، هذه الأفكار مجتمعة هى التى تتأسس عليها فكرة الحاكمية بشكل أساسى، ويظل الإسلام السياسى يأخذ من مصدرين أساسيين فى تراثنا، من الأشاعرة والحنابلة.

ومن هنا يجب علينا أن نعرف انه عندما نبحث عن الظواهر، لا يجب علينا أن نذهب فقط إلى الأسباب القريبة، لكن علينا أن نعرف أن هناك مؤسِسِات، إن لم تكن موجودة، ربما لن نجد أثرًا للظاهرة التى نتعامل معها.

قلت أن العقل العربى لا يقبل إلا المكون البرانى فقط وليس الجوانى، فكيف يدخل العقل العربى إلى عصر الحداثة؟

تحتاج إلى تفكيك هذا العقل، فى رأيى أنه لدخول الحداثة، تحتاج إلى أن تمتلك عقلها، طالما تمتلك منتجاتها فقط، فأنت لم تدخلها، والسؤال الآن، كيف نمتلك العقل الحداثى فى الحالة العربية الراهنة، أولًا يجب أن نعرف ما هو العقل الحداثى، بمنتهى البساطة هو العقل النقدى، العقل الغير خاضع لمسلمات مفروضة عليه، العقل الذى يفكر بعيدًا عن نموذج سابق لابد أن يظل خاضع له، ولإمتلاك هذا العقل، يجب تفكيك المعوقات التى تحول دون إمتلاكى لهذا العقل، وهذه المعوقات تقوم أساسًا فى الثقافة الى تشكل العقل العربى، والثقافة التى يتشكل فيها العقل العربى هى ببساطة الثقافة العربية الإسلامية السائدة، وهى الثقافة التى صنعها حتى الآن اربعة أسماء، وهم، الأشعرى والشافعى وابن حنبل وابن تيمية، وبالتالى عليك الرجوع إلى هؤلاء، وتبدأ فى تفكيك الموروث الذى أنتجوه، فلا مدخل إلى الدخول إلى الحداثة إلا عبر تفكيك الثقافة التقليدية، لأن داخل هذه الثقافة تكوّن عقل يمتلك العائق الذى يمنعه من الدخول إلى الحداثة، فالعقل الذى يفكر بالأصل، أو الخاضع لسلطة، لا يمكن أن يكون منتجًا للحداثة.

 

القرآن أعطانا درسًا فى التاريخانية.

 

بخصوص الأزمة التى تعرضت لها مؤخرًا بشأن رفض لجنة الترقيات منحك الترقية إلى درجة الأستاذية، ما هى المعايير التى يتم على أساسها منح الترقيات؟

أنا لا اعرف ما هى المعايير التى على أساسها يتم منح الترقية، ففى أحايين كثيرة، أرى وكأن الأمر يتحقق خارج أى معيارية، لا يوجد معايير منضبطة يمكن الاحتكام إليها فى عمليات التقييم، يبدو أنه لا وجود لمثل هذه المعايير الموضوعية البعيدة عن تحيزاتنا وآرائنا. فعندما يكون هناك عمل أقوم بتحكيمه، علىّ أن احتكم إلى معايير موضوعية يمكن قياسها، وبالتالى هناك معايير موضوعية، وهناك معايير شكلية وغيرها، لكن لسوء الحظ يبدو أن الأمر فى مصر غير متعلق فقط بلجان الترقيات، لأن لجان الترقيات فى النهاية هى جزء من بنية المجتمع، مجتمع تعانى فيه المعايير الموضوعية القابلة للقياس من أزمات حقيقية، عندما أتابع صفحات “فيس بوك” وهى يمكن التعامل معها باعتبارها دراسة حالة، هل تستطيع وانت تتابع صفحات المصريين على هذا الموقع أن تقول أن هذه الجماعة المصرية لديها معايير منضبطة فابلة للقياس، أظن أن اى نظرة على المجتمع المصر تقول ان تلك المفاهيم تعانى من ازمة حقيقية، وبالتالى لجنة الترقيات لن تكون بدعة، هى جزء من اطار ثقافى، نبدو فيه اننا أكثر انحيازا لآرائنا وميولنا وأهوائنا من أن نكون قابلين للضبط والمقايسة بمعايير موضوعية منضبطة.

هل يمكن أن نقول ان الإستعمار كان قد أعاق الدخول إلى عصر الحداثة؟

دائما يكون الاستعمار لدية أهدافًا غير أهدافك، فالاستعمار فى العالم كله مشغول بنهب المستعمرات وتحويلها الى ادوات لبناء نهضة أوروبا، وبالتالى يمكن النظر الى تجربة مصر العثمانية – وليست فقط أوروبا – ونحن هن نتكلم عن فضاء دينى واحد، لكن مع ذلك،  أتصور أن أكثر الفترات اجدابا فى التاريخ المصرى، هى الفترة التى عاشتها مصر تحت سيطرة الدولة العثمانية، لأنه يظل الاحتلال احتلال، عندما نقرأ فى تاريخ مصر العثمانية نرى كيف أن مصر كانت مجرد بقرة حلوب كل ما تنتجه يصب فى المركز الاستعمارى، بشكل أساسى، حتى الفنيين والحرفيين، يتم ارسالهم لمركز الخلافة، هل تتصور أن الحركة الاستعمارية عبر هذه الممارسات يمكن أن تتيح انتاج تراكم معرفى، ذلك أن التقدم يتم عبر عمليات تراكم، سواء كان مادى او عقلى، وهما مرتبطين ببعضهما، لأن العقل لا يتطور منفصلا عن العالم، ففعل التراكم المادى والعقلى ضرورى لأى تقدم، وأرى من الصعب انتاج عمليات التراكم فى ظل الاستعمار، يظل الاستعمار عاملا سلبيا، عائق أمام تحولات حقيقة فى البلدان المستعمرة.

ما معنى كلمة خطاب، خاصة أن الناس تتصور أن معنى كلمة خطاب هى نفس المعنى الذى تنتجه كلمة خطابة؟

كلمة خطاب مبتذلة ومهانة إلى حد كبير فى مصر، لنتكلم كلام مضبوط، كل قول يمكن أن يكون خطابًا، سواء مقروء أو مسموع، الموسيقى يمكن أن تكون خطابًا، اللوحات التشكيلية يمكن ان تكون خطابًا، ذلك باعتبار أن الخطاب هو رسالة بين مرسل ومتلقى، والفعل التواصلى الذى يتم بينهم يتم فى سياق، وهذا السياق جزءًا من الفعل، لا ينشأ خارجه، هذا ما نقرأة فى القواميس والمعاجم، لكن هناك معنى آخر للخطاب، أرى أنه أكثر انضباطًا عند ميشيل فوكو، واكثر شمولية من المعنى الأول، وهو ما سيفيدنا عندما نتكلم عن الخطاب الدينى، الخطاب هنا متعلق بالنظام الابستيمى المعرفى، التى تندرج تحته جملة أقوال، يفسرها النظام الأبستيمى ويعطيها معنى، يجعلها قابلة لأن تكون معقوله، لكن المعنى الذى يساعدنا فى تعاملنا مع الخطاب الدينى هو أننا يجب أن نرتقى بمفهوم الخطاب إلى أن ينصرف معناه إلى النظام المعرفى التى تندرج تحته جملة أقول متباينة، تظل عصية على التفسير إلا عبر هذا النظام الكلى، وهذا النظام المعرفى الكلى قد لا يكون هو نفسه موضوعًا للقول، أعنى أنه لا يتم الحديث حولة، لكن بدون هذا النظام، كل ما يقال يصبح غير مفهوم، مثال ذلك، عندما أذهب للخطاب الدينى يجب أن نميز فيه بين مستويين، مستوى متعلق بالعقائد، وآخر متعلق بالفقه، لنأخذ الخطاب الفقهى ونحاول تطبيق ما قلناه عن مفهوم الخطاب، الخطاب الفقهى يندرج تحته عشرات الآلاف من الأقوال، لكن هذا الخطاب له نظام معرفى واحد، وهذا النظام المعرفى هو القادر وحده على تفسير كل هذه الأقوال وإعطائها معنى، والتمييز هو النظام المعرفى الذى يشكل بنية هذا النظام ، فالخطاب قائم على مبدأ التمييز، لا يقول أى من الفقهاء بوجود فكرة التمييز، لكن مفهوم التمييز متحقق فى كل الأقوال التى ينتجونها.

وخطاب التمييز فى الفقه الإسلامى، به تمييز فى الداخل بين المسلم وغير المسلم، بين الرجل والمرأة، بين الحر وذوى المكانة الرفيعة ضد العبيد، وفى الخارج بين دار الاسلام ودار الكفر، لكن هذا التمييز كان هو طبيعة العصور الوسطى، فعالم العصور الوسطى بكامله، قائم على فكرة التراتبية والتمييز بين الناس، الكنيسة بنائها بناء هرمى، وكذلك المجتمعات الأوروبية الإقطاعية، والمجتمعات الإسلامية، من هنا جاءت الفكرة، فى قلب الخطاب الفقهى، والسؤال الآن كيف تتم عملية تجديد هذا الخطاب، شيوخ الأزهر يتصورون أن التجديد فى الفقه الإسلامى هو التالى، أن هناك قولًا لأحمد بن حنبل فى مسألة به عسر، بينما هناك قول لأبو حنيفة فى المسألة نفسها به يسر، والتجديد هو أن نذهب لقول ابو حنيفة ضدًا على قول بن حنبل، لكن من يقول بهذا التجديد ينسى أن حتى أبو حنيفة كان يفكر داخل فضاء التمييز، وليس خارجه، تظل تجد أن مبدأ التمييز حاضر، فى هذه الحالة التجديد يحتاج رؤية مغايرة، أن تبدأ اعادة بناء المنظومة الفقهية على مبدأ اللا تمييز.

إذن الأزهر غير قادر على تجديد الخطاب الدينى؟

بهذا المعنى الذى أشرحه الآن أتصور أن الأمر صعب، كل ما يعرفه الأزهر هو التحليلات والتبديلات، نترك قول شاذ، ونأتى بآخر مألوف، عندما تسأل الأزهر كيف تجدد، يقولون أننا حذفنا كل الأقوال الشاذة والمهجورة فى الفقه الاسلامى، هذا ليس تجديدًا، هو لا يستطيع معرفة أن هناك أنظمة أبستيمية كبرى تتحكم فيها أفكار كبيرة، وبدون التأثير فى هذه الأفكار الكبرى، يظل عملك مجرد عمليات احلال وتبديل لا تؤثر فى الأفكار الكبرى، سيظل التمييز قائم، فهل الأزهر بتكوينه العلمى والمعرفى قادر على النظر لأمور من هذه الزاوية، هل يمكن أن اتكلم عن تجديد الخطاب بدون أن يكون لدىّ وحدة لتحليل الخطاب، وهذه الوحدة لابد أن يعمل بها باحثين مؤهلين يعرفون معنى الخطاب، لكن ما أراه أن شيوخ الأزهر لا يفرقون بين الخطاب والخطابة، يجب أولا ضبط المفهوم، المفاهيم التى نتداولها الآن يجب أن يوجد حد ادنى من الفهم لها، واذا لم يوجد الحد الادنى، يظل استخدامى للمفهوم ثرثرة لا فائدة منها.

عندما أرجع للخطاب الفقهى أجد أنه يجب أن أعيد بناء هذا الخطاب على اللا تمييز، ذلك أن رؤية العالم فى العصر الحديث أسقطت التراتبيات والتمييز، لم يعد هناك مجال لأى تمييز بين الناس، كلنا مواطنون فى المجال العام للدولة، فضلًا عن أنهم يتعاملون مع القرآن بنفس طريقة تعاملهم مع الحداثة، وبينما كان التعامل مع الحداثة يتم عبر الاحتفاء بمكونها البرانى، واهمال مكونها التأسيسى، فأنه مع القرأن يمارس نفس الممارسة، يحتفى بالمكون البرانى للقرآن، ويهمل تمامًا المكون التأسيسى المبدئى، المكون البرانى فى القرآن هو الأحكام والحدود، وهى اجراءات موجودة من أجل أن تحقق المبادىء التأسيسية الكبيرة وليس العكس، العقل المسلم اعتبر الاجراءات البرانية هى غاية الدين، وبالتالى يأخذ العقل المسلم تلك الاجراءات كثوابت، وينسى أن تلك الاجراءات هى التى كانت قادرة على تطبيق المبادىء التأسيسية لحظة تنزيلها، كما ان التنزيل لا يمكن أن يكون ذا وضع نهائيًا، وإلا لم يكن عمر بن الخطاب ليوقف سهم المؤلفة قلوبهم، رغم أنه منصوصًا عليه، إذا رأينا أن الإجراء قادر على تحقيق المبدأ التأسيسى يجب العمل به، لكن إذا رأينا أن هذا الاجراء عاجز عن تحقيق المبدأ بل وعائق عن تحقيقه، فالحل هنا أن أوقف هذا الإجراء، فالاجراءات ليست وضعًا نهائيًا مطلقًا، الإجراءات تتحرك مع المبادىء، وبالتالى ما المشكلة ان يحدث تسوية فى الإرث، هل يستطيع أحد أن يتكم عن حر وعبد فى هذا الزمن، رغم أن النصوص التى تميز بين الأحرار والعبيد موجودة وقائمة فى القرآن، كما أن التطور يمكن أن يكون بابًا للنسخ، إذا ااتفقنا أن هناك نسخًا فى القرآن، فالنسخ كان يتم بسبب التطور الذى حدث فى الواقع، وإذا كانت حركة الواقع متطورة ولا تتوقف، ألا يعنى ذلك، أن قابلية النسخ دائمة، وماضية فى مسارها، نحن نحتاج إلى تحرير القرآن من أسر الخطاب الفقهى، لأن الخطاب التمييزى هو الذى يقرأ القرآن من هذه الزاوية.

هل يمكن ان تكون الدراسات الانسانية والفلسفية مخرجًا مما نحن فيه؟

بالتأكيد، باعتبار ان العلوم الانسانية ستقدم لك الأسلحة والادوات والمنهجيات التى تستطيع بها تفكيك الثقافة التقليدية، اذا اتفقنا على ان العقل الفقهى هو نتاج ثقافة سائدة، فأنه بدون تفكيك هذه الثقافة سيظل هذا العقل مهيمنًا، وعندما ندرك ان هذا التفكيك هو عمل العلوم الانسانية والفلسفة على العموم، ففى هذه الحالة لابد ان ندرك أهميتهما،  ليست تتمثل أهمية الفلسفة فى أن أعرف من قال ماذا ومتى، كل هذا سيجعلنى مثل الحمار يحمل أسفارًا، قيمة درس العلوم الانسانية، أنه يزودنى كباحث من الاسلحة التى ستمكننى من تشريح وتفكيك الثقافة التقليدية على النحو الذى يجعلنى أفهم كيف يعمل هذا العقل، وأجلعه يواجه نفسه، يكون واعيًا بنفسه،  العقل يعمل بهذه الطريقة لأن لا وعيه المعرفى تشكل فى إطار هذه الثقافة، فعندما أقوم بنقل هذا العقل من لا وعيه إلى حدود الوعى، يبدأ فى التحرر، سيخرج من سجن التقليدية إلى خارجه.

القرآن والوحى

هل يمكن فهم القرآن بدون الرجوع إلى التاريخ؟

هذا ناتج عن نظرية المعنى، كيف تنظر للمعنى، باعتباره معطى، أم تكوين؟، يتصور البعض أنه مادام أعطانا الله القرآن فأنه بالتالى أعطانا المعنى، وآخرين وتحديدا الذين يريدون الحفاظ على سلطتهم يرون أنهم المحتكرين لهذا المعنى، هذه النظرية بالغة الهشاشة، خرجنا من هذا الأفق الضيق، لأفق أصبح المعنى فيه تكوين، وهذا يعنى أن القارىء يشارك فى تكوين وانتاج هذا المعنى، فهو ليس شيئًا نتلقاه من الخارج، هو شىء ننتجه، فى علاقة تفاعلية بين القارىء والقرآن، الأمر متعلق  – فى حقيقته – بقراءة احتكارية وآخرى ديمقراطية، محتكرو المعنى يصرون على ان المعنى معطى وان الله هو الذى أعطانا هذا المعنى، وبالتالى فالمعنى ثابت، أما من يلح على أن المعنى انسانى ومنتج يتعاملوا مع المعنى على أنه تكوين، أظن ان القدماء من أنصار المعنى التكوين وليس المعنى المعطى، وإلا كيف نفسر اختلاف اثنين من الصحابة الكبار على قراءة آية واحدة، ونرى أن أحدهما يقول للآخر انما انت رجل تقول برأيك وأنا رجلًا أقول برأيى، وهذا معناه ببساطة  أن المعنى يتم تكوينه وأن الرأى داخل فى تكوين المعنى، ولا يمكن ابدا ان قائل هذا القول يتصور أن المعنى معطى، والا ما كان جرى بينهما هذا الاختلاف، الصراع فى الحقيقة، صراع من اجل السلطة، أما بخصوص التاريخ، فلى أن اقول لك شيئا بسيطا، اذا كان التاريخ داخل فى تاريخ ظاهرة الوحى الكبرى، والقرآن بطبعه جزء من هذه الظاهرة، فانطلاقا من هذه القاعدة، ألا يمكن القول ان ما ينطبق على الكل لابد أيضا أن ينطبق على الجزء، اذا كنا ملزمون أن نقول ان التاريخ داخل فى تركيب الوحى، لأنك اذا لم تقل هذا، ستضطر أن تصم الله بالتغير والحدوث، لأن الوحى متعدد وليس واحدًا، لدىّ وحى يهودى ومسيحى اسلامى، لكن ما هو سر التغير والانتقال من وحى لآخر، إما أن الله قد تغير، إما نحن قد أصابنا تغيير، وبالطبع فإن الضمير الدينى لن يقول ان الله قد تغير، لكن التغيير أصابنا نحن، تاريخنا وواقعنا ووعينا، واذا كان التغيير فى الوحى يتم بسبب التغير الذى يحدث لنا، فمعنى هذا ان تاريخنا داخل فى تركيب الوحى، وهو ما يفسر التغير من وحى لآخر، اذن عالم البشر داخل فى تركيب الوحى، والوحى لا يتجاهله، ووبما أن الوحى داخل فى تركيب القرآن، فالتاريخ داخل فى تركيب القرآن، نحن نخاف من التاريخية لأننا لا نفهمها على وجهها الصحيح، يتصور البعض التاريخية بمعناها المتوارث من القرن التاسع عشر، التاريخانية الوضعية، عندما تقول أن القرآن تاريخى، فمعنى هذا أنه مصنوع من قبل شخص ما، لكننا ننسى أن القرن العشرين قدم لنا تاريخية مختلفة، أصبحت فيه التاريخية مساوية للتأويلية، لأن التاريخ أصبح هو السياق الذى ينبثق فيه المعنى، اذا تعاملت مع التاريخية بهذا الاعتبار فانك ستقبل ان القرآن، لا خصومة بينه وبين التاريخية، بل أصل لأكثر من ذلك، القرآن ينبهنا بأهمية التاريخية، فعندما تقرأ قصة موسى والخضر المشهورة فى سورة الكهف، ترى أن هناك شخصًا يريد أن يتعلم من آخر، فيرد الخضر على موسى بأنك لن تستطيع معى صبرا، لكن موسى يلح، ونرى بعد ذلك أن الخضر يأتى بثلاثة أفعال غير مقبولة فى نظر موسى، يثقب سفينة، ويقتل غلامًا، ويهدَ جدارًا، وعندما يبدأ الخضر تفسير ما فعله لموسى، يبدأ موسى تغيير وجهة نظرته وتقييمه لأفعال الخضر، من أفعال سلبية، إلى أفعال إيجابية، وهذا معناه ان القرآن يقول، انك عندما تقدم الفعل معزولًا عن سياقه، فلن يكون له معنى، بدليل ان موسى أدان افعال الخضر حين لم يكن يعلم سياقاتها، كأن القرآن يقول لنا لماذا تتعاملون مع التاريخية على أنه شىء يجب عدم التفكير فيه، فالتاريخية هى الفضاء الذى يجعل الافعال والظواهر والاحداث لها معنى.